بريكست "يمُر".. ولندن تترقب وداعًا عالميًا لمركزها المالي


٠٢ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٤:١٧ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

تتجه الأنظار إلى بريطانيا وتحديدًا إلى لندن، وذلك لترقب الخروج النهائي لبريطانيا من التكتل الأوروبي، فما هي تداعيات هذا الخروج على مركز لندن المالي، والذي تصدرته منذ 16 عامًا؛ حيث تربعت مؤشر المراكز المالية العالمية.

ففي عام 2018؛ تمكنت نيويورك من أخذ الصدارة من الحي المالي في لندن الذي فقد وللمرة الأولى مركزه كأكبر مركز مالي في العالم على مؤشر صدارة المراكز المالية العالمية.

ولكن هذا التراجع هل فعلًا يُفقد لندن مكانتها بين المراكز المالية؟! فرأس المال "جبان" بطبيعة الحال، وبدأت بالفعل بعض الصناديق الاستثمارية بالبحث عن أماكن أكثر استقرارًا من أجل وضع أموالها.

في التقرير التالي سنقف على أبرز المستجدات وتداعياتها على لندن، ومن سيأخذ ريادة مراكز المال العالمية خلال الأعوام والعقود المقبلة.

أهمية لندن لأسواق المال العالمية

تشكل معاملات المشتقات المالية اليومية في لندن قرابة الـ50% من حجم معاملات الأسواق العالمية، وكذلك 41% من معاملات سوق الأجنبية اليومي تتم في لندن، وأيضًا ربع الصناديق الاستثمارية "24%" الموجودة في أوروبا تتمركز بالعاصمة البريطانية، لندن.

فيما استحوذت لندن على حصة الأسد في معاملات المشتقات المالية المقومة باليورو بأكثر من 537.7 مليار دولار في عام 2016؛ متفوقة على فرنسا والتي بلغت حصتها 100.6 مليار دولار، وكذلك حصة ألمانيا المقومة بـ16.6 مليار دولار.

وفي الإحصاء الأخير للمؤشر العام للمراكز المالية، فقد عبّر ثلث مديري المؤسسات المالية والاستثمارية الموجودين حاليا في لندن عن اعتقادهم بأن الحي المالي في بريطانيا هو الأهم في العالم، بتراجع بلغت نسبته 20% خلال العامين الماضيين.

في المقابل، بدأ كبار رجال الأعمال في العالم ينظرون إلى نيويورك باعتبارها الأحق بأن تصبح المركز المالي الأهم في العالم، وانتقلت نسبة المؤيدين لانتقال الصدارة المالية إلى نيويورك من 33% سنة 2018 إلى 56% حاليًا.

ويقدم المؤشر المعايير التي تسببت في تراجع تصنيف المركز المالي في بريطانيا، ولعل أهمها: السمعة، ومناخ الأعمال، واستقرار القطاع المالي. وهذه المعايير تضررت كثيرا بسبب التقلبات السياسية التي شهدتها البلاد على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة.

مشاركة القطاع المالي بالاقتصاد البريطاني

وبالحديث عن أهمية ومكانة القطاع المالي بالنسبة للاقتصاد البريطاني؛ فهو يشكل ما حجمه 6.9% من المساهمة في الاقتصاد بقيمة 132 تريليون جنيه استرليني.

وكذلك يساهم بإجمالي وظائف بـ1.12 مليون وظيف بما نسبته 3.2%.

فيما يستحوذ على 28.5 مليار جنيه استرليني من إجمالي الضرائب المحصلة من البنوك المتواجدة في لندن وبنسبة 11%.

وهذا ما جعل من لندن مكانة مالية زخمة ومهمة للاتحاد الأوروبي والذي لطالما كان يتطلع إلى أوروبا للحصول على ربع احتياجاتها المالية من العاصمة البريطانية.

مدن مرشحة لمنافسة لندن بعد بريكست

في الوقت الراهن، هناك العديد من التحليلات تشير إلى أن لوكسمبورج وكذلك فرانكفورت والعديد من المدن الأوروبية الأخرى من بينها العاصمة الفرنسية باريس، والتي اختارت مجموعة "إتش إس بي سي" المصرفية أن تكون هي المقر الرئيسي الجديد لها بعد خروجها من لندن.

وكذلك هناك أمستردام ودبلن، مدن مرشحة لمنافسة لندن كمركز مالي جديد بعد إقرار البرلمان الأوروبي وبصورة نهائية لخطة "بريكست".

وتوقع المشرف العام على "المؤشر العام للمدن المالية" البروفيسور ميشيل مينلي أن تشتد المنافسة على صدارة المدن المالية في السنوات المقبلة، وأن تتجاوز مراكز مالية أخرى مركز لندن.

هذا التوقع المتشائم يفسره الخبير الاقتصادي بعدد من العوامل من بينها السياسات التي تتبعها الحكومة البريطانية حتى الساعة وتخلق نوعا من "عدم الاستقرار"، إضافة لتوقعات بحروب تجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، "وحالة عدم اليقين الإستراتيجي التي يعرفها العالم".

من جهتها، ألقت الخبيرة الاقتصادية مونيك ميليس، باللوم على البريكست في تراجع تصنيف المركز المالي البريطاني، مؤكدة أن من الصعب "أن يتم تجاهل تأثير ثلاث سنوات من الشك منذ تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي".

ومع ذلك، ترى ميليس أن بريطانيا ما زالت تحافظ على هيمنتها كمنصة مالية عالمية، "لكن الذي يحدث هو تغير النظرة للمركز المالي في لندن وتراجع الثقة فيه كمركز ثابت ومتين للمعاملات المالية العالمية".

وختامًا يمكن القول، أنه على الرغم من التوقعات السلبية التي يراها الخبراء، إلا أن الأرقام التي يراها العالم على أرض الواقع تثبت العكس وتؤكد على متانة وصلابة القطاع المالي في لندن.. فهل ستسطيع أي من المدن المرشحة تعويض غياب الريادة البريطانية في الأسواق المالية العالمية، وتلبية متطلبات واحتياجات الاتحاد الأوروبي؟!



اضف تعليق