مقياس النيل.. عندما أغلق أبوابه للأبد في وجه "حابي"


٢٢ يناير ٢٠٢٠ - ٠٩:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - عاطف عبداللطيف وهدى إسماعيل

سلسلة بدأتها شبكة "رؤية" في البحث عن كل ما هو قيم من "آثار مهملة أو منسية" حتى ما ظل على حالة جيدة إلا أن الكثير منا لا يعرف عنها شيئًا، واليوم موعدنا مع "مقياس النيل"؛ فعلى ضفاف جزيرة المنيل بالقاهرة، يبقى المقياس شاهدًا على تاريخ طويل من زيادة أو نقصان مياه "حابي".

كوبري خشبي عتيق على الطراز الإسلامي الفريد هو تذكرة المرور إلى جزيرة منيل الروضة؛ وبمجرد عبورك البوابة تجد أمامك تمثالًا لعالم الرياضيات الأوزباكستاني الشهير أحمد الفرغاني باني "مقياس النيل".

ورغم أن عمره يتعدى الـ1100 عام تقريبًا، إلا أنه لا يزال صامدًا كصمود رفيقه "نهر النيل" وله رونق وجمال كالنهر العذب، وكان الهدف من بناء مقياس النيل معرفة منسوب المياه الحقيقي باستمرار ونوبات الفيضان والجفاف؛ لأنه كان الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها تحديد مستوى المعيشة الحقيقي للمزارعين، ونوعية المحاصيل الحقلية، وبالتالي يمكن عن طريقه حساب عملية فرض الضرائب العادلة على المصريين.

أجمع المؤرخون على أن "المقياس" قد بني في سنة 247هـ (861م) بأمر المتوكل الخليفة العباسي، وعلى الرغم من ذلك نسبه البعض إلى الخليفة المأمون، غير أن المؤرخ "شمس الدين ابن خلكان" صاحب "وفيات الأعيان" ذكر ما يؤكد أن اسم الخليفة المتوكل كان محفورًا في الحجر ضمن نص تسجيلي على شريط يحيط بفوهة البئر من أعلاها ومعه تاريخ بنائه في رجب سنة 247هـ، وأن البئر قد بنيت على يدي أحمد بن محمد الحاسب.

المقياس من الداخل




درجات قديمة تفصلك عن الباب الأحمر الخاص بالمقياس فيما تطارد أنفك رائحة المياه العالقة على جدران المبنى العتيق، وفي قاعة مربعة يتوسطها بئر مربعة مشيدة بالأحجار طولها 6 أمتار وعمقها 12 مترًا يتوسطها عامود طويل مصنوع من الرخام ويبلغ طوله 19 ذراعًا، بني المقياس الشهير -وهو أكبر من المنسوب الطبيعي لنهر النيل- والذي يجب ألا يزيد أو يقل عن 16 ذراعًا، فإذا قل عن 16 ذراعًا يحدث جفاف يقضي على المحاصيل ويقل الإنتاج؛ فتمنع الضريبة في هذا العام، وإذا زاد عن 16 ذراعًا يحدث فيضان يقضي على الحاصلات الزراعية؛ فتمنع الضرائب.

شكل دائري




راعى العالم الأوزباكستاني "أحمد الفرغاني" عند إنشائه للمقياس الطبيعة المحيطة بالمكان؛ فقام بتصميم قاعدة البئر التي يرتكز عليها عامود القياس من شجر الجميز لقدرتها على امتصاص الاهتزازات الأرضية وعدم التأثر بالمياه.

للنزول إلى قاع البئر عليك النزول على سلالم قديمة بلا طرابزين أو حاجز، أما البئر فمكون من ثلاثة مستويات مختلفة وتحتاج إلى 37 درجة سلم للنزول إلى القاع، ولكل مستوى فتحة خاصة تصل البئر بمياه النهر العظيم، أي أن البئر بها 3 فتحات رأسية، وفي المستوى الأول يوجد أربع عقود مدببة تشبه الشبابيك، وهي من أقدم العقود التي بنيت في مصر، وعبارة عن أحمال للحائط وظيفتهم امتصاص صدمة المياه المندفعة إلى المقياس، كما يوجد بعض النقوش على الحجر الطولي لهذا المربع مكتوبًا عليها قوله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ".

وفي المستوى الثاني الذي بدأ يضيق في المساحة، ويوجد به الفتحة الثانية وهي تكاد تكون مثل الأولى من حيث الاتساع ولكن لا يوجد حولها أي من العقود، ثم المستوى الثالث الدائري والأصغر ويحتاج إلى 8 درجات صغيرة للنزول إليه ويوجد به القاعدة المصنوعة من شجر الجميز.

لقد كانت القاعدة تختلف كهيكل معماري عن باقي المقياس فهو يأخذ الشكل الدائري، وقد تم إنشاؤه بهذا الشكل لأن المصمم الهندسي اكتشف أن مياه النهر عندما تدخل إلى المقياس تكون مندفعة بقوة قد تؤدي إلي انكسار العامود أو تؤثر على الجدران، وكان الشكل الدائري هو الأنسب لامتصاص هذه القوة.

وعلى جدران المقياس خارج البئر توجد أربع لوحات معلقة على الحائط، مكتوبًا عليها نفس الآية الكريمة الموجودة على الأحجار وبنفس الخط الكوفي، يرجع تاريخ هذه اللوحات إلى الحملة الفرنسية على مصر.

ليس الوحيد

مقياس النيل بالمنيل ليس الوحيد، ويوجد بمحافظة أسوان -جنوبي مصر- العديد من المقاييس في معابد "كلابشة، فيلة، إلفنتين، كوم أمبو، إدفو"، وجميعها ترجع إلى العصور البطلمية والرومانية.

وكانت المقاييس عبارة عن علامات محددة على ضفة نهر النيل ثم تطورت إلى بناء درج وأعمدة وآبار أطلقوا عليها مقاييس النيل أو "النيلومتر"، وكان رئيس الكهنة -لدى المصريين القدماء- يراقب نسبة زيادة المياه بشكل يومي ويدونها في سجلات خاصة، وأصبحت مهمة التنبؤ بحجم الفيضان جزءا من مهام الكهنة.

انتهى دوره بعد بناء السد العالي، لتقوم الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الري والموارد المائية ببناء مقياس حجري بعده بحوالي 50 مترًا، لينتهي بذلك دور أقدم مقياس في التاريخ ليكون شاهدًا على مر العصور على ثورة نهر خير لم يهدأ ولم يتوقف إلا مع انتهاء بناء السد العالي، لتغلق الأبواب الداخلية والخارجية في وجه المياه للأبد.

















الكلمات الدلالية العثمانيين مقياس النيل المنيل

اضف تعليق