المدنيون ضحيتها الأولى.. "الأسلحة المتفجرة" على طاولة جنيف


١٠ فبراير ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

عندما تسير وسط مدينة تعرضت للقصف خلال الحرب، تجد أنه من الصعب وصف كيف يبدو شعور الإنسان أو كيف تبدو الرائحة المنتشرة في حي مزدحم بالسكان، وفي كل مناطق الصراع في جميع أنحاء العالم يكون المواطن العادي هو أكثر من يتحمل الأعباء وأكثر الأطراف معاناة.

وفي تقرير نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، تقول الكاتبة بل ترو: إن "الصراعات متعددة ومختلفة، ولكل الأطراف أسبابها، لكن في كل مناطق الحروب التي عملت فيها يبدو الدمار متشابها، فأشلاء الجثث تتناثر في الشوارع التي يكسوها اللون الرمادي وهو لون الغبار الناتج عن تدمير الخرسانة الإسمنتية".

وتضيف: "إن آلام المدنيين شديدة إلى حد أنها ملموسة فعليًا، ولا توجد كلمات نقولها للأمهات والآباء الحزينة، وإلى الأطفال الأيتام، وإلى الجرحى الذين تركوا وراءهم".

وأعلنت منظمة مكافحة العنف خلال الصراعات المسلحة ومقرها بريطانيا، أنها وجدت أنه خلال السنوات الثمانية الأخيرة، وفي مناطق الصراع كان ضحايا التفجيرات في المناطق السكنية في الغالب من المدنيين وبلغت نسبتهم 90% من إجمالي الضحايا".

وفقًا لأرقامهم، تسببت هذه الانفجارات في مقتل ما يقرب من ربع مليون مدني في جميع أنحاء العالم منذ عام 2011.


حظر الأسلحة

تجتمع عشرات الدول والمنظمات المدنية في جنيف اليوم الإثنين، بعد جهود من إيرلندا وأستراليا للدعوة لحظر استخدام الأسلحة والمتفجرات واسعة النطاق التدميري في المناطق الآهلة بالمدنيين.

وتقول الصحيفة: إن بريطانيا مطالبة بتوقيع الإعلان المتوقع صدوره عن هذا الاجتماع، في إطار واجب ينبغي أن تؤديه لحماية المدنيين في مناطق الصراعات المسلحة.

تُلزم الإعلانات السياسية الدول بتحقيق الأهداف المتفق عليها، رغم أن هذه الالتزامات ليست ملزمة قانونا، لكنها تحمل أهمية كبيرة لأنها تحدد معايير السلوك ويمكن أن تساعد في توضيح القانون الدولي الحالي، مثلا، يسعى "إعلان المدارس الآمنة" لعام 2015، الذي تدعمه 101 دولة حاليا، إلى تقييد الاستخدام العسكري للمدارس وإبقاء الأطفال في المدارس أثناء النزاعات.

تسعى هيومن رايتس ووتش، إلى جانب "الشبكة الدولية ضد الأسلحة المتفجرة"، إلى فرض قيود على استخدام هذه الأسلحة منذ 2011، داعية إلى "اتخاذ إجراءات فورية لمنع معاناة الإنسان من استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان".

في عام 2016 بالأمم المتحدة، شددت بريطانيا على ضرورة الحد من الأضرار الناجمة عن الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان، واعترفت بالضرر الذي تسببه هذه الأسلحة.

في سبتمبر 2019، أصدر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وبيتر ماورير، رئيس "اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، دعوة مشتركة دعما لإصدار إعلان سياسي وللمطالبة بوضع معايير وسياسات للتصدي لاستخدام الأسلحة المتفجرة بالمناطق المأهولة بالسكان.

في أكتوبر 2019، أطلقت النمسا خلال مؤتمر انعقد في فيينا، عملية للعمل نحو وضع إعلان سياسي جديد، بمشاركة 133 دولة، وأبدت الغالبية العظمى من الدول التي تحدثت عن دعمها للإعلان، ومن ثم بدأت إيرلندا مشاورات دبلوماسية حول إعلان سياسي في جنيف.

اليوم، ستُبدي الدول تعليقاتها على المسودة الصادرة مؤخرا لعناصر الإعلان، بعد مشاورات إضافية، تهدف أيرلندا إلى الانتهاء من إعداد النصّ وفتحه للتصديق بحلول مايو أو يونيو.

ودعت "هيومن رايتس ووتش" و"أوكسفام"، المملكة المتحدة وغيرها مرارًا وتكرارًا لضمان صياغة هذا الإعلان.



سنوات من الدمار

في تقرير صدر الخميس الماضي، كتبت "هيومن رايتس ووتش" عن الدمار الذي أحدثته الأسلحة المتفجرة على الأحياء في بلدان مثل أوكرانيا وليبيا وغزة واليمن وأفغانستان والعراق وسوريا.

وكتبت لاما فقيه، مديرة الأزمات في "هيومن رايتس ووتش": "تظهر عشر سنوات من البحث أن الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان تشوه وتقتل المدنيين، وتتسبب في نزوح السكان وتدمير البنية التحتية المدنية الأساسية".

