في ذكرى وفاته.. "البهتيمي" صَوت يقف بك على أبواب الجنة


٠٦ فبراير ٢٠٢٠

كتب - محمد عاشور

هذا الراحل العظيم كان يمثل شيئًا عظيمًا من القرآن الكريم، حتى قيل إنه كان له من اسمه النصيب الأوفى، وقلّما تجد قارئًا يجمع بين عذوبة الصوت ودقة الأحكام والقراءة من القلب.. إنه الشيخ محمد زكي يوسف المشهور بكامل يوسف البهتيمي، من مواليد 1922م، بحي بهتيم بشبرا الخيمة، محافظة القليوبية.

حجر الأساس في مسجد القرية

يعدّ الشيخ البهتيمي من القراء المصريين البارزين، كما أنه كان سفيرًا جيدًا في عالم التلاوة وسفيرًا فوق العادة في تاريخ الإنشاد المصري، ألحقه والده(الذي كان من قُراء القرآن) بكُتّاب القرية وعمره ست سنوات، وأتم حفظ القرآن قبل بلوغ العاشرة من عمره، وبات البهتيمي الصغير قارئًا معروفًا بالبلدة، وكذلك قارئًا يوم الجمعة بالمسجد الكبير في القرية.

كان الصبي كامل البهتيمي يذهب إلى مسجد القرية بعزبة إبراهيم بك ليقرأ القرآن قبل صلاة العصر دون أن يأذن له أحد بذلك، وكانت ثقته بنفسه كبيرة، وكان يطلب من مؤذن المسجد أن يسمح له برفع الأذان بدلًا منه، ولما رفض مؤذن المسجد ظل الطفل الصغير يقرأ القرآن بالمسجد وبصوت مرتفع ليجذب انتباه المصلين. وقد كان له ما أراد، حيث أخذت عذوبة صوت الصغيرتجذب انتباه رواد المسجد، ومن ثم بدأوا يلتفون حوله يستمعون إلى القرآن بصوته مبهورين به.

ارتقاء البنيان في مساجد القاهرة

علم الشيخ محمد الصيفي بوجود قارئ جديد ببهتيم يجمع بين حلاوة الصوت ودقة المخارج وأحكام التجويد، فذهب إلى بهتيم واستمع إلى تلاوة الشيخ كامل دون علمه، فأعجب به وطلب منه أن ينزل ضيفًا عليه في القاهرة،ثم اصطحبه الشيخ الصيفي ونزل البهتيمي ضيفًا عليه في بيته بحي العباسية.

وهنا كانت نقطة انطلاق الفتى الموهوب كامل يوسف البهتيمي،حيث مهّد الشيخ الصيفي له الطريق ليلتقي بجمهور القاهرة وجعله من بِطانته له في الحفلات والسهرات الدينية، وقدّمه لجماهير السمّيعة على أنه اكتشافه. وبعد فترة وجيزة بدأ جمهور القاهرة يتعرف على الفتى البهتيمي فأصبح يُدعى بمفرده لإحياء الحفلات والسهرات،وكان ذلك يُسعد الشيخ الصيفي، فأخذ يشجعه حتى زادت ثقته في نفسهأكثر وذاع صيته في أحياء وضواحي القاهرة.

 وأصبح البهتيمي قارئًا له مدرسة وأسلوبه الخاص في الأداء وأفاض الله عليه من الخير الكثير والمال الوفير فأشترى قطعة أرض بشارع نجيب بحي العباسية أقام عليها عمارة كبيرة، واستأذن من الشيخ الصيفي أن يستقل بحياته شاكرًا إياه حسن ضيافته وكريم صنيعه وما قدّمه له من عون طوال فترة إقامته بالقاهرة؛ حتى استطاع البهتيمي أن يثبت جدارته وأهليته لقراءة القرآن وسط كوكبة من مشاهير وعظام وعمالقة القراء بالقاهرة.

موهبة فطرية

لم يدرس الشيخ البهتيمي في معاهد القراءات أو الدراسات الأكاديمية لعلوم القرآن، حيث اكتفى بتلقي تعليمه الأولي على يد الشيخين الأثيرين الشيخ علي محمود والشيخ محمد الصيفي،وتعلم المقامات الموسيقية من صديقيه الملحنين محمود الشريف وسيد مكاوي،كما تأثر بالرعيل الأول من القراء مثل: الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمد سلامة، فكان مزيجًا منهم، ثم اختط لنفسه خطًّا منفصلًا ونهجًا شخصيًّا له بعد مرحلة النضوج.

انتهاء الرحلة

اتسم البهتيمي بالتمييز السمعي الموسيقي، لا سيما القرارات والجوابات،حتى أن الملحن المصري محمود الشريف وصفه بأنه كان "متين القرار رفيع الجواب"، كما كان يقرأ القرآن بكل جوارحه، وهو ما أثر على صحته تأثيرًا كبيرًا، حيث كان – رحمه الله - لا يبخل على محبيه بصوته المميز،وقد قيل إنالشيخ مصطفى إسماعيل الذي كان يحبّه حبًا كبيرًا قال له:"يا بُني ما الذي تفعله؟! إنك ستموت قريبًا"، لهذا كان أروع ما قيل عن البهتيمي: "هذا رجلٌ جَنَتْ عليه موهبته".

لقد كان الشيخ البهتيمي سمّيعًا قبل أن يكون صَيّيتًا أو قارئًا محترفًا، ويظهر ذلك جليًّا في تسجيلاته التي تبيّن - بلا شك - أنهيقرأ القرآن لله ثم لأذنه ثم للناس، وقد قيل إن البهتيميتعرّض لمحاولة قتل بدس السم في فنجان قهوة قبل إحيائه لأحد المآتم بمحافظة بورسعيد، فأصيب بعدها بشلل شُفِي منه، لكن صوته صارأضعف من ذي قبل، وتوفي - رحمه الله تعالى - في 6 فبراير 1969، عن عمر يناهز الـ 47 عامًا بعد تعرضه لنزيف دماغي.


الكلمات الدلالية كامل يوسف البهتيمي

اضف تعليق