إبان تفعيل آلية فض النزاع.. لماذا تغيرت العلاقة بين بروكسل وطهران؟


١٩ يناير ٢٠٢٠

رؤية- محمود رشدي 

اتخذت العلاقة بين إيران والدول الأوروبية منحنى تصعيديا بعدما أعلنت الأخيرة تفعيل آلية فض النزاع بالاتفاق النووي "5 1"، جاء ذلك القرار بعدما شهدت الفترة الأخيرة صراعًا بين إيران والولايات المتحدة على إثر مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، نجم عنها ارتباط في الردود الإيرانية تناولت إسقاط طائرة ركاب أوكرانية، واحتجاز السفير البريطاني لساعات.

يبدو أن الدول الأوروبية أدركت أنه لا انفصال بين البرنامج النووي الإيراني والنهج الإيراني المليشاوي بمنطقة الشرق الأوسط، خاصة عقب الاتهامات العديدة لأذرعها المسلحة بالعمليات الإرهابية وعدم الاستقرار، إضافة إلى إدخال ممرات النفط الآمنة -على رأسها الخليج العربي- داخل دورها الأساسي في القرصنة والإرهاب البحري.

دلالات الخلاف

برزت على السطح خلافات علنية بين الطرفين أعلنها المرشد الأعلى الإيراني الجمعة الماضية، بعد انقطاع دام لسبعة أعوام، شن خلالها علي خامنئي هجومًا على الدول الأوروبية باعتبارها "دول لا يمكن الوثوق بها"، ويمكن تناول أبرز دلالات القضايا الخلافية بينهما في النقاط التالية: 

تهديد طهران بتخفيض التزاماتها النووية: كانت تسعى الدول المشاركة في الاتفاق أن تعمل طهران على تخفيض كمية اليورانيوم المخصب، وتقليل عدد أجهزة الطرد المركزي، بجانب رفع القيود عن عمل وكالة الطاقة النووية في مهام التفتيش والبحث. وهنا، فإن هذه الإجراءات المتتالية تُفرِّغ الاتفاق من مضمونه، لأنها تعرقل تحقيق الهدف الأساسي منه، باعتبار أن القوى الدولية التي شاركت مع إيران في الوصول إليه كانت تسعى عبره إلى وضع قيود على النشاط النووي الإيراني وإبقائه قيد المراقبة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لمنع إيران من الإقدام، في لحظة ما، على الوصول إلى المرحلة التي يمكن فيها إنتاج القنبلة النووية.
 
ارتدادات التدخلات الدولية: فشلت الرؤية الأوروبية بالاتفاق مع الرئيس السابق باراك أوباما في أن الاتفاق النووي سيعزز من تيار الإصلاحيين والمعتدلين في الداخل الإيراني عن تيار المتشددين، تمحورت تلك الرؤية حول إمكانية أن يتغير السلوك الإيراني نحو التكيف مع السياسات العالمية عن طريق وصول المعتدلين إلى الحكم بوجود الاتفاق الإيراني. ولكن ما حدث هو العكس، فمنذ توقيع الاتفاق النووي 2015، ولم يسفر الاتفاق عن تغير في السياسة الإيرانية، وإنما توغلت داخل العواصم الإقليمية عن طريق مليشياتها المسلحة، وساهمت في زعزعة واستقرار العديد من العواصم، ناهيك عن التوتر في تدفق النفط إلى أوروبا. بل إنها حاولت في هذه الفترة انتزاع اعتراف غربي بهذا الدور، لاسيما في العديد من الملفات الإقليمية التي تحظى باهتمام خاص من جانبها.
 
وعليه، أيقنت الدول الغربية أنه لا يمكن الفصل بين الاتفاق النووي، ودور إيران المزعزع لاستقرار منطقة الشرق الأوسط، ولذا غيرت الدول الأوروبية سياسة التفاوض مع طهران، بالتوجه نحو التنسيق بشأن الصواريخ البالستية ودورها الإقليمي، الأمر الذي رفضته إيران.
 
يبدو الأمر متقاربًأ مع سياسة الإدارة الأمريكي على نحو ظهر في تبرير مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، بيد طائرة مسيرة أمريكية. إذ قالت المتحدثة باسم الحكومة الألمانية أولريك ديمر، في اليوم نفسه، إن تلك الضربة "مثلت رداً على الاستفزازات العسكرية التي تتحمل مسئوليتها إيران".  
 
رد الفعل الإيراني: شرعت طهران في اتخاذ عدة خطوات خطوات أثارت استياءً واضحاً من جانب الدول الأوروبية. إذ تبدو طهران مصرة على استخدام ملف مزدوجي الجنسبة في ممارسة ضغوط على تلك الدول، حيث ما زالت تلك القضية محور جدل بين طهران والعديد من تلك الدول، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا. وقد طالبت الأخيرة، على سبيل المثال، في 10 يناير الجاري، السلطات الإيرانية بالإفراج عن فاريبا عادل خاه الخبيرة في الشئون الشيعية في مركز الأبحاث الدولية بكلية العلوم السياسية بباريس، ورولان مارشال المتخصص في شئون القرن الإفريقي في المركز نفسه، اللذين اعتقلتهما في يونيو 2019، حيث اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان أن اعتقالهما "غير مقبول".
 
ولا ينفصل ذلك أيضاً دون شك، عن الخطوات التي اتخذتها إيران وهددت من خلالها مصالح بعض تلك الدول، خاصة عندما قامت باحتجاز الناقلة البريطانية "ستينا إمبيرو"، في 19 يوليو 2019، رداً على قيام سلطات جبل طارق بالتعاون مع القوات البريطانية باحتجاز الناقلة الإيرانية "غريس 1" في 4 من الشهر نفسه، على نحو فرض تداعيات مباشرة على العلاقات بين طهران ولندن حتى بعد أن تم الإفراج عن الناقلتين.
 
ختامًا، يبدو أن هناك مرحلة جديدة من التوتر ستبدأ بين إيران والدول الأوروبية، بعد أن كانت الأولى تُعوِّل في فترة ما بعد الوصول للاتفاق النووي، على تلك العلاقات في تحسين علاقاتها الخارجية ودعم انخراطها بشكل أكبر في منظومة التفاعلات الدولية على المستويات المختلفة.



اضف تعليق