عالم متعدد.. أي نوع من القوى تتبناه أوروبا؟


٣١ يناير ٢٠٢٠

رؤية- محمود رشدي 

تعيش أوروبا في مفترق طرق في خضم التحول العالمي نحو نظام دولي جديد يميل إلى التعددية، ففي ظل الأزمات العديدة، ثمة مسارات مختلفة تنتظر أوروبا تعتمد على مدى تغلبها واجتيازها لما تواجه من صعوبات.

عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هل تواجه بروكسل استفتاءات جديدة يرفعها تيار اليمين المتطرف والقوميات المتصاعدة لحذو منهج بريطانيا، كذلك، هل ستتجه أوروبا نحو حيازة مكانتها الدولية في وسط السباقات الحالية بين القوى العظمى لترتيب أماكنها في البنية المستقبلية؟

أدت الحرب العالمية الثانية، وفترة إنهاء الاستعمار التي أعقبتها، إلى وضع نهاية للهيمنة العالمية على مدى قرون من الزمن للقوى العظمى لأوروبا، بعد عام 1945، لم تكن أي من القوى العالمية الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي - أوروبية، وعدد كبير من الدول القومية المستقلة حديثًا والموجهة على المسرح العالمي.

نظام جديد في طور التشكل

بعد أن حققت الانتصارات في كل من المحيط الهادئ وأوروبا، كانت الولايات المتحدة وحدها هي القوة الكافية لتزويد الغرب، الذي لا يزال مهيمناً، بنظام سياسي واقتصادي كما قدمت الحماية العسكرية والدعم للتعاون السياسي والتجارة الحرة، واصبحت واشنطن القوة الوحيدة المهيمنة على النظام الدولي بتفكك الاتحاد السوفيتي في أواخر القرن الماضي، ولكنها أنهت على آحاديتها إبان الغزو العراقي في 2003.

لا يمكن النظام العالمي يوجد في فراغ؛ لأن القوى الأخرى ستتدخل دائمًا لملء الفراغ، ومن ثم فإن القوة الناشئة الجديدة، الصين، تسارع لتأكيد نفسها على المسرح العالمي، كما أعادت روسيا موقعها من النظام الدولي، وهي القوة النووية الرئيسية الأخرى في العالم بعد الولايات المتحدة، وأصبح من الصعب تعريف النظام الحالي بواسطة دولة أو قوتين عظميين، لكنه لم يعتمد على التعددية، أو على أي إطار آخر مصمم لموازنة المصالح المتنافسة واحتوائها أو منعها أو حلها.

ترامب وعودة عالم البقاء للأقوى

يمثل انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بداية تخلي واشنطن عن دورها العالمي المنوط بها، إذ حاولت الولايات المتحدة تدمير مؤسسات ما بعد الحرب مثل منظمة التجارة العالمية، كما مهدت السياسة الأمريكية الطريق لعودة عالم تؤكد فيه كل دولة على حدة مصالحها الوطنية على حساب قوى أخرى أضعف. وهذا ينطوي في بعض الأحيان على ضغوط اقتصادية أو دبلوماسية؛ كما في حالة  السياسة الروسية في شرق أوكرانيا، فإنها تنطوي على استخدام القوة.

لا يمكن لأوروبا ببساطة أن تتجنب أو تتجاهل آثار هذا التغير، في حين أن الاتحاد الأوروبي قوي من الناحية الاقتصادية والتكنولوجية والتجارية، فإنه ليس قوة عظمى في حد ذاته إذ  إنه يفتقر إلى الإرادة السياسية المتجانسة والقدرات العسكرية التي تدعم القوة الجيوسياسية الحقيقية.

أزمات عالمية تحتاج للتعاون أكثر من التنافس

إن الانعكاس التاريخي من التعددية المستندة إلى القواعد إلى نظام غير مستقر للمنافسات بين القوى العظمى يتعارض مع المزيج الحالي من التحديات العالمية المتنامية، على رأسها أزمة التغير المناخي المتصاعدة؛ وهي أزمة تتطلب تحركًا جماعيًّا من جانب المجتمع الدولي الذي يضم الغالبية العظمى من البلدان، وليس إحياء نظام عالمي قائم على المنافسة بين الدول.

في هذا الصدد، يحتل الاتحاد الأوروبي بالفعل مكانة رائدة فيما يتعلق بتخفيف آثار تغير المناخ من الناحيتين التكنولوجية والتنظيمية ليس فقط من أجل الكوكب، ولكن لمصالحها الاقتصادية الخاصة أيضًا.

وفي المقابل، يجبرتراجع أمريكا عن دورها دول "بروكسل" أن تصبح قوة في حد ذاتها، أم الخضوع لقوة عظمى أخرى.

من الناحية الجيوسياسية، لم تترك بروز"الترامبية " -نسبة إلى ترامب- وصعود الصين والعسكرية الروسية -التي تتخذ شكل العدوان المسلح بسبب ضعف قاعدة روسيا الاقتصادية- أمام الأوروبيين أي خيار سوى السعي إلى وضع القوة العظمى، ناهيك عن أن الموجة الحالية من الابتكار التكنولوجي من الرقمنة والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وربما الحوسبة الكمية ستحدد شكل عالم الغد، بما في ذلك من يقوده.

النظام العالمي والثورة الرقمية

إن الثورة الرقمية في جوهرها تدور حول السياسة وليس التكنولوجيا حيث حرية الأفراد والمجتمعات بأكملها على المحك، في المستقبل الرقمي، ستعتمد الحريات السياسية التي تقوم عليها الحضارة الغربية بشكل متزايد على مسائل ملكية البيانات، هل تنتمي البيانات الأوروبية إلى شركات في سيليكون فالي -معقل الشركات التكنولوجيا في أمريكا- أو الصين، أم ستكون خاضعة للسيطرة السيادية للأوروبيين أنفسهم؟ سيأخذ هذا السؤال أهميتها لتأسيس أوراق اعتماد القوى العظمى في أوروبا في السنوات والعقود المقبلة.

وعليه، سيعتمد الدور الأوروبي أو مرتبتها داخل النظام الجديد تبعًا لمدى تحكمها في القضية الأكثر إلحاحًا على الساحة الدولية وهي قضية تغير المناخ، بما تتطلبه من ابتكارات تكنولوجية وأعباء دولية تسمح بتخفيض الانبعاسات الحرارية في ظل العالم المتناحر نحو الهيمنة، ومن ثم الأولوية الكبرى لأوروبا هي أن تصبح قوة عظمى في سياسة المناخ.



اضف تعليق