ارتدادات الانتشار.. عندما يتحول كورونا لـ"وعكة" سياسية


١٦ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٦:١٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود رشدي 

باستمرار انتشار الفيروس في كافة أنحاء العالم وتصاعد ضحاياه من الموتى والمصابين، اتخذت الدول مسار قد ينبئ عن فشل احتواء الوباء، كما يفضي لخلق أزمات سياسية؛ بما دفع القادة السياسيين نحو المزيد من الإجراءات الوطنية قصيرة الأجل التي تكون أقل فعالية أو على أقل تقدير تأتي بنتائج عكسية، في ضرب لكافة سبل التعاون الدولي بين الحكومات لمكافحة المرض.

إبّان تفشي فيروس كورونا وذيوع انتشاره في الصحف العالمية، حذر تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية من أن العالم لم يكن مستعدًا لوباء يسبب أمراض تنفسية خطير يمكن أن يقتل ما بين 50 و80 مليون شخص، ويسبب حالة من الذعر وعدم الاستقرار، كما يؤثر أيضا على الاقتصاد العالمي.

تشتت الحكومات

تواجه الحكومات في الوقت الحالي تشتتًا في كيفية المواجهة المبنية على العلم بما يتطلب تفسيرًا دقيقًا للجمهور، على سبيل المثال، قامت حكومات في العديد من البلدان، بما في ذلك الهند ونيجيريا واليابان والولايات المتحدة، مؤخرًا بفحص درجات الحرارة لجميع المسافرين الذين يصلون إلى مطاراتهم، بينما يمكن للمسافرين المحمومين ببساطة إخفاء حالتهم عن طريق استخدام الأدوية التي تقلل من الحمى.

علاوة على ذلك، يعتقد الباحثون الصينيون أن COVID-19 معدٍ لمدة تصل إلى 24 يومًا قبل أن يصاب الشخص الذي يحملها بالحمى. لذلك تركز حكومة المملكة المتحدة على إبلاغ جميع المسافرين القادمين بما يجب عليهم فعله إذا عانوا من الأعراض بعد مغادرة المطار.

الأدهى من ذلك، في 31 كانون/ يناير، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حظرا مؤقتا على دخول جميع الرعايا الأجانب الذين ذهبوا إلى الصين في الأيام الـ 14 الماضية، إلا إذا كانوا أقرباء مواطنين أمريكيين أو المقيمين الدائمين، كما فرضت العديد من الدول الأخرى تدابير مماثلة، لكن التأثير يمكن أن يكون عكس ما هو مقصود تمامًا.

قد يبدو إغلاق الصين مبرراً، لكن القيام بذلك من جانب واحد، دون بناء الثقة مع الحكومات الأخرى، يجعل من الأفضل ألا تقوم دول أخرى -مثل الدول المجاورة للصين- بإخطار العالم عندما ينتشر الفيروس لهم، بسبب الخوف من الإغلاق والتكاليف الاقتصادية الهائلة لهذا.

فقدان الثقة في السياسيين

يتعلق التحدي الثاني بالشفافية وتحري الدقة في المعلومات المنوطة بمكافحة الوباء، بينما يختلف الواقع تمامًا عما هو مطلوب، إذ لا يثق المواطنون بالسياسيين لقول الحقيقة، لذلك يتحولون بدلاً من ذلك إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومصادر المعلومات الأخرى.

ويمكن لمثل هذه المنصات أن تسهل قدرًا أكبر من الشفافية والإبلاغ الفوري، وهو ما يجب على الحكومات ألا تسحقه، كما فعل المسؤولون المحليون في ووهان الصينية في البداية عن طريق تهديد الأطباء الذين أبلغوا عن فيروس كورونا الجديد.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي أيضًا لنشر الذعر والهلع وفقدان التحري للأخبار المزيفة والشائعات التي تعرض الصحة العامة للخطر.

على الجانب الإيجابي، تعمل منظمة الصحة العالمية مع شركات التواصل الاجتماعي لضمان ظهور معلومات عامة موثوقة أولاً عندما يبحث الناس عن أخبار حول فيروس كورونا، كما يتعاونون في ربط التحذيرات بالمنصات التي تروج لنظريات المؤامرة والشائعات حول الفيروس، وفي إزالة المشاركات التي تعرض الصحة العامة للخطر.

وبالمثل، يحتاج السياسيون وشركات التواصل الاجتماعي لمكافحة ردود أفعال كراهية الأجانب، التي تحفزها الأوبئة بكل سهولة، إذ إن هناك تقارير عن موجة من التمييز ضد الآسيويين الشرقيين منذ اندلاع COVID-19، بما يلبس هولاء الأبرياء وصمة عار تجعل من الصعب مكافحة هذا المرض، في حالة تجنب هولاء المتضررين تطبيق الرعاية الصحية المطلوبة، ونذكر هنا مثال وهو إقدام عامل صيني على الانتحار.
 
التأهيل المبكر

أما التحدي الأخير، يتمثل  في ضرورة أن تخصص الحكومات فريق جاهز على أهبة الاستعداد في حالة حدوث حالة طوارئ عالمية للصحة العامة، بينما يبدو أن السياسيين يبغضون الاستثمار في الوقاية من الأمراض.

وعلى صعيد آخر، اتخذت حكومات جادة طريقًا نحو مكافحة تلك الأمراض المستعصية.  في أعقاب أزمة الإيبولا في عام 2014، على سبيل المثال، أنشأت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مديرية الأمن الصحي العالمي والتهديدات الحيوية داخل مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض. كما أدخل نظامًا لتنسيق المنظمات الدولية والوطنية والولائية والمحلية ، العامة والخاصة ، لمواجهة وباء عالمي ، تحت السلطة المباشرة للرئيس.

أما ما يزيل تلك التحركات المجدية هو وجود أمثال ترامب على سدة الحكم، إذ أنه أزال تلك المؤسسات العام الماضي، كما خفض التمويل للجهود التي تبذلها المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها لمساعدة البلدان الأخرى على الوقاية من أوبئة الأمراض المعدية.

وعليه، تتلخص مكافحة الأمراض والأوبئة المنتشرة عالميًا على التكاتف بمختلف المناطق الجغرافية لأجل التوصل للقاح، والاعتماد بشكل أكبر على الشفافية، والابتعاد على الانعزالية والانطوائية والخطط قصيرة الأجل؛ التي تطيل من أمد الشفاء وليس احتواء المرض.
 


الكلمات الدلالية فيروس كورونا

اضف تعليق