خشبة وعمامة خضراء.. أطلال لأبي ذر الغفاري تظهر بمقابر الإمام الشافعي


١٢ يناير ٢٠٢٠ - ٠٨:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - عاطف عبداللطيف وهدى إسماعيل

بمنظقة المقطم في القاهرة التاريخية، وفي حارة مساحتها عريضة تقع بنهاية طريق المقابر البادئ من مسجد ومقام الإمام الشافعي بالقاهرة وصولًا لنهاية الساحة حتى تقع عيناك على آخر البيوت العتيقة بساحة المقابر، وأمام لافتة زرقاء مكتوب عليها: "حارة عقبة بن عامر"، وبمجرد أن تطأ قدميك المكان تصطدم بتلال القمامة خلفها ضريح يقول أهالي المنطقة أنه للصحابي الجليل "أبي ذر الغفاري".

المتعارف عليه في القبور والمشاهد الموجودة في مصر القديمة أنها تكون مبنية أو محاطة بأسوار أو قباب ضريحية إلا أن ضريح أبي ذر الغفاري لم يكن له قبو أو مقام أو جدران تحيطه لحمايته من المارة في شارع المقابر، ولا يزيد القبر المنسوب إلى الصحابي الجليل عن مجرد سور صغير لا يجاوز ارتفاعه المتر وعرضه عن متر ونصف وطوله عن 3 أمتار، ويحتوي على عمامة خضراء من القماش وخشبة كشاهد للقبر وقاذورات وبقايا مقام هذا هو الوضع الحالي.

التقط كل صحابي من صحابة رسول الله خيطًا أثيرًا لديه من خيوط شخصية النبى وجعله محور إسلامه، اختار "أبوبكر" الرفق والعطف على الآخرين، واختار "عمر" الحسم، في حين اختار "أبوذر" الدفاع عن الفقراء، ومطالبة الأغنياء بتنفيذ وصايا الكتاب الكريم في رعايتهم والإنفاق عليهم، إلى حد أن وصفه البعض بـ"عدو الثروات"، وقف أبوذر بقوة ضد مسألة كنز المال، وآمن بأن الإنسان يكفيه أن يحوز خبز يومه، وعليه أن ينفق ما زاد على ذلك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده"، كان يحب الله ورسوله حبًّا كبيرًا، فقد روى أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، فقال له النبي: "أنت مع مَنْ أحببت يا أبا ذر" فقال أبوذر: فإني أحب الله ورسوله، فقال له النبي: "أنت مع مَن أحببت"، وكان يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويتفقده إذا غاب.


قاطع طريق




ولد الصحابي الجليل أبوذر في قبيلة غفار بين مكة والمدينة، واشتهرت هذه القبيلة بالسطو، وقطع الطريق على المسافرين والتجار وأخذ أموالهم بالقوة، وكان أبوذرّ ضمن قطاع الطريق حتى أنه بلغ من الجرأة أن يقطع الطرق وحده، ويُغير على الناس وسط النهار دون خوف، ورغم مهنته تلك إلا أنه كان موحدًا، ولا يعبد الأصنام.

يقول "ابن كثير": "لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الآخر حتى قدمه وسمع من كلامه ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت"، فانطلق بنفسه إلى مكة يكتم سبب قدومه عن الناس حتى لقي الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبره بأمره، فدخل به الإمام "علي" على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلب منه "أبوذر" أن يعرض عليه الإسلام، ليدخل نور الإيمان إلى قلبه وعقله وروحه فأسلم رضي الله عنه، وحثه النبي صلى الله عليه وسلم على كتمان إيمانه حتى يسمع بظهور الإسلام وقوة شوكته، إلا أن أباذر قال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، وخرج "أبوذر" إلى البيت الحرام وصرخ بشهادة التوحيد بين الناس، فكان أول من جهر بها في الإسلام، قائلًا: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، فقام إليه المشركون يضربونه ليموت، لولا أن الله تعالى أنقذه بسيدنا العباس رضي الله عنه بعد أن هددهم بقبيلته غفار.

عاد أبوذر رضي الله عنه إلى قبيلته يدعوهم إلى الإسلام حتى أسلمت قبيلته، فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ومعها قبيلة أسلم، وحينها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله".

مات وحيدًا

لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى ولم يُطِق أبوذر صبرًا على الإقامة في المدينة، بعد أن خلت من سيد الخلق فرحل إلى بادية الشام، وأقام فيها مدة خلافة الصديق أبوبكر والفاروق عمر رضي الله عنهما.

وفي خلافة سيدنا عثمان نزل في دمشق، فرأى من إقبال المسلمين على الدنيا وانغماسهم في الترف ما أذهله، ودفعه إلى استنكار ذلك، فاستدعاه عثمان إلى المدينة، فقدم إليها، لكن ما لبث أن ضاق برغبة الناس في الدنيا، وضاق الناس بشدته عليهم، وتنديده بهم ونصحه لهم، فأمره عثمان بالانتقال إلى الربذة، وهي قرية صغيرة من قرى المدينة المنورة، فرحل إليها، وأقام فيها بعيداً عن الناس، زاهداً بما في أيديهم من عرض الدنيا، مستمسكاً بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من إيثار الباقية على الفانية.

يقول "ابن الأثير" عندما شعر المقاتل بالأجل يدنو نادى ابنته وقال لها: يا بنية هل ترين أحدًا؟، قالت: لا. قال: فما جاءت ساعتي بعد، ثم أمرها فذبحت شاةً ثم طبختها ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنونني فإنه سيشهدني قوم صالحون فقولي لهم: يقسم عليكم أبوذر ألا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها قال لها: انظرى هل ترين أحدًا؟، قالت: نعم هؤلاء ركب.

قال: استقبلي بي الكعبة، ففعلت. فقال: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم مات، فخرجت ابنته فتلقتهم وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر. قالوا: وأين هو؟ فأشارت إليه، قالوا: نعم ونعمة عين! لقد أكرمنا الله بذلك. وكان فيهم ابن مسعود فبكى وقال: صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، "يموت وحده ويبعث وحده"، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه. وقالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرأ عليكم السلام، وأقسم عليكم ألا تركبوا حتى تأكلوا؛ ففعلوا وحملوا أهله معهم حتى أقدموهم مكة".













اضف تعليق