ضجيجه غير قابل للإيقاف..الغناء مهرجان للأكسجين


١٨ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٩:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتب – هالة عبدالرحمن
هناك أشياء تتسبب في زيادة ضجيج حياتنا أكثر فأكثر مع مرور الزمن، مما يجعلنا نبحث عن شيء يضاهيها في الصخب لتحقيق التوازن النفسي، فجاء ضجيج الموسيقى الحديثة ردًا على تغير احتياجاتنا وأسلوب حياتنا، ليصبح الغناء بمثابة مهرجان للأوكسجين الذي نتنفسه.

وأصبحت كلمات الأغاني وألحانها الجذابة صوت الشباب المصري، لكنه أحدث ضجة شعبية في البلاد أزعجت المؤسسة الموسيقية.




المهرجانات خليطٌ من موسيقى الراب والتكنو، أو موسيقى الكترو-شعبي بصبغة محلية.

وبدأت في أواخر عام 2007 وتطورت حتي أخذت شكلاً قريبا جدا من أغنيات الراب بأداء شعبي مصري قبل ثورة 25 يناير في عام 2011.

حيث كان مضمون أغاني المهرجانات غالبا يتحدث عن مشكلات الفقر والتهميش والمخدرات والصداقة، لكن بعد الثورة تطورت هذه الأغاني الشعبية من حيث الموسيقى فأصبحت أكثر صخباً وأسرع إيقاعاً.

مع انتشار الظاهرة الجديدة في الشارع المصري بدأ طرح أفلام وثائقية خصيصا لدراسة أصل هذا النوع الموسيقي الجديد وتحليله ومعرفة إن كان هذا نوعا فنيا جديدا أم لا. وكانت غالبية آراء النقاد الفنيين ضد هذا الفن، وأقلية النقاد التي أيدته بحجة أنه نوع جديد يعبر عن طبقة معينة من الشعب لم تكن تعرف كيفية التعبير عن نفسها بالوسط الفني.

أما من الناحية الاجتماعية معظم الشباب المصري والأطفال تتقبل أغاني المهرجانات بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، ومؤخرا أصبحت أغاني المهرجانات النوع المفضل من الاغاني لدى الكثير من الشباب والاطفال، وظهرت رقصات خصيصة تتناسب معها. أما كبار السن فمعظمهم وصف المهرجانات الشعبية بالفن الهابط.



ومرت الأغنية الشعبية المصرية بمراحل أسهمت فى تطوّرها، فهناك عقود زمنية شهدت تطوراً فاق الحدود، وهناك فترات هبطت فيها أسهمها واقتربت من الاندثار، بداية من جيل أحمد عدوية وسلامتها أم حسن، لحكيم، لسعد الصغير وحتى محطة أوكا وأورتيجا والعب يلا.

هناك مدارس في الغناء الشعبى علينا أن نتوقف أمامها ونرفع لها القبعة، بدايةً من الفنان محمد رشدي، أسطورة هذا المجال، بأغنياته التي أعطت دروساً في قيمة الأغنية، وأيضاً الفنان الذي طوّر الأغنية الشعبية الراحل عمر فتحي، واستكمل مشواره مع بليغ حمدي والشاعر عبدالرحمن الأبنودي ليكونوا ثلاثياً فنياً عظيماً ينتشر من خلاله الفن الشعبي، وأشهر أغانيه هم طاير يا هوا، كعب الغزال ومغرم صبابة.


كان ولا يزال أحمد عدوية هو الأب الروحي للأغنية الشعبية في مصر، فجاءت أغاني أحمد عدوية متصدرة لقائمة الأغاني الشعبية على مدار أجيال عديدة، فهو من أشهر المغنين الشعبيين في فترة السبعينات، وقد أصدر عدداً لا حصر له من الأغانى الشعبية التي لم تمح بمرور الزمن، بداية من يا بنت السلطان، السح الدح امبو، سلامتها أم حسن، زحمة يا دنيا زحمة، حتى بلاش اللون ده معانا وغيرها الكثير من الأغاني التي أحدثت ضجة وقت إصدارها، واستمرت تحتل عرش الأغنية الشعبية حتى يومنا هذا.


