"صفقة القرن".. سر دقة ترامب غير المعتادة والمستوطنون الثلاثة


٢٩ يناير ٢٠٢٠ - ٠٨:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - ولاء عدلان

بعد طول انتظار كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس الثلاثاء، عن خطته للسلام في الشرق الأوسط المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"، مؤكدا أنها تختلف جذريا عن كل ما سابقها من خطط حاولت وضع حد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على مر التاريخ.. إنها بالفعل مختلفة كونها أكثر هضما لحقوق الفلسطينيين وتصب في صالح الإسرائيليين بامتياز.

قال ترامب -خلال الإعلان عن خطته للسلام وإلى جواره رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو- رؤيتي تمثل فرصة قائمة على النجاح المزدوج للجانبين وحلا واقعيا لدولتين، على أن تكون القدس "الموحدة" عاصمة لإسرائيل، مضيفا السلام يتطلب تنازلات لكننا لن نطلب من إسرائيل أن تتنازل عن أمنها.. اتفاق اليوم فرصة تاريخية للفلسطينيين لتحقيق دولتهم المستقلة، وذلك بعد 70 عاما من التقدم البطيء.

الشيطان يكمن في التفاصيل
الرجل تحدث عن الجانبين الإسرائيليين والفلسطينيين خلال الإعلان، لكن بصورة وبنبرة مختلفة، فبالنسبة للجانب الأول أكد وقوفه الكامل إلى جانبه؛ فقال نصًّا: عملت الكثير من أجل إسرائيل. وأكد مرتين أنه بموجب الخطة ستكون القدس "غير المقسمة" عاصمة له.

وعندما انتقل للحديث عن الجانب الثاني كانت لهجته أكثر ميلا للتهديد، فقال نصًّا: إنها آخر فرصة يمكنهم "الفلسطينيين" الحصول عليها من أجل بناء دولتهم المستقلة، هذه الخطة ستزيد مساحة الأراضي الفلسطينية بأكثر من الضعف وتمنح الفلسطينيين عاصمة "في" القدس الشرقية.

ترامب كان دقيقا للغاية، ربما للمرة الأولى في تاريخ خطاباته منذ أن وصل للرئاسة في 2016، استخدم عبارات بعينها وتوقف عند كلمات محددة للتأكيد عليها، فعلى سبيل المثال كلمة "Undivided" في حديثه عن القدس كعاصمة لإسرائيل، واستخدامه لحرف الجر "in" في حديثه عن عاصمة للفلسطينيين في القدس الشرقية وليست القدس الشرقية كلها، كما تقترح المبادرة العربية وكافة المسودات التي خطها المجتمع الدولي عموما في السابق.

ومع تهديده للجانب الفلسطيني بأنها أخر فرصة لم ينسِ التلويح بـ"الجزرة" فقال: رؤيتنا تتضمن استثمارات شاملة بقيمة 50 مليار دولار للدولة الفلسطينية "الجديدة"، لكنه في موضع آخر أكد أن هذه الأموال ستكون مرهونة بموافقة السلطة الفلسطينية على الخطة والقبول بـ"الأراضي الممنوحة" لها والدخول في مفاوضات من أجل التشاور على باقي البنود التي لم تعلن.

وإمعانا في التأكيد على أنها صفقة "الجانب الواحد" سواء على مستوى الصناعة أو المصالح، قال ترامب بالنص: في هذه الغرفة رجال يحبون الولايات المتحدة وإسرائيل، وعملوا كثيرا من أجل هذه الصفقة.. شكرا جزيلا لهم.

من هؤلاء الرجال؟
الثلاثة الذين خصهم ترامب بالشكر هم: كبير مستشاريه جاريد كوشنر، ومساعده ومبعوثه للشرق الأوسط جيسون غرينبلات، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان.

كوشنر هو "عراب الصفقة" بامتياز، أمس عندما انتقلت الكلمة إلى نتنياهو تقدم له بالشكر قائلا: الدول اليهودية مدينة لك ولـ"ترامب" بوفاء لا ينتهي.. فلولا حكمتك ومثابرتك ما رأى هذا اليوم النور.

"صهر ترامب"، دخل كوشنر إلى عام السياسة من هذه البوابة، وقبل 2017 كان يعرف في أوساط نيويورك كمطور عقاري شهير ومالك شركة "كوشنر بروبرتي"، ولد كوشنر عام 1981 لعائلة يهودية أرثوذكسية، قدمت إلى الولايات المتحدة عام 1949، وسرعان ما لمع اسم والده تشارلز كوشنر كواحد من أشهر مطوري العقارات في نيوجيرسي ومن ثم في كافة الولايات، وحرصت العائلة على تنشئة نجلها كيهودي ملتزم، فتلقى تعليمه الأساسي في مدارس عنصرية علمته أن الضفة الغربية يطلق عليها "يهودا والسامرة" كما وردت في التوراة، ومن ثم درس كوشنر علم الاجتماع والقانون وإدارة الأعمال في جامعتي هارفارد ونيويورك، وعُرف عن عائلته علاقتها الجيدة مع نتنياهو، والتي انتقلت من الأب للابن بالتبعية، الابن الذي تردد على إسرائيل منذ الطفولة في زيارات متكررة، وعندما أصبح رجل أعمال قدم تبرعات سخية للعديد من المنظمات الاستيطانية.



