برلين وباريس.. سد الثغرات في الأمن والدفاع بعد "البريكست"


٠٣ فبراير ٢٠٢٠

كتب - جاسم محمد

يسلط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الضوء على الدور المرتقب لكل من ألمانيا وفرنسا في قيادة الاتحاد في المرحلة المقبلة

فالدور المرتقب للدولتين ما بعد خروج بريطانيا أضحى مسؤولية كبيرة تدخل ضمن مساعي دول الاتحاد لسد فراغ بريطانيا خاصة في الجوانب العسكرية والأمنية.

فالاتحاد الأوروبي سوف يفقد بخروج بريطانيا 15% من اقتصاده، وسوف يواجه مشاكل في الإنفاق على التسلح؛ حيث كانت بريطانيا أكثر دول الاتحاد إنفاقًا عليه.

ويفقد الاتحاد أيضًا بخروج بريطانيا (لندن) العاصمة المالية الدولية المعتمدة لديه الأمر الذي يطرح تساؤلات من سيقوم بالدور الفاعل وسد فراغ هذا الخروج؟
 
مسؤولية ألمانيا بعد الـ"بريكست"

تعترف ألمانيا أنها قوة اقتصادية، لكنها ما زالت تعتمد على الأخرين، وهي إشارة إلى فرنسا، خاصة في مجال الدفاع، وهذا ما جاء على لسان الرئيس الألماني شتايمر في وقت سابق في حديث له خلال زيارته العاصمة السلوفينية ليوبلينا، ويتزامن قرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي مع التحولات الجيواستراتيجية الأساسية التي ستؤثر عميقًا على مستقبل أوروبا، فيما سيكون دور ألمانيا حاسمًا في تشكيل استجابة الكتلة لهذه التحولات.

ولكن بعض المراقبين يرون عكس ذلك، ويعتبرون الخروج البريطاني ضربة قوية لألمانيا في ضوء ضعف وتباعد باقي شركائها؛ إذ تراجعت العلاقات الألمانية البولندية التي كانت قوية في السابق، وتجلّت علامات التراجع بعد وصول حزب القانون والعدالة للسلطة في بولندا عام 2015، ولم تنتخب النمسا اليميني المتطرف نوربرت هوفر رئيسًا للبلاد، وحتى علاقاتها مع فرنسا ليست على ما يرام، وعليه فقد تعقدت الأمور.

هناك من يعتقد أن ألمانيا لا تستطيع السير بمفردها، ولا تريد ذلك، لكن من دون شريك قوي يشارك في القيادة، فلن يكون أمامها خيار سوى تقاسم القيادة مع عدد من الشركاء غير الموثوق بهم، أو خلق دائرة مقربة جديدة.

أكدت مديرة مكتب صندوق مارشال الألماني في برلين، "برلين يمكن أن تكون قائدًا في أوروبا لكنها لا تريد أن تفعل ذلك بمفردها"؛ فألمانيا وبريطانيا وفرنسا كانوا فيما مضى أهم اللاعبين الذين بذلوا جهودًا مضنية في أوروبا من أجل تحقيق الوحدة في القارة، وتعرض فرنسا لأزمة اقتصادية وسياسية أدى لتربع بريطانيا وألمانيا على عرش أكبر قوتين في الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، حث وزير خارجية لوكسمبورغ جان أسيلبورن ألمانيا  يوم 28/ 9/ 2019  على تحمل مسؤولية أكبر على مستوى السياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي عقب خروج بريطانيا من الاتحاد، وقال أسيلبورن -في تصريحات لصحيفة "نويه أوسنابروكر تسايتونغ" الألمانية- "مع خروج بريطانيا من الاتحاد -واستمرار كونها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن- ستتراجع قوة الاتحاد الأوروبي على المستوى الاستراتيجي والسياسي؛ لذلك يقع على عاتق ألمانيا المزيد من المسؤولية بخروج بريطانيا من الاتحاد".

مسؤولية المحور الألماني الفرنسي

وتقع اليوم مسؤولية كبيرة على فرنسا وألمانيا لقيادة الاتحاد الأوروبي من جديد وترتيب البيت الداخلي  في ضوء احتمال انفصال دول أخرى عن التكتل الأوروبي. وبات مؤكدا، أن خروج بريطانيا سوف يعزز دور ألمانيا كزعيمة للقارة، وهو الدور الذي لا ترتاح له ألمانيا أو أي دولة أخرى. نادرًا ما شعرت ألمانيا بتلك الوحدة رغم وجودها وسط أوروبا، فمع خروج بريطانيا، تفقد ألمانيا شريكًا مهمًّا داخل الاتحاد الأوروبي وفي سياستها الخارجية بصفة عامة.

البعض من يعتقد، أن فرنسا، هي الدولة  الأكثر ترجيحًا لزعامة أوروبا بعد انسحاب بريطانيا كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وهي الدولة التي تملك حق النقض "الفيتو"، وأيضًا هي الدولة التي تمتلك السلاح النووي، لكن رغم ذلك التقديرات تقول: إن فرنسا أيضًا تحتاج ألمانيا.

ألمانيا هي قاطرة أوروبا الاقتصادية فلابد من العمل المشترك والتعاون بين فرنسا وألمانيا لقيادة الاتحاد الأوروبي.

تعزيز قدرات الاتحاد الأوروبي الدفاعية

تعهد وزراء دفاع تسع دول في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك المملكة المتحدة، 25 يونيو 2018، بتشكيل قوة تدخل عسكرية أوروبية مشتركة تسمح باستمرار الدعم البريطاني بعد البريكست من الاتحاد، أن الهدف من مبادرة التدخل الأوروبية، هو كجزء من خطط لإنشاء قوة دفاع أوروبية مستقلة تقوم بنشر قوات بسرعة في سيناريوهات الأزمات بالقرب من حدود أوروبا، وتضم المجموعة فرنسا ألمانيا بلجيكا المملكة المتحدة الدنمارك هولندا إستونيا إسبانيا البرتغال.

كشفت المفوضية الأوروبية، يوم 7 يونيو 2017، عن خطة غير مسبوقة لتمويل الدفاع الأوروبي المشترك لمساعدة أوروبا على أن تصبح قوة عسكرية عالمية، داعية الولايات المتحدة إلى البقاء على الساحة الدولية، ويأتي اقتراح بروكسل بإنشاء صندوق قيمته 5.5 مليار يورو (6.19 مليار دولار) سنويًّا عقب اقتراح فرنسي - ألماني للتركيز على الأمن والدفاع، وتحديد أهدافه مجدداً عقب قرار البريكست  الذي اتخذته بريطانيا العام الماضي  الذي سبب صدمة في أوروبا.

تبقى الدولتان "فرنسا وألمانيا" سجينتين لرؤى ثابتة لعملية التكامل، فلا يوجد عضو في الاتحاد الأوروبي قادر بمفرده على حل مشكلات مثل حماية المناخ والبيئة أو الرقمنة أو الهجرة أو القضايا الأمنية، مؤكدا أنه نظرا للتحديات العالمية الكبرى لا يمكن حلّ هذه المشكلات إلا على نحو توافقي ومشترك، وفقًا لحديث الرئيس الألماني شتاينماير، وهذا يعني أن كلا من فرنسا وألمانيا تقوم معًا لتوجيه الاتحاد الأوروبي الذي يحتاج للتأقلم مع التحولات الجيواستراتيجية العالمية، ولسد الثغرات الخطيرة في سياسة الأمن والدفاع في أوروبا في أعقاب خروج بريطانيا.



الكلمات الدلالية البريكست

اضف تعليق