جاءت مدرسة "حكيم" في الأغنية الشعبية بعد مدرسة "عدوية"، فظهر حكيم عام 1989 بعدما تعرف على الفنان حميد الشاعري، وقدمه إلى إحدى شركات الإنتاج، التي أصدرت له أول البوم غنائي باسم "نظرة"، لينطلق حكيم من بعدها انطلاقاً جعله يصل إلى العالمية، ومن أبرز أغنيه الواد ده حلو، السلام عليكو، ولا واحد ولا مية، ونار نار.

وفي نفس التوقيت ظهر إلى جانبه المطرب عبدالباسط حمودة الملقّب بـ"خديو الأغنية الشعبية" واشتهر وقتها بأغنية "أنا مش عارفني".


وتعد الأغنية الشعبية النسائية مقارنة بالرجال نادرة وشحيحة، فالأسماء التي تركت بصمة فيها تعد على أصابع اليد الواحدة مثل خضرة محمد خضر وعايدة الشاعر، وفاطمة عيد ومؤخرا أمينة رغم أن الأغنية الشعبية النسائية في القرى والريف لها مكانة كبيرة.


وظهر محمود الليثي وسعد الصغير في وقت متقارب واشتهرا بلون جديد من الغناء الشعبى، تقبله البعض ورفضه البعض الآخر فى ذلك الوقت، إلا أن سعد الصغير استمر في الغناء الشعبي وقدم مجموعة من الأغاني الشعبية أشهرها أغنية هتجوز، بينما نجح الليثي نجاحًا كبيرًا وفي سنوات عديدة حصل على جائزة أحسن مطرب شعبي في مصر عام 2015.



واختلفت أوقات حاجة الفرد للأغنية الشعبية حاليا، فلم تعد الأغنية تسمع بالضرورة بهدف تحريك العواطف والخيال، وإنما أصبحت تلبي حاجة الفرد الحديث بإعطائه جرعة من الطاقة خلال قيادة السيارة والتنقل بالمواصلات والحفلات والرياضة... إلخ. حيث يكون التركيز على الإيقاع المفعم بالحيوية والطاقة بغض النظر عن طبيعة الكلمات، ومن هنا نستطيع فهم ميول الكثير منا للاستمتاع ببعض الأغاني سرًا كونها تدرج تحت قائمة الأغاني الأكثر تفاهةً، إلا أنها تملك إيقاعًا جذابًا، وهذا ما نحن بحاجته في بعض الأوقات.

لذلك فإن منع نقابة الموسيقيين لهذا النوع من الغناء قرار عبثي لا يأتي إلا كرد فعل وقتي، "يعتقدون أنهم لو صادروا المهرجانات من الدنيا، سوف تعود الجماهير التي لفظتهم مرة أخرى إليهم، لم يدركوا أنهم لم يتجددوا، فانتهى عمرهم الافتراضي، ولم يستفيدوا من دروس الكبار، مثل أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم، لم يقدم الكبار الأغنية السائدة، ولكنهم تابعوا توجهات الناس، وهكذا اختارت مثلًا أم كلثوم كلًا من الشاعر عبدالوهاب محمد والملحن بليغ حمدي، وهما دون الثلاثين، وكانت قد تجاوزت الستين، لتغني (حب إيه)، وهي أشبه بالمونولوج الساخر، يلمح عبدالحليم أغنية (على حسب وداد جلبي) يعدها بليغ للمطربة إلهام بديع، التي اشتهرت باللون الشعبي الفلاحي، يستحوذ عليها وتحقق نجاحًا طاغيًا، الفنان يأخذ من ذوق الناس ما يُشبهه"، كما يقول الناقد الفني طارق الشناوي.

إن اختفاء دور الرقابة الفنية أو الأخلاقية تدريجيًا بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل رئيسي بالإضافة إلى عوامل أخرى، لعبت دورًا كبيرًا بصعود هذا النوع من الأغاني في مجتمعنا، أضف إلى ذلك عنصر الصدمة الذي يستغله الكثير من المنتجين وصانعي المحتوى نظرًا لفاعليته الكبيرة بالانتشار وتحقيق الكثير من المشاهدات وبالتالي الكثير من الأرباح، بالإضافة إلى جمهور يبحث بشكل مستمر عن صيغ كلامية أعنف تلائم توتره المتصاعد، وإن كان هذا الشكل من الغناء ما زال غير مألوف حاليًّا، لكنه بلا شك لن يبقى كذلك في السنين القليلة القادمة.


اضف تعليق