الصين السوداء..نيجيريا أول قوة عظمى في أفريقيا


٢٨ يناير ٢٠٢٠ - ٠٦:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - هالة عبدالرحمن
منذ ألف عام، كانت هذه واحدة من أغنى المدن في العالم، محطة التجارة عبر الصحراء الكبرى التي جلبت الملح للتبادل عن العبيد والذهب والعاج.

ما يخبئه المستقبل لنيجيريا كبير ففي غضون 30 عامًا، ستكون نيجيريا الأكبر من حيث عدد السكان، أكبر من الولايات المتحدة بحلول نهاية هذا القرن، ستكون ثالث أكبر دولة في العالم، بعد الهند والصين، وأكبر دولة من حيث الكثافة السكانية.
وسيكون عدد المسلمين أكثر من أي بلد آخر في العالم، وإذا تمكنت من الجمع بين أعمالها الاجتماعية والاقتصادية، فقد تكون أيضًا أول قوة عظمى في القارة.


تتمتع نيجيريا بعدد هائل من المزايا التي يجب أن تساعدها في ذلك: الموارد، الحجم، الموهبة، أخلاقيات العمل والحكومة الديمقراطية، لكن لديها قائمة طويلة من التحديات.

ظلت نيجيريا عالقة بالقرب من أسفل المؤشرات كافة المستخدمة لمقارنة الدول، من حيث التقدم الاجتماعي، والتنمية البشرية، والهدوء، والحكمة، والابتكار، والهشاشة، والفساد وسهولة ممارسة الأعمال التجارية.

ولم تعد نيجيريا دولة فاشلة؛ فهي تنتقل من أزمة إلى أخرى، ولكن كلما كنت تعتقد أنها على وشك الانهيار، فإنها تتراجع.

وفي الوقت نفسه، ينفجر معدل السكان، وينمو بمعدل يزيد عن ضعف المعدل العالمي.

وينطبق ذلك بشكل خاص في الشمال، حيث تبلغ معدلات الخصوبة عادة حوالي سبعة أطفال لكل امرأة. باستثناء لاجوس، تكافح الحكومات المحلية لتحصيل الضرائب وتقديم الخدمات الأساسية، ويتم تعريف "الطبقة الوسطى" على أنها القادرة على شراء المياه المعبأة وتمتلك مولدا كهربائيا.
 


ويعد الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لمعظم النيجيريين هو الوضع الأمني. في المتوسط​​، يتم اختطاف سبعة نيجيريين من الطبقة الوسطى وعاملين في مجال النفط واحتجازهم للحصول على فدية كل يوم.

والوضع الأمني في نيجيريا هش للغاية؛ فقد أصدر فرع من تنظيم "داعش" في بوكو حرام فيديو يظهر فيه عشرة مسيحيين مقطوعي الرأس في مايدوجوري.

ويرتبط الوضع الأمني بالاقتصاد، كما أن الذين يرتكبون الاحتيال السيبراني والابتزاز والقرصنة والسرقة يفعلون ذلك لأنهم لا يملكون وسيلة مشروعة للمشاركة في الاقتصاد، إنهم رواد أعمال للعنف، وفقًا لتقرير مجلة "نيوزويك" الأمريكية. 


الصين السوداء
وعلى الرغم من العنف والروتين والجشع، فإن نجاح وضع نيجيريا الاقتصادي قد يضاهي الصين.

يمكن للبلاد أن ترقى إلى مستوى إمكاناتها الضخمة. ولديها نفس طريق النجاح مثل الصين، قليلون منا يتذكرون الباندا النائمة التي كانت الصين قبل 40 عامًا. لقد رأينا الآن خمس معجزات اقتصادية في شرق آسيا، لذلك من السهل وضع الصين كجزء من الاتجاه. من الصعب تخيل معجزة اقتصادية أفريقية لأن أحداً منا لم يراها على الإطلاق.

ويعد تحويل الاقتصاد ليس بالأمر السهل ، لكن يمكن القيام به. عندما توفي ماو تسي تونغ في عام 1976، وكانت الصين واحدة من أكثر دول العالم فقراً وتخلفاً.

كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وهو في الأساس مقياس متوسط ​​الدخل ، حوالي 200 دولار (معدلة حسب التضخم). بعد ذلك بعامين ، وصل دنغ شياو بينغ إلى السلطة وحرر الاقتصا.

ويبلغ متوسط ​​الدخل السنوي الآن ما يقرب من 10ألاف دولار، وتم انتشال 850 مليون شخص من الفقر.

