تصفية سليماني.. تداعيات واحتمالات المواجهة الإسرائيلية الإيرانية


١٥ يناير ٢٠٢٠ - ٠١:٤٧ م بتوقيت جرينيتش

كتب - د.محمد عبدالدايم

ربما تكون عملية تصفية قاسم سليماني نقطة فاصلة في سيرورة المناوشات العسكرية بين عدة أطراف في الشرق الأوسط، فالقائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني كان اسمه مُدرجًا في ملفات سياسية وعسكرية بإيران واليمن والسعودية وسوريا والعراق ولبنان وإسرائيل.

يوم الجمعة 3 يناير أطلق طائرات مُسيرة (درون) صواريخ على ركب سيارات خارجة من مطار بغداد الجوي، ليُعلن بعدها أن الركب كان يضم قاسم سليماني (62 عامً)، ومعه أبي مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي العراقي، وكذلك محمد رضا الجابري مسئول التشريفات بالحسد، ولقي الثلاثة مصرعهم إضافة إلى 9 آخرين.


دور إسرائيل في العملية

لا شك أن سليماني تحديدًا كان أحد أبرز الأهداف الإسرائيلية خلال العامين الفائتين، بسبب دوره الكبير كمهندس لإدارة عمليات إيران في سوريا على وجه الخصوص، بالإضافة إلى العراق ولبنان/ نصر الله.

أفادت وسائل إعلام أمريكية بأن الولايات المتحدة اعتمدت على معلومات استخباراتية "موثوقة" تلقتها من إسرائيل كانت بمثابة العامل المساعد الأول في تنفيذ العملية بنجاح، خصوصًا وأن النشاط الاستخباري الإسرائيلي بات هو صاحب الدور الأكبر في عمليات سلاحي الجو الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وهذا "الدعم" الاستخباراتي يرجع إلى التطور الإسرائيلي الكبير في مجال السلاح السيبراني.

ليس هذا فحسب؛ بل إن بنيامين نتنياهو كان الوحيد في المنطقة الذي تلقى معلومات مسبقة حول العملية وأهدافها، ويسعى نتنياهو لتعزيز صورته الشخصية وصورة إسرائيل لدى المسئولين في الإدارة الأمريكية ولدى الرأي العام، ليثمن الجميع الدور العسكري الإسرائيلي في مساعدة القوات الأمريكية النشطة بالمنطقة، وهذا التعزيز من شأنه أن يضمن استمرار المساعدات الأمريكية، وعدم تقليص الدعم العسكري بناء على مطالب الديمقراطيين.


التطور الاستخباراتي الإسرائيلي

في السنتين الأخيرتين ظهر واضحًا للجميع التطور الكبير الذي حققته إسرائيل في النشاط الاستخباراتي، واتضح هذا في عدة مواقف ترتبط معظمها بالمواجهة مع إيران، مثل الحصول على بعض أسرار النووي في طهران، ورصد تمركزات الحرس الثوري في سوريا والحشد الشعبي في العراق واستهدافها بالقصف المُركز والمُدمر، بالإضافة لاكتشاف أنفاق حزب الله، وترصد بهاء أبي العطا القائد العسكري للجهاد الإسلامي في غزة.

تجهيز الانتقام

في رد فعل على مقتل مهندس عملياتها العسكرية أعلنت إيران بشكل مباشر أنها ستوجه ضربات انتقامية لإسرائيل، مع تأكيد كبير على دورها الاستخباراتي في مساعدة الولايات المتحدة في تعقب وتصفية سليماني.
بعد استنفار إيران للرد على مقتل سليماني، والمتمثل في استهداف قاعدتين عسكريتين في العراق بالقصف، أصبحت إسرائيل أقرب هدف يمكن لطهران أن تُفعِل ضده انتقامها، في محاولة لإظهار قوتها وغضبها، لكنها في الوقت نفسه تواجه عدة انتكاسات عملياتية عسكرية وسياسية، فقصف قاعدتي عين الأسد وأربيل لم يسفر عن سقوط قتلى لدى الجانب الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه أسفر عن إسقاط طائرة ركاب أوكرانية تقل مدنيين، مما وضع إيران في مواجهة غضب دولي، وأظهر مدى تخبط قواتها العسكرية في هذا الوقت تحديدًا، ويُضاف إلى هذا استئناف الهبة الشعبية الداخلية للاحتجاج على النظام.


