في قبر ليس قبرها.. رحلة إلى رابعة العدوية


٠٢ يناير ٢٠٢٠

أحبّكَ حُبَّينِ حُبَّ الهَوى   وحُبّاً لأنكَ أهْلٌ لِذَاكَ

فَأمَّا الذِي هُوَ حُبّ الهَوى  فشُغْلِي بذكرِكَ عمَّنْ سِوَاكَ

وأمَّا الذِي أنْتَ أهْلٌ لَهُ  فكَشْفُكَ لِي الحُجْبَ حتَّى أرَاكَ


كتب – هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

اختلف العلماء حول قبر "شهيدة العشق الإلهي" رابعة العدوية، وقد تدهشك الصور والسطور التالية التي تشير إلى وجود مدفن يحوي جسد السيدة التي تحاكي الناس بذهدها وتقواها في حياتها وتحاكت السير والكتب عن كراماتها، ولكن المؤكد أن مكان مدفنها يظل مختلف عليه، وأنه ليس في مصر.

هي رابعة ابنة إسماعيل مولاة آل عتيك، "رابعة القيسية العدوية"، ولدت بالبصرة في القرن الثاني للهجرة، ولقبها ابن خلكان بـ"أم الخير".

ولدت رابعة في أحد الأكواخ الفقيرة بأطراف البصرة وكان الناس يسمونه "كوخ العابد"؛ وفي عمر الزهور حفظت القرآن بالتجويد وتدبرت الأحاديث النبوية.

رابعة جارية




ذاقت رابعة مرارة اليتم وشظف العيش وعندما انتشر القحط فرقت المجاعة بين "رابعة" وأخواتها لتتعرض للخطف وتباع كجارية لتاجر رقيق بالبصرة أذاقها أشد أنواع العذاب.

ذات ليلة، استيقظ سيدها من نومه وسمع صلاتها ومناجاتها فنظر من الباب - يقول فريد الدين العطار كاتب سيرتها: "فرأى رابعة ساجدة وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلًا عظيمًا فوق رأسها يحلق، وهو بسلسلة غير معلق، هنا دعا رابعة وقال: أي رابعة وهبتك الحرية، فإن شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وإن شئت رحلت أنى رغبت، فودعته وارتحلت".

رحيل الزاهدة

تروي خادمتها عبدة بنت أبي شوال أن رابعة حين حضرتها الوفاة دعتها وقالت لها: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً. وكفّنيني في جبّتي هذه، وهي جبّة من شعر. وقالت عبدة: فكفناها في تلك الجبة، وفي خمار صوف كانت تلبسه. ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحو في منامي عليها حلة استبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر لم أر شيئًا قط أحسن منه.

فقالت لها: يا رابعة، ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها والخمار والصوف؟ فردت رابعة: إنه والله نزع عني وأبدلت به ما ترينه علي. فطويت أكفاني وختم عليها، ورفعت في عليين، ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة. فقالت لها عبدة: مريني بأمر أتقرب به إلى الله، فردت رابعة: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك.

أين رابعة العدوية؟

وبما أنه لا يُعلم أنها رحلت إلى الشام، أو زارت القدس الشريف حتى تموت هناك، فلا بد من التسليم بما ذكره ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" حين تحدث عن "المقدس" من أن هذا القبر في جبل الطور "ليس هو بقبرها، وإنما قبرها بالبصرة".

ويقول عبدالرؤوف المُناوي في كتابه "طبقات الصوفية": "كان كفنها لم يزل عندها، ويجدون محل سجودها كالماء المستنقع من كثرة البكاء".

اختلف المؤرخون في مكان قبر رابعة العدوية، ويقول ابن خلكان: "وقبرها يزار، وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور".

رحلة إلى القبر الفارغ




في شارع طويل يمتد لنحو كيلو مترين كاملين بمقابر الإمام الشافعي بالقاهرة التاريخية، تجولنا في منطقة تكثر فيها الأقاويل عن تعاطي المخدرات والجرائم بمختلف الصنوف التي تتم بين شواهد القبور والمقابر المهملة، وفي شوارع ومنحنيات وأزقة بين المقابر القابعة خلف مسجد الإمام الشافعي والممتدة إلى منطقة البساتين بالقاهرة.

توقفت كاميرا "رؤية" في الشارع قبل الأخير يمينًا أمام مسجد عقبة بن عامر الجهني والكثير من الأئمة وشواهد القبور وكانت مفاجئة، لافتة مدون عليها شارع رابعة العدوية.

15 مترًا فقط يمينًا ووجدنا أنفسنا أمام قبر مدون عليه بالطباشير الجيري "قبر رابعة العدوية"، وأسفله تربة مفتوحة تعود لعقود طوال - كما يبدو من مظهرها – وإذ بغرفة للدفن مفتحة على مصراعيها ومن مدخلها الذي يملؤه التراب والطوب، نعش خشبي قديم للغاية تسكنه قطة بالغة ترقد ملفوفة في بطانية في وداعة واستسلام وكأنها رمز للسيدة التي اشتهرت في حياتها بالجمال والوداعة والقرب من الله الواحد الأحد.

رغم ما سكن في نفسينا من رهبة لقدم المكان وخلو المنطقة من البشر ورغم تأكدنا من وجود مئات السكان في مقابر الإمام وسائر المقابر القديمة بالقاهرة، إلا أننا دلفنا يمينًا ثانية ووجدنا مفاجئة ثانية ألواح الرخام الجديدة ومظاهر تجديد كبيرة تكسو القبر العتيق تمت في حقبة التسعينيات.

ولكن إلى جانب شاهد قبر كبير مدون عليه "رابعة العدوية" يشاركها فيه أسماء لأموات مصريين كثيرين، والسؤال: إن كان هذا القبر يخص رابعة العدوية، كيف يشاركها فيه آخرون؟

وكيف يكون على هذا النحو من الإهمال والتردي وسوء الحال ويكون مستودعًا ومسرحًا لحقن المخدرات وسكن الحيوانات، والتعديات.

لا يجب أن يكون هذا مصير قبر سيدة تفانت في العشق الإلهي، إن كان هذا قبرها الحقيقي.
















الكلمات الدلالية رابعة العدوية

اضف تعليق

التقارير و المقالات ذات صله