أيام ما بعد "البراءة".. ترامب ينتقم ويتحول إلى رجل لا يقهر


٠٩ فبراير ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

لم ينتظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثيرا لينفس عن غضبه من شهود "المساءلة"، فبعد يومين فقط من تبرئة ساحته في مجلس الشيوخ من تهمة إساءة استخدام السلطة وفشل محاولة "ديمقراطية" لعزله، قرر اطلاق النار على الشهود الذين قدموا إفاداتهم لمجلس النواب بشأن "فضيحة أوكرانيا" التي تفجرت نهاية العام الماضي وهددت مستقبل سيد البيت الأبيض "الجمهوري".

بالأمس أعلن ترامب عن إقالة اثنين من الشهود هما سفير وضابط في الجيش أدليا بشهادتين اعتبرتا أساسيتين في بناء لائحة الاتهامات التي رفعها مجلس النواب إلى غرفة مجلس الشيوخ للتصويت على إدانة ترامب، لكن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون فشل الأربعاء الماضي في التصويت على قرار العزل بأغلبية الثلثين، ما وضع نهاية لمحاكمة هي الثالثة من نوعها في تاريخ أمريكا.

على من أطلق النار؟
قرر ترامب إقالة السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوربي غوردون سوندلاند، وكبير خبراء الشأن الأوكراني في مجلس الأمن القومي المُقدم أليكس فيندمان، في قرارين الفاصل بينهم ساعات قليلة، لكن يبدو أن الرئيس قرر الانتقام منذ فترة طويلة، وأنها فقط بداية لسلسلة قرارات قادمة أشبه بحملة تطهير لن ينجو منها سوى أصحاب الثقة الداعمين لترامب في كل أحواله.

البداية كانت قوية وواضحة لأن ترامب اختار أن يطلق النار أولا على شهود بُنيت على شهادتهم لائحة الاتهامات الرئيسية، فالمُقدم أليكس فيندمان هو أحد الشهود على المكالمة المثيرة للجدل التي جرت في 25 يوليو 2019 بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وترامب والتي فجرت قضية المساءلة، حيث طلب الأخير خلالها مباشرة من زيلينسكي فتح تحقيقات تطال نجل جو بايدن، بشكل يساعده على التخلص من خصمه اللدود جو بايدن والفوز بولاية ثانية في انتخابات 2020.

وقال فيندمان -وهو أحد قدامى المحاربين أمام لجنة التحقيق في مجلس النواب في أكتوبر الماضي- إنه أصغى شخصيا لضغط ترامب على الرئيس الأوكراني في اتصال هاتفي في 25 يوليو، وإنه أبلغ كبير محاميي مجلس الأمن القومي عن مخاوفه بشأن هذه المكالمة، إذ لا يعتقد أنه كان من اللائق لرئيس الولايات المتحدة الطلب من حكومة أجنبية بأن تقوم بالتحقيق مع مواطن أمريكي، بحسب تعبيره.

فيندمان أيضا قال: إن سوندلاند، كان أول شخص شاهده يضغط على أوكرانيا لإجراء تحقيق، وذلك في اجتماع عقد في 10 يوليو 2019 مع مسؤول الأمن القومي الأوكراني أولكسندر دانيليوك.

شهادة فيندمان قدمت للديمقراطيين دليلا دامغا على أن ترامب أساء استخدام صلاحياته، ومهدت الطريق لشهادة أخرى مدوية في نوفمبر الماضي، عندما مثل سوندلاند أمام مجلس النواب مؤكدا أن زيارة الرئيس الأوكراني إلى البيت الأبيض كانت مشروطة بإطلاق بلاده تحقيقات تطال مباشرة السيد جو بادين ونجله.



قال سوندلاند -الذي عُين سفيرا بعد أن تبرع لحفل تنصيب ترامب بمليون دولار، أمام لجنة المحققين- نفذنا أوامر ترامب لعقد صفقة مع كييف للتحقيق بشأن شركة بوريسما للطاقة التي كان هانتر بايدن أحد أعضاء مجلس إداراتها، مقابل تنظيم قمة بين ترامب والرئيس الجديد زيلينسكي في البيت الأبيض، والإفراج عن 391 مليون دولار كمساعدات تم تجميدها في يوليو.

واعترف بأنه تلقى أوامر، بالعمل مع محامي الرئيس الشخصي رودي جولياني الذي طلب مباشرة من زيلينسكي أن يحقق في أمر بايدن وفي نظرية المؤامرة التي يتبناها ترامب بأن أوكرانيا ساعدت الديمقراطيين ضده في انتخابات الرئاسة 2016، كما اعترف بأن مايك بومبيو كان على علم بهذه الأوامر.

شهادتان اعتبرهما الديمقراطيون بمثابة لحظة حاسمة في التحقيق وتحملان أدلة تتعلق بالرشوة والابتزاز، في حين اعتبرهما ترامب وقتها، غير جديرين بالاهتمام بل ذهب أبعد من ذلك عندما أكد أن شهادة سوندلاند تعزز موقفه، لكن يبدو أنه غير رأيه!