"نيويورك تايمز" نقلت عام 2017 عن هارتزي زارتشي -وهو حاخام يهودي في جامعة هارفارد- قوله: إن إسرائيل لم تكن يوماً بالنسبة إلى جاريد مسألة سياسية، بل كانت دوماً بمثابة "عائلته وحياته وشعبه".

منذ اللحظة التي أعطى فيها ترامب الضوء الأخضر لكوشنر للتعامل مع ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كان واضحا أن لديه هدفا محددا ولا يحتاج إلى السماع لأي من الطرفين وتحديدا الطرف الفلسطيني، آرون ديفيد ميلر، العضو في المجلس الاستشاري الأمريكي لمنتدى السياسة الإسرائيلية والمستشار السابق لعدد من وزراء الخارجية بالبيت الأبيض، يقول في تصريحات نقلتها "الجادريان": لقد قال كوشنر في أحد اللقاءات بعد توليه منصب كبير مستشاري الرئيس: "قلت للإسرائيليين والفلسطينيين ألا يتحدثوا معي عن التاريخ"، كانت هذه مقاربته الجريئة للصراع، لقد قرر التعامل مع مشكلة التاريخ بهندسة تسوية مقترحة للصراع بدون مفاوضات.

لهذا لم يكن غريبا أن يقدم كوشنر تسوية تنتصر لـ"طرف واحد"، هو يعرفه جيدا ويعمل من أجله، وعاونه على ذلك فريقه الذي اختاره بعناية وأبرز عناصره غرينبلات وفريدمان.


غرينبلات هو محامٍ أمريكي ولد عام 1967 لأسرة يهودية أرثوذكسية، قدمت إلى أمريكا لاجئة من هنغاريا، عُين في 2017 كممثل خاص للرئيس لشؤون المفاوضات الدولية، وكان واضحا أيضا في تعامله مع ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقال في إحدى التصريحات: نحن لا نستخدم عبارة حل الدولتين؛ لأن ذلك سيؤدي إلى لا شيء، ولا يمكن حل صراع معقد بشعار مكوّن من كلمتين، وبالنسبة للمستوطنات أفضل استخدام لفظ الأحياء أو المدن لأنها كذلك ولأن كلمة مستوطنات هي مصطلح تحقير يتم استخدامه بشكل متحيّز.. وهذا ما أكده إعلان ترامب بالأمس عندما كشف أن كل المستوطنات سيتم ضمه لإسرائيل.

فريدمان أو "سفير المستوطنات" هو الآخر محامي أمريكي ولد عام 1958 لأب يعمل حاخاما في كنيس "هيليل" ومن ثم رئيس مجلس حاخامات بنيويورك، وهو من قبل أن يعين سفيرا للولايات المتحدة في إسرائيل عام 2017، كان مستشارا لحملة ترامب الانتخابية، وعمل لفترة طويلة كرئيس جمعية أصدقاء منظمة "بيت إيل" والتي تدعم بناء المستوطنات عبر تبرعات سخية، وشخصيا تربطه صلات قوية بالمستوطنين اليهود.

وكثيرا ما شكك فريدمان في الحاجة إلى دولة فلسطينية من الأساسا، وفي نوفمبر الماضي عبر عن انشراح صدره لرؤية صورة للقدس جرى تحريفها بحيث لا يظهر فيها المسجد الأقصى، وقبل ذلك بأشهر عندما أعلن الاحتلال عن اكتشاف جيوب يهودية تحت حي سلوان العربي، قال أثناء مشاركته في احتفال ديني: أولئك الذين احتجوا جميعًا بأقوى العبارات على كشف إنكارهم للقدس القديمة كعاصمة لإسرائيل، وإنكارهم لوجود المعبد القديم نفسه، تم كشفهم عن طريق العلم الموضوعي، الذي لا يمكن دحضه.

إنه حقا فريق من "المستوطنين" كما وصفه صائب عريقات في يونيو الماضي، وكما قال الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط، في تعليقه على "الصفقة": السلام العادل لا يمكن تحقيقه بتجاهل حقيقة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ 1967، أو العمل على شرعنة هذا الاحتلال.



   

الكلمات الدلالية صفقة القرن دونالد ترامب

اضف تعليق