بقبضة مرفوعة إلى السماء.. نساء الهند ينتفضن ضد "قانون مودي"


٠٣ فبراير ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

في خيمة كبيرة على الطريق الرئيسي، في حي شاهين باغ جنوبي العاصمة الهندية نيودلهي، جلست النساء المحتجات على قانون الجنسية، ليل نهار في تحد للحكومة القومية الهندوسية يرفعن صورة الزعيم ماهتما غاندي.

من أسماء البالغة من العمر 90 عامًا إلى طفلة تبلغ من العمر شهرين، نصبت النساء الخيام فوقها شعارات "لا لقانون الجنسية" منذ ما يقرب من شهرين في حي باغ شاهين، وهو حي أصبح خلال الأسابيع الماضية رمزًا للمقاومة على مستوى البلاد، لم يمنعهن شتاء دلهي البارد من الاعتصام جنبًا إلى جنب مع مئات النساء تنديدًا بالقانون، رافعات لافتات كتبت عليها "تحيا الثورة".

كانت النساء في جميع أنحاء الهند في طليعة الاحتجاجات ضد القانون الجديد، بينهن الناشطات والمحاميات إلى الطالبات وربات البيوت والجدات، من الهندوس والمسلمات، وهذه هي المرة الأولى التي يحصلون فيها على أي مشاركة سياسية على الإطلاق، ويرون أن القانون يهدف إلى نزع الجنسية من المسلمين الهنود، الذين لا يملكون وثائق.


الجدات في المقدمة

وتأتي الجدات في مقدمة الاعتصام، وبابتسامة بلا أسنان وقبضة مرفوعة إلى السماء، تهتف أسماء خاتون، البالغة من العمر 90 عامًا "آزادي"، آي "حرية".

خلال تسعة عقود من عمرها، عاشت خاتون الحكم الاستعماري البريطاني وحرب الاستقلال والانقسام الدموي بين الهند وباكستان، لكنها بقيت في منزلها وراء الأبواب المغلقة بالكاد تسمع عن السياسة، كان ذلك حتى الشهر الماضي، حيث انضمت إلى النساء المعتصمات.

تقول خاتون: "أنا عجوز، وتؤلمني عظامي في البرد، وأطفالي قلقون جدًا على صحتي، لكنني أجلس هنا لأنني لن أقف مكتوفة الأيدي بينما يحاول مودي تفكيك الهند، ليقول لي: إن هذا ليس منزلي بعد 90 سنة، لم أشارك في احتجاج من قبل، لكنني لن أتحرك، حتى لو أموت هنا، فسوف أموت وأنا اقاتل من أجل أطفالي وبلدي".

وعلى الطرف الآخر تجلس إحداهن متمددة على الأرض، وقد أعلنت إضرابا عن الطعام، وتقول السيدة البالغة من العمر 82 عاما: "هذه أول مرة أحتج فيها، أجلس هنا لأكثر من شهر، ولن أحيد حتى يلغى قانون الجنسية، نحن على استعداد للموت هنا، فعندما يضربون أولادنا لا معنى للبقاء على قيد الحياة".

من جانبها تقول بيلكيس، البالغة من العمر 80 عامًا، "في حياتي كلها، هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها في أي حركة سياسية، قبل ذلك كنت ربة منزل، لم أغادر المنزل مطلقًا، الآن أنا آكل هنا وأنام هنا، أعود إلى المنزل كل يومين فقط للحصول على ملابس جديدة، كيف يمكنني الجلوس بمعرفة أن أطفالي قد يُطردون من هذا البلد الذي هو موطنهم ويُجبرون على الذهاب إلى السجن أو إرسالهم إلى باكستان؟ سأترك هذا المكان فقط عندما تكون حياة أطفالي آمنة، نحن أقوياء".