وربما يكون عدم سقوط قتلى من الجانب الأمريكي بعد قصف قاعدتي عين الأسد وأربيل أمرًا إيجابيًا لطهران، لأنها بالتأكيد كانت ستواجه ردًا أمريكيًا عنيفا، فترامب غامر بتصفية سليماني، لكن مع سقوط جندي أمريكي واحد لن يستطيع الوقوف أمام هجوم الديمقراطيين أو الرأي العام الأمريكي، وفي الوقت نفسه يبدو خامنئي وكأنه لا يملك حاليًا خيارات كبيرة لإظهار قوة رد فعل بلاده، بل ظهر بائسًا وغير قادر على الرد حتى الآن أمام الرأي العام الإيراني والمجتمع الدولي.

التحفز الإسرائيلي

ومن جهته وردا على التهديدات الإيرانية بالانتقام من إسرائيل، صرح بنيامين نتنياهو أن بلاده ستقاتل إيران دون تردد إذا أقدمت على أي هجوم ضد إسرائيل.

الدور الإسرائيلي في اغتيال الرجل العسكري الأهم في إيران ربما يكون دافعًا لمحاولات انتقامية، مما دفع نتنياهو لإعلان دعمه لفرض مزيد من العقوبات على طهران، واستمر في استخدام لغة تهديد شديدة ضد إيران بعدما انتهى من اجتماع أمني مصغر استمر لخمس ساعات لمناقشة الوضع بعد اغتيال سليماني.

إيران، في الوقت الحالي، ربما تجهز خياراتها للرد على إسرائيل، عبر تحفيز عمليات نوعية ينفذها حزب الله اللبناني، صحيح أن الأخير ما زال يعاني من أزماته الاقتصادية والسياسية المتعلقة بالهبة الشعبية، لكنه يظل التهديد الشيعي الأقرب لحدود إسرائيل، وقد تحاول إيران تنظيم عملية عسكرية ضد إسرائيل تنطلق من سوريا، ومكمن الصعوبة هنا أن سلاح الجو الإسرائيلي والاستخبارات قد أثبتا تفوقًا كاسحًا في الصراع على أرض سوريا، أو ربما تحاول إيران الدفع بأحد من تابعيها في غزة، الجهاد أو حماس، لإثارة عملية نوعية ضد إسرائيل، لكن الجهاد يعاني بعد تصفية أبي العطا، وحماس ما تزال، حتى الآن، راغبة في التهدئة النوعية مع إسرائيل، ولو مؤقتًا.

ليست هذه الخيارات مؤكدة بالنسبة لرد الفعل الإيراني، فمن الصعب توقع ما تفكر طهران في تنفيذه، ولكن على الجانب الآخر فإن إسرائيل مصممة على أن تكون أكثر حزمًا، وتجهز لمزيد من الاحتياطات الأمنية، والخيارات العسكرية لمواجهة اي تحرك إيراني لشن هجوم.
البداية مع إغلاق مؤقت لمنطقة تزلج في هضبة الجولان السورية، وتشديد الرقابة على المعابر ونقاط التفتيش الفلسطينية، مع إيقاف مؤقت للنشاط العملياتي في سوريا والعراق.


استغلال ارتباك إيران

من جهة أخرى، وفقا لصحيفة يديعوت أحرونوت، فإن مسؤولين عسكريين إسرائيليين يُقَدرون بأن هذا الوقت هو الأنسب لتوجيه ضربة قاصمة لإيران، باعتبارها تعاني جراء مقتل سليماني، كما أن إسماعيل قاآني الذي عينه خامنئي قائدًا جديدًا لفيلق القدس لا يتمتع بالقدرات نفسها أو الكاريزما الكبيرة التي تمتع بها سليماني وأسبغت عليه في إيران هالات من البطولة، إضافة إلى تداعيات سقوط الطائرة الأوكرانية والاحتجاجات الشعبية، والتأثر الشديد بالعقوبات الأمريكية التي أدت إلى تقلص الناتج المحلي في عام 2019 أكثر من عام 2018.

الدعوة لاستغلال الظروف الحالية لإيران تأتي لعدم منحها الفرصة والوقت لتلملم خسائرها الكبيرة، فإذا تهيأت لها الظروف مستقبلا؛ ستستمر بالتأكيد في مساعيها لتدشين محور طهران العراق دمشق، وتبدو الهبة الشعبية في العراق ولبنان عاملًا مساعدًا لإسرائيل، نظرًا لانشغال إيران ممثلة في وكيليها الحشد الشعبي وحزب الله في كبح هذا الحراك.

وليس هذا فحسب بل ربما تسعى إيران من جديد للسيطرة على الملاحة عند باب المندب، ورغم أن هذا لا يتعلق مباشرة بأمن إسرائيل، بل أمن دول الخليج في المرتبة الأولى، فإن جزءًا لا بأس به من  صادراتها ووارداتها يقدر بنحو 12% يمر من باب المندي.