أرقام نيجيريا اليوم قريبة لما كانت عليه الصين قبل الإصلاح. في عام 1978، كان معدل الفقر في الصين 55 في المائة ، وهو ما يعادل تقريبا أحدث الإحصاءات لنيجيريا.

وبلغ معدل معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين في الصين 65 في المائة فقط، مقارنة بـ 62 في المائة في نيجيريا.

اليوم، يبلغ معدل الفقر في الصين ما يقرب من الصفر ، ومحو الأمية 97 في المائة.

إذا بدت المقارنة مع الصين طموحة للغاية، فماذا عن الهند؟ يوجد في نيجيريا والهند أكثر من عدد قليل من أوجه التشابه: كلاهما مستعمرات بريطانية سابقة ولديهما عدد غير عادي من المجموعات العرقية (2000 في الهند)، والفساد المستشري، والنزاعات الدينية والمغتربين الموالين والمتعلمين تعليماً عالياً. قبل عام 1991 ، كان للهند اقتصاد اشتراكي خاضع للتنظيم، مع مستويات شديدة من الحمائية للصناعات المحلية ومستويات سيئة من الروتين والبيروقراطية.

لدى نيجيريا مجموعة من السياسات الاقتصادية التي تخنق الابتكار والكفاء، مثل البنية التحتية والخدمات الأساسية، ويقول أحد المديرين التنفيذيين خارج السجل "الشركات تصلي كي لا تلاحظها الحكومة".

وفي نظر أغلب النيجيريين، الفساد هو التحدي الأكبر أمام أي حكومة في البلاد وبدون قصم ظهره، لا أمل في الإصلاح.

"مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة"، بدأت حكومة نيجيريا العمل بهذا الشعار وأسست في البداية مشروعها بنظام اجتماعي يتداخل مع النظام التربوي.

وأكدت أن "شاباً في شمالي البلاد لن ينخرط في صفوف جماعة بوكو حرام المسلحة إذا كان متعلماً، ولكي يكون متعلماً فلا بد وقبل كل شيء ألا يكون جائعاً!".

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 50% من الفتيات في مناطق شمالي نيجيريا واللاتي يتراوح أعمارهن بين 15 إلى 25 سنة أميّات؛ لذا قررت الحكومة تفعيل نظام "الإعانة الاجتماعية" والذي يتضمن تقديم ثلاث وجبات غذائية في المدارس، وقد تجلت الانعكاسات المباشرة والسريعة لهذا النظام بعد ثلاثة أعوام، حيث ازدادت نسبة التعليم خلال هذه الفترة 16%.

تأثير ارتفاع نسبة التعليم شمالي نيجيريا لم يلقِ بظلاله في ساحة بوكوحرام بعد، لكن العمل بنظام الإعانة الاجتماعية لا يزال سارياً ولم تفقد الحكومة آمالها حتى الآن!

الاحتياطي النفطي النيجيري يبلغ أكثر من 35 مليار برميل، حيث تضم البلاد ما مجموعه 159 حقلاً، أغلبها تقع في جنوبي البلاد التي تعرف بـ"إقليم الجنوب"، وفقاً للتقسيم الإقليمي.

تنتج نيجيريا أكثر من مليوني برميل يومياً، وهذا يجعل منها أكبر منتجي النفط في أفريقيا والـ11 على مستوى العالم، لكن عدداً قليلاً من النيجيريين فقط ينتفعون من ريع العائدات النفطية، وأغلبهم من المسيحيين المقيمين في مناطق الوسط والجنوب.



اقتصاد مزدهر

في عام 2014 قدر البنك الدولي النمو الاقتصادي في نيجيريا بأكثر من 7%، ووصفه بأحد الاقتصادات النامية، لكن مع ذلك لا يزال الناس يئنون تحت وطأة الفقر.

معدل الفقر يفوق الـ33% بحسب الأرقام الرسمية، فيما تسخر البيانات المستقلة من هذا الرقم وتذهب إلى أن النسبة تتجاوز 60%!

وتفتخر إدارة محمد بخاري بأنها تمكنت من تقليل نسبة الفقر إلى 50%.

العملة النيجيرية هي "نيرة"، وقد تعهد البنك المركزي بجعلها من العملات التي تتمتع بمكانة لائقة من بين العملات العالمية.