وتضيف: "ينبغي أن يصادق الاجتماع الدبلوماسي بجنيف على إعلان سياسي من شأنه توفير حماية أفضل من هذه الأسلحة للمدنيين في المناطق المأهولة بالسكان"، وقدّمت مع "العيادة الدولية لحقوق الإنسان" في كلية الحقوق بجامعة هارفارد تحليلا لمسودة عناصر الإعلان إلى الاجتماع.

على الأقل، تقول هيومن رايتس ووتش: إن المملكة المتحدة يجب أن تكون مستعدة للمطالبة بأن يقوم أي إعلان مستقبلي بهذا، مرددًا نداء رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمين العام للأمم المتحدة.

كما ينبغي أن تحث الدول على تقديم المساعدة للمتضررين من استخدام الأسلحة المتفجرة، وجمع البيانات للمساعدة في حماية ملايين المدنيين المعرضين للخطر في النزاعات.

تشمل الأسلحة المتفجرة ذات التأثير الواسع النطاق الأسلحة التي تحدث منطقة انفجار كبيرة أو تنتشر شظايا على نطاق واسع، تشمل أيضا بعض القنابل التي تسقطها الطائرات، والأسلحة التي تحمل ذخائر متعددة تنتشر على مساحة كبيرة، مثل صواريخ "غراد"، والأسلحة غير الدقيقة التي لا يمكن توجيهها بشكل فعال، مثل "البراميل المتفجرة"، ينبغي أن تُدرَج جميعها ضمن الإعلان الدولي المقترح.

ألحقت الأسلحة المتفجرة ذات الآثار الواسعة النطاق أضرارا، أو دمرت البنية التحتية المدنية بالكامل بشكل متكرر، كالجسور وأنابيب المياه ومحطات الطاقة والمستشفيات والمدارس، ما يخلّف بدوره آثار مدمرة على الخدمات الأساسية، اوإن ستخدام هذه الأسلحة في المناطق المأهولة بالسكان يجبر الناس على الفرار من منازلهم، مما يفاقم الاحتياجات الإنسانية.

وثقت منظمات حقوق الإنسان الاستخدام الواسع لهذه الأسلحة في كل من سوريا، والعراق، واليمن، وفلسطين، والسودان، وبغضّ النظر عما إذا كانت هذه الأسلحة موجّهة، يؤدي حجمها الكبير إلى نطاق تفجيري وتناثر شظايا واسع يؤثر بشدة على المدنيين والمنشآت المدنية، حتى إذا لم يكن المدنيين والبنى المدنية مستهدفين مباشرة.

استخدمت الحكومتان السورية والروسية وأعضاء التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأسلحة الملقاة جوا الموجّهة وغير الموجّهة طيلة فترات الصراع السوري، فتسببت بخسائر كبيرة في صفوف المدنيين وأضرار بالممتلكات.

ووفقًا لمنظمة "الحراك ضد العنف المسلح"، تسببت الأسلحة الملقاة جوا في 45 بالمئة من جميع الخسائر المدنية في سوريا في الفترة من 2011 إلى 2018.

في ديسمبر 2019، توصلت المنظمة المذكورة إلى أن سوريا هي الدولة الأكثر تضررا من الأسلحة المتفجرة، حيث تسببت القوات الحكومية بـ 74 بالمئة من الوفيات المدنية الـ 617 المبلغ بها، وكان 55 بالمئة من بين هذه النسبة نتيجة الغارات الجوية.

منذ أبريل 2019، قتلت الغارات الجوية بمحافظة "إدلب" التي شنها التحالف العسكري السوري الروسي، أكثر من 1.500 مدني، بحسب الأمم المتحدة.

استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية بدورها مرارا الذخائر الملقاة جوا في عدة عمليات في غزة، أثناء الحملة الجوية والبرية التي دامت 51 يوما في 2014، شنّت خلالها أكثر من ستة آلاف غارة جوية وأطلقت عشرات الآلاف من مقذوفات الدبابات والمدفعية، ، قُتل فيها أكثر من 1.462 مدنيا فلسطينيا، بحسب الأمم المتحدة.

لا يقتصر استخدام هذه الأسلحة على الجماعات المسلحة وما يسمى بالدول المارقة، بينما أعربت بريطانيا عن قلقها بشأن استخدام هذه الأسلحة في المناطق المأهولة بالسكان، لكنها أيضًا نشرت هذه الأسلحة في المدن والبلدات، خلال معركتها مع "داعش"، حيث أسقطت آلاف الذخائر في العراق وسوريا.

حتى لو كنا نعتقد أن التأكيد المشكوك فيه من قبل وزارة الدفاع أنه في جميع ضرباتها لم يقتل سوى مدني واحد، فإن الضرر الذي لحق بالبنية التحتية المدنية في الأماكن التي تعمل فيها مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لا يزال قائما، فالموصل العراقية تتعافى ببطء، ولا تزال الرقة، المدينة التي دمرتها الأسلحة الجوية في حالة خراب.

بعد 10 سنوات من إراقة الدماء والدمار، وضعت الدول أخيرًا القلم على الورق لتقديم التزام واضح بتغيير ثقافة استخدام هذه الأسلحة.





الكلمات الدلالية غزة إدلب سوريا حظر الأسلحة

اضف تعليق