موطن "ثمود".. ثاني أكبر مدن الأنباط تفتح ذراعيها للجمهور


٢١ يناير ٢٠٢٠ - ١٠:٠٥ ص بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

في عام 2012 دعا رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار السعودية في ذلك الوقت "سلطان بن سلمان" لزيارة "مدائن صالح" بعد أن تلقى رسالة هاتفية من عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي، "عبدالله بن منيع"، الذي زارها مع اللجنة الدائمة للإفتاء، لتحديد موقعها  لتكون مصدر رزق للفقراء منهم، مبديا استعداده للذهاب إلى هناك.

فتحت هذه الرسالة الباب لزيارة "مدائن صالح"، على اعتبار أن "زيارة مواقع الآثار للأمم المُعذَّبة لا بأس بها، إذا كانت لفترة قصيرة ولغرض العِظَة والعبرة، كونهم قوماً أهلكهم الله بذنوبهم"، غير أنها حذّرت من البقاء فيها "لغرض السياحة، أو للأكل والشرب"، وفي مايو 2018، أغلقت الهيئة الملكية لمحافظة العلا "مدائن صالح"، "وذلك لإتاحة الفرصة للخبراء لإجراء سلسلة من الأبحاث المهمة لحماية هذه المواقع والحفاظ عليها، على أن يعاد افتتاحها هذا العام.

فتوى دينية




أصدرت هيئة كبار العلماء السعودية العديد من الفتاوي التى تمنع زيارة "مدائن صالح" منها ما كان في عهد الملك "فيصل بن عبدالعزيز" والتي رأت منع الإحياء والسكن فيما كان فيه آثار من جبال وسهول في مدائن صالح وكذلك الآبار الثمودية، ومجرى الوادي ومفرشه، وأن ما عدا ذلك مما كان خارجا عنه وداخلا في محيط سلسلة الجبال القائمة قررت الهيئة بالأكثرية جواز إحيائه والسكن فيه.

يستند علماء الفتوى في السعودية على منع زيارة "مدائن صالح" بحديث شريف جاء فيه أن النبي صل الله عليه وسلم لما مر بالحجر "مدائن صالح" قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم فيصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي".

مدينة الحجر




تقع مدائن صالح، أو "مدينة الحجر"، في محافظة العُلا التابعة لمنطقة المدينة المنورة، وكانت عاصمة مملكة "لحيان" في شمال الجزيرة العربي، وترجع تسمية مدائن صالح نسبة إلى نبي الله صالح، وعرفت في القرآن الكريم بـ"الحجر" حيث جاء وصفها أنها منطقة منحوتة من الجبال والصخور.

تعود هذه المدن إلى ما قبل عصر الإسلام، إلى عهد المملكة النبطية وتحتوي على أكبر مستوطنة جنوبية لمملكة الأنباط بعد مدينة البتراء في الأردن، عاصمة مدينة الأنباط و تفصلها عنها مسافة 500 كم.

شعب تمود

قبل 800 عام قبل الميلاد كان هناك شعب عربي يدعى "تمود" يعتقد أنهم أقاموا أول مستوطنة فى "مدائن صالح" وفقا لما ذكر بالقرآن وكانوا وثنيين، وحينها أرسل الله "النبي صالح" لتحذير قومه ثمود، لكنهم لم يستمعوا إلى نبي الله "صالح"، فحل عليهم عذاب الله وجاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة أسفل منهم فزلزلت الأرض تحت أقدامهم، ولم ينج إلا المؤمنين.

تحولت "مدائن صالح" إلى مدينة تجارية حيث يستريح التجار ويبيعون بضائعهم ، ثم احتل الأنباط المدينة وكانوا في الأصل من البدو الرحل الذين أسسوا مملكة قوية في سيناء وأجزاء من الأردن الحديث في شمال غرب الجزيرة العربية، وفي عهد الأنباط أصبحت مستوطنة مدائن صالح مدينة حقيقية، لقد طوروا نظامًا للري يعتمد على تجميع مياه الأمطار في الخزانات مما ساعد الزراعة على الازدهار.

وبحلول العصور الوسطى تم التخلي عن "مدائن صالح" ، لكن العثمانيين قاموا في وقت لاحق ببناء حصن في المنطقة التي دمرت خلال الحرب العالمية الأولى، وبدأ علماء الآثار في استكشاف المدينة في القرن التاسع عشر.

آثار أقدام

تحتوي هذه المدائن على أكثر من 130 مدفنا منحوتين في الصخر ومزينة بنقوش متقنة بالخط النبطي مما يشير إلى الوضع الاجتماعي، وبعض المقابر اللاحقة لها نقوش باللغة اللاتينية، تم بناؤها في الفترة بين العام الأول قبل الميلاد وحتى العام 75 ميلاديا.

يقول بعض علماء الآثار الذين زارو المنطقة: "إن هذه النصوص الفريدة من نوعها لمدائن صالح، لها قيمة غير عادية؛ لأن الأنباط لم يتركوا تاريخًا مكتوبًا واسع النطاق، ولكن مع الآسف أدت الرياح الصحراوية إلى تآكل العديد من المقابر بشكل سيئ لكن من الممكن رؤية التصميمات الداخلية.

وأشارو إلى أن هناك العديد من الآبار التي كانت ذات يوم جزءاً من نظام الري النبطي الذي ساعد المدينة  على الازدهار في المنطقة الصحراوية، فهناك ما يقرب من 60 بئراً ، يصل ارتفاع بعضها إلى 20 قدمًا محفورة في الصخر.

وفي منطقة الجبل الشرقي يوجد صخرة بها تجويف ضخم يقال أن ناقة سيدنة "صالح" خرجت منها وأيضا عقرت فيها وإلى جانبها أثر على صخرة في الجبل يقولون إنه مخرج الفصيل "صغير الناقة".

وفي وقت آخر اكتشف باحثون علميون هياكل عظمية وجثامين ملفوفة بجلود طبيعية كانت قد حفظت في داخل غرف في صخور يزيد عمرها على أكثر من 3 آلاف عام، وآثار أقدام رجح الباحثون أن تكون آثارا لديناصورات بالإضافة إلى رسومات ونقوش في غاية البراعة.

مدائن صالح في القائمة

نجحت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" فى تخطي المستهدف لعام 2019 فيما يتعلق بتسجيل المواقع التاريخية على قائمة التراث في العالم الإسلامي، وبلغت المواقع المسجلة على اللائحة 132 موقعا، منها "مدائن صالح"، وقد قامت منظمة اليونسكو بتسجيلها ضمن قائمة مواقع التراث العالمي العام 2008، وأصبحت بذلك أول موقع للتراث التاريخي في المملكة العربية السعودية.

حظيت هذه المدائن بشهرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وقد زارها ولي العهد البريطاني الأمير شارلز، وأبدى إعجابه بها، ورأى أنها من المعالم السياحية المميزة، "وتشكل علامة فارقة في خريطة السياحة العالمية"، كذلك، زارها ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، والتقط صوراً لنفسه أمام واجهاتها الصخرية المنحوتة.



اضف تعليق