هجوم ديمقراطي وترامب يدافع
الإقالة تم إدانتها بشكل واسع من الحزب الديمقراطي، فقال إليوت إنجل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب في بيان أمس: هذا أمر مخزٍ، لكن هذا ما يجب أن نتوقعه الآن من رئيس قرر حزبه أنه فوق القانون وغير مسؤول أمام أحد.

وخلال مناظرة حزبيه بين مرشحي "الديمقراطي" للرئاسة دعا نائب الرئيس السابق والمرشح جو بايدن الحضور إلى التصفيق والوقوف تحيةً لـ"فيندمان"، قائلا: لسنا مثل ترامب.

ترامب من جانبه قال أمس -في سلسلة تغريدات- لم أتحدث إلى فيندمان أبدًا ، ولم أقابله، لكنه كان متمردًا للغاية، لقد أبلغ عن محتويات "مكالماتي" بشكل غير صحيح، وكتب رئيسه تقريرا مفزعا عنه -الرجل المسؤول بصورة مباشرة عن متابعة عمله- والذي صرح علانية بأن فيندمان كانت لديه مشاكل في اتخاذ القرارات الصحيحة، وفي الالتزام بالتسلسل القيادي.. وبعبارة أخرى إلى الخارج.

الأخ التوأم لـ"فيندمان" يفغيني فيندمان وهو واحد من أقدم المحامين بمجلس الأمن القومي، لم يسلم من حملة ترامب، إذ تم طرده من عمله وإرساله إلى البنتاجون، وشوهد وهو يخرج من بوابات البيت الأبيض إلى جانب شقيقه، على الرغم من أنه لم يشارك في جلسات المساءلة.


من القادم؟
شبكة "سي إن إن" سلطت الضوء منذ أيام على حملة التطهير التي يعد لها ترامب "في أيام ما بعد البراءة" وقالت: إن مستقبل كبير موظفي البيت الأبيض مايك مولفاني على المحك، لكن ترامب وصف هذا الكلام بـ"الكذب"، مؤكدا أن مولفاني سيبقى في مكانه، ومع ذلك لا أحد يمكنه توقع ترامب!

الرئيس لا ينسى على ما يبدو الإساءة، مولفاني في مؤتمر عقد أكتوبر الماضي بدا وكأنه يورط ترامب عندما سُئل عن حجب المساعدات العسكرية عن أوكرانيا ضمن حملة للضغط عليها فقال: نحن نفعل ذلك طوال الوقت، وإن كان عاد ليتراجع ويوضوع ان لا علاقة للمساعدات بأمر التحقيقات التي تتعلق بـ"بايدن" أو بالتدخل الأوكراني لدعم الديمقراطيين في انتخابات 2016.

الأوساط في واشنطن تتداول منذ فترة اسم مارك ميدوز النائب عن "كارولينا الشمالية"، كبديل لمولفاني، لاسيما وأنه ألتقى ترامب منذ أيام، ما يعزز فرضية أن مولفاني سيأتي عليه الدور.

قائمة شهود "المساءلة" تضم نحو 15 مسؤول، بينهم من تم بالفعل التخلص منهم مثل سفيرة واشنطن لدى أوكرانيا ماري يوفانوفيتش التي تم التخلص منها عندما وصفها فريق جولياني بأنها تعرقل جهودهم للضغط على كييف، وبينهم من ينتظر أن يتم التخلص منهم خلال الأيام المقبلة مثل مستشار الشؤون السياسية في السفارة الأمريكية في أوكرانيا ديفيد هولمز والذي أكد أن جولياني يتدخل بشكل مباشر في العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا.

لا أحد يستطيع إيقافه
أحد المرشحين "الجمهوريين" للرئاسة وهو عضو الكونجرس السابق عن ولاية إلينوي جو والش، أعلن الجمعة الماضية انسحابه من السباق قائلا: إن الحزب بات في يد ترامب، ولا يمكن إيقافه من داخله، وهذا خطر شديد.

بالطبع سيد البيت الأبيض اليوم هو أقوى من أي وقت مضى، بعد أن تخلص من شبح العزل ووضع الديمقراطيين في الزاوية، مراهنا على قوة الاقتصاد الأمريكي في أن تكون بطاقته لولاية ثانية، وبحسب أحدث استطلاع لموقع "ذا هيل" شمل عينة قوامها ألف أمريكي، ارتفعت شعبية ترامب إلى نحو 49% بعد البراءة.

محامي فيندمان، ديفيد بريسمان لخص المشهد في تعليقه: الحقيقة كلّفت ألكسندر فيندمان وظيفته ومهنته، لهذا السبب فإنّ أقوى رجل في العالم، بات مدعوما بالصامتين والخاضعين والمتواطئين.  
 


الكلمات الدلالية قضية عزل ترامب عزل ترامب

اضف تعليق