تخلت نصرت عسرة، 43 سنة، عن حياتها كربة منزل لأول مرة لتجلس مع نساء في حي شاهين كل يوم، تقول: "زوجي كان في البداية معارض بما أقوم به، لكنه يعرف الآن لماذا أقاتل، أنا لا أخاف من أي شيء، أنا لا أخاف من الشرطة، ولا أخاف من تعرضي للضرب، أنا هنا لمجرد الدفاع عن الحرية".

وفي تحد تقول إسراء: "نحن لا نقاتل من أجل أي حزب سياسي، نحن نقاتل من أجل حقوقنا، وقد أحضرت ابنتي البالغة من العمر 12 عامًا هنا يوميًا لتعليمها الوقوف والقتال من أجل حقوقها أيضًا".


رمز وطني

أصبحت نساء المعتصمات في حي شاهين باغ رمزا وطنيا للغضب والتحدي ضد ما يرونه محاولة لفرض القومية الهندوسية في بلادهم، وهن مصممات على الاستمرار في الاحتجاج حتى النهاية، بحسب صحيفة "الجارديان".

وتقول الصحيفة: إن هذه معركة للدفاع عن روح الهند لتبقى كما كانت دائما بلادا متعددة الديانات والثقافات، أو تتحول إلى دولة كما يريدها المتطرفون في الحزب القومي الهندوسي بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

من جانبه أكد مودي أن قانون الجنسية جاء ليحمي الأقليات المقهورة المهاجرة من باكستان وينجلاديش وأفغانستان، ولكن الكثيرين يرون القانون استهدافا صارخا للمسلمين، إذ إنه لأول مرة في تاريخ الهند يمنح الجنسية على أساس الدين باستثناء الدين الإسلامي.

وقد أثار القانون إضافة إلى حملة مراجعة قوائم المواطنين، التي تطالب الناس بإثبات المواطنة، مخاوف من اعتقال وترحيل فئة من المسلمين البالغ عددهم 200 مليون نسمة في الهند.


قانون مثير للجدل

يسمح قانون الجنسية الجديد بمنج الجنسية لمهاجرين غير مسلمين من ثلاث دول مجاورة هي أفغانستان وبنجلاديش وباكستان، ما دفع الآلاف للخروج في مظاهرات عارمة في أنحاء البلاد، احتجاجا على القانون، وقوبل بتنديدات عالمية وسياسية ضد القانون ومرافعات تطالب بإلغائه.

واتهم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، المعارضة بالوقوف وراء الاحتجاجات وبنشر العنف وخلق جو من الخوف في البلاد، لكن المعارضة اعتبرت القانون توجها قوميا لتهميش واضهاد المسلمين واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.

وبدأت المشكلة في عام 1955، حيث طالبت حركة شعبية في ولاية آسام الهندية بإخراج البنجلاديشيين من البلاد، بحجة أنهم يسلبون فرص العمل من السكان الآساميين الأصليين ويعرضون ثقافتهم للخطر، وأشيع حينها أن الغالبية العظمى من المهاجرين هم من المسلمين.

وفي عام 1985، وقّعت الحكومة الهندية معاهدة مع الحركة الشعبية في آسام، قضت بأن كل من يثبت وجوده في آسام قبل عام 1971 يعتبر هنديا.

وأعلن إحصاء 2019، أن هناك نحو مليوني شخص في ولاية آسام هم دخلاء أجانب، ما أدهش الحكومة الهندية التي يقودها حزب الشعب ذي التوجهات الهندوسية، وفوجئت الحكومة بأن غالبية الذين تم شطب أسمائهم من سجلات الهند هم من الهندوس.

وجاءت الخطة البديلة، بإقرار قانون معدل يظهر أن الحكومة الهندية معنية بقضية إنسانية، لكنه في الحقيقة يؤدي إلى تحويل ملايين من مسلمي الهند إلى مواطنين بلا جنسية في بلادهم، وبذلك يخالف مبدأ المساواة بين المواطنين لأنه يمنع عن المسلمين مزايا يعطيها لغيرهم.





اضف تعليق