كذلك لا ترغب إسرائيل في أن تلتقط إيران أنفاسها لتستكمل التسوية الاقتصادية مع الصين، فالاقتصاد الصيني يمر حاليا بنوع من التباطؤ، وربما ينطلق بوتيرة أسرع في الفترة القادمة بما يسمح لإيران بتكوين شراكة قوية مع الصين، وبالنسبة لروسيا؛ فإنها تعيد التخطيط في بلورة هيمنتها في سوريا بما قد يحد من نشاط إسرائيل المواجه لإيران في سوريا.

في ظل ركود اقتصادي واحتجاجات قامت مجددًا في أغسطس الماضي، وتتجدد من حين لآخر على نظام بوتين، يصبح استغلال تعثر حلفاء إيران في الوقت الحالي مشجعا على توجيه ضربة شديدة تهز قوة الملالي.

استمرار المجال الجوي العراقي تحت سيطرة كاملة للقوات الأمريكية التي تتلقى معلوماتها الاستخباراتية من الجيش الإسرائيلي يعد عاملًا إضافيا يمنح إسرائيل أفضلية كبيرة إذا قررت توجيه ضربة لإيران في الوقت الحالي.

من الأسباب الرئيسة للتفكير في توجيه ضربة شديدة لإيران في هذا الوقت تحديدًا غموض المستقبل السياسي لدونالد ترامب، في ظل مساعي الحزب الديمقراطي لعزله من منصبه، واقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، واحتمال خروج ترامب من البيت الأبيض يعيد إسرائيل خطوات واسعة للوراء فيما يتعلق بمسألة مواجهة إيران.


تقديرات المواجهة في 2020

تعتبر إسرائيل أن التحدي الأهم لها خلال 2020 هو منع إيران من استكمال العمل على برنامجها النووي، وإجبارها على سحب قواعدها العسكرية المحيطة، دون الاضطرار إلى احتكاك مباشر، ومن هنا فإن مسألة اتفاق إيران مع الدول الأوربية على العودة للمفاوضات حول البرنامج النووي تمثل نقطة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، فطهران تشترط رفع العقوبات عليها لتوافق على المفاوضات، في حين تسعى إسرائيل لإقناع الدول الأوربية والولايات المتحدة بإسقاط مزيد من العقوبات الاقتصادية التي تخنق إيران وتمنعها من تخصيب اليورانيوم والتقدم في البرنامج النووي.

في هذا السياق، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية هذا الأسبوع تقريرًا أصدرته شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) التابعة هيئة أركان الجيش الإسرائيلي مفاده أن إيران تواصل التقدم بوتيرة بطيئة نحو إنتاج قنبلة نووية واحدة، ويمكن أن تكون مدة عام كافية لها لتحقيق هدفها، بالإضافة إلى عامين آخرين لإنتاج صواريخ يمكنها حمل القنبلة، وبالتالي يجب الضغط القاسي عليها لمنعها من تنفيذ الأمر.

التفكير الإسرائيلي في الاستعداد لضربة "حفظ ماء الوجه" الإيرانية، وتوجيه الضربة القاصمة لطهران يستلزم استمرار الجيش الإسرائيلي في خطته لتطوير جهوزيته العسكرية على مستوى الأسلحة والأفراد، ما يعني تخصيص مزيد من الأموال لصالح الجيش، وهذا أيضًا يستلزم أن يستقر الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل بعد انتخابات 3 مارس المقبل، بعد حالة من الجمود السياسي تقترب من العام، ومنعت تشكيل حكومة جديدة.


محاور دحر إيران

يؤكد خبراء أمنيون إسرائيليون على ضرورة تحجيم إيران، من خلال عدة محاور:

-  الضغط لتوقيع مزيد من العقوبات الأمريكية والأوربية.

-  إقناع ترامب بعدم الدخول في مفاوضات جديدة مع غيران بخصوص البرنامج النووي.

-   توطيد العلاقات السياسية مع كل من روسيا والصين، دون إثارة غضب الطرف الأمريكي، الداعم الأكبر لإسرائيل.

-   محاولة تهدئة الطرف الأردني الغاضب من إسرائيل.

-   الاستمرار في مواجهة حزب الله دون الانجرار لحرب مباشرة.

-   استثمار الهدوء المؤقت لحماس في تحميلها مسئولية قطاع غزة، بالتزامن مع منعها من تعزيز قواتها وعتادها.


 


الكلمات الدلالية مقتل قاسم سليماني

اضف تعليق