إن التأييد المثالى الذى حصل عليه الرئيس محمد بخاري جاء  انعكاساً لسنوات من التدهور الاقتصادى التى عاشتها نيجيريا فقد حسم الناخبون اختيارهم لصالح بخاري، الذي عرف عنه التدين والتقشف والنزاهة والانضباط، والذي اشتهر بإجراءاته الصارمة ضد الفساد السياسي داخل القوات المسلحة والمؤسسات المدنية

لقد تسلم  بخاري البلاد وقد أصابتها لعنة النفط، منذ بداية إنتاجه عام ،1958 وهي اللعنة التي أصابت معظم الدول الفقيرة التي ظهر بها النفط، والتي تعاني غالباً الركود الاقتصادي، ، خاصة عندما تتجه النخب الحاكمة إلى تأمين نصيبها من عائدات النفط، ، بدلاً من استثمار تلك العائدات في إقامة مشروعات للبنية الأساسية، تمثل قاعدة لبناء الاقتصاد الوطني.

كما شجّع بخاري على عملية إحلال الواردات التي تعتمد إلى حد كبير على استخدام المواد المحلية، وحاول إعادة التوازن في المالية العامة عن طريق الحد من الواردات المسبّبة لخسائر في العمل وإغلاق الشركات.وقطع بخاري علاقات بلاده مع صندوق النقد الدولي، عندما طلب الصندوق من الحكومة تخفيض قيمة عملة النيرة النيجيرية بنسبة 60%.

واليوم، تتمتع نيجيريا بوضع اقتصادي جيد، ففي تموز 2018، أصدر صندوق النقد الدولي قائمة بأقوى اقتصادات أفريقيا، احتلت فيها نيجيريا المرتبة الأولى بإجمالي 376.3 ملیار دولار من الإنتاج النفطي سنوياً، متقدمةً على جنوب أفريقيا التي يقف إنتاجها النفطي عند مؤشر 349.3 ملیار دولار أمريكي، وهذه طفرة مهمة لدولة أفريقية ظلت طوال القرون الماضية تدفع ضريبة تدخل الدول الأخرى وأصحاب الثروات الغربيين.

وشهد اقتصاد ​نيجيريا​ نمواً متسارعاً خلال العام الماضي، وكشفت بيانات صادرة عن مكتب الإحصاءات الوطني الذي يتخذ من ​أبوجا​ مقراً له، أن الناتج المحلي الإجمالي في نيجيريا نما بنسبة 1.93% خلال عام 2018 مقابل ارتفاع نسبته 0.8% في العام السابق له.وبالنسبة للأداء الفصلي، فإن ​الاقتصاد النيجيري​ نما بنحو 2.38% في الربع الرابع من العام الماضي مقارنة مع الربع المماثل من العام السابق له والذي شهد زيادة 2.11%.

ويواجه الاقتصاد النيجيري مزيدا من الضغوط الهائلة في العام الجديد، بفعل توترات سياسية دفينة، إذ إنه على الرغم من أن الرئيس النيجيري محمد بخاري سينهي ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة في 2023، إلا أن المعركة حول من سيخلفه تحتدم بالفعل، ما يضع مزيدا من الضغط على الاقتصاد المرهق بالفعل في 2020.

ونقلت وكالة "بلومبيرج" للأنباء عن تشيتا نوانزا، رئيس قسم الأبحاث في مؤسسة "إس.بي.إم إنتليجانس" في لاجوس، القول بأن 2020 سيكون عاما من الحوكمة المحدودة والتركيز بشكل أكبر على التسييس، حيث ستحاول مجموعات مختلفة داخل حزب "المؤتمر التقدمي الحاكم الاستعداد لانتخابات عام 2023.

ويتوقع نوانزا، أن يختلف الحلفاء القريبون للرئيس مع بعضهم بعضا في 2020، ويبتعد الرئيس النيجيري حتى الآن عن تأييد حصول نائبه يمي أوسينباجو على المنصب خلفا له، حيث أحجم مرتين عن نقل السلطات إليه خلال السفر إلى الخارج، ويمكن أن يضر ذلك بفرص نائب الرئيس لخلافته في المنصب.

وتوقع البنك الدولي أن تصبح ​نيجيريا​ موطنا لربع المعدمين في العالم خلال عقد من الزمان إذا لم يتحمل صانعو السياسة مسؤولية إنعاش ​النمو الاقتصادي​ وزيادة فرص العمل، وذلك في تقريره عن "​الاقتصاد النيجيري​".
وأشار البنك إلى أن معدل النمو الاقتصادي سيزداد بوتيرة أبطأ من معدل النمو السكاني في الأعوام المقبلة؛ فمن المرجح أن يسجل اقتصاد أكبر منتج للنفط في ​أفريقيا​ نموا 2.1 في المائة خلال عامي 2020 و2021، وهو أقل من معدل نمو السكان البالغ 2.6 في المائة.



الكلمات الدلالية نيجيريا العنف في نيجيريا

اضف تعليق