"أغاني المهرجانات".. الموسيقى بريئة من "قلة الأدب"


١٩ فبراير ٢٠٢٠


أماني ربيع

جدل كبير في الشارع المصري بسبب أزمة نقابة المهن الموسيقية ممثلة في رئيسها المطرب هاني شاكر مع مطربي المهرجانات، والممثل محمد رمضان الذي بدأ يتجه للغناء وإقامة الحفلات، ووصلت الأزمة ذروتها بعد غناء أغنية "بنت الجيران" لحسن شاكوش وعمر كمال في حفل باستاد القاهرة، واعترض الجميع على تضمن الأغنية لكلمات مثل ".. وأشرب خمور وحشيش"، وهو ما دفع شاكر لاتخاذ قرار نهائي بمنع مطربي أغاني المهرجانات من إحياء الأفراح وحفلات الفنادق.

هذا القرار قسم الوسط الفني والشارع إلى قسمين، قسم يرفض فرض الرقابة بشكل قمعي ويطالب بتقنين الكلمات بدلًا من المنع، خاصة وأن أغاني المهرجانات تعبر عن قطاع عريض في الشارع المصري من الطبقة الفقيرة، وحتى الطبقات الأعلى تحب الرقص عليها في الأفراح والحفلات الخاصة، بينما رأى القسم الآخر، إنه لا بد من تكاتف الحكومة مع مؤسسة الموسيقى الرسمية على منع هذه الغاني التي تنشر ثقافة الإسفاف، وتمثل انحدارًا كبيرًا في مستوى الفن بشكل عام.

في حوار سابق له، قال الموسيقار القدير هاني شنودة إنه لا توجد موسيقى "قليلة الأدب"، لكن الكلمات المصاحبة لـ اللحن قد تكون كذلك، وأغاني المهرجانات التي بدأت في الذيوع منذ عام 2007، حتى وصلت ذوتها بعد ثورة يناير 2011، كانت تعتمد على لحن بتيمة واحدة أحيانًا، بينما الكلمات تكون أشبه بالنواح والصراخ على حال الدنيا أو أحوال الأصدقاء والحب الذي كان، وهي تركيبة موسيقية تتكلم بلسان طبقة بعينها تعبر عن أحاسيسهم وأفكارهم بمصطلحاتهم الخاصة، ولا تلفت كثيرا للتأثير الاجتماعي للكلمات المهم أن تكون القافية مظبوطة، والكلمات تلعب على وتر المليودراما الزاعقة "الصديق الخائن"، "الحبيبة البياعة"، "الدنيا الغدارة".. إلخ.

والفن عمومًا لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي لبيئته، وربما خيبة الأمل التي أصابت الشباب بعد ثورة يناير كانت سببًا في تفجير طاقة الغضب داخلهم في صورة أغاني أشبه بصرخة على خلفية موسيقية، لذا ظهرت أغاني فرق "الأندر جراوند" التي تستخدم تكنيك الراب وتلعب أيضًا على وتر الكلمات لكن بصورة أكثر إبداعًا ورقيًا تناسب الطبقة المتوسطة من المتعلمين.

ما يذكرنا بمقطع من رواية "دكتور زيفاجو"، لبوريس باسترناك:

"في بداية الحرب كل إنسان يؤمن في قرارة نفسه بمجموعة من الواجبات المقدسة، فهناك واجب نحو الله، وواجب نحو الوطن، وواجب نحو الجيش، وواجب نحو المجتمع، وعندما تحيق الهزيمة العسكرية، تزول القداسة عن كل شيء، ويذهب كل توقير وإيمان، وتموت الروح المعنوية ويصير على كل فرد أن بتعلم من جديد، كيف يعيش في الحياة دون أن يسنده سلطان له احترام، ولذلك صار كل شخص متعطشا إلى مبدأ جديد أو تيمة جديدة يعيش بها."

بينما أغاني المهرجانات لاقت صدى لدى الطبقة الفقيرة، ربما لأنهم وجدوا أن أغاني المطربين الآخرين على الساحة لا تعبر عنهم وعن أوجاعهم، فكل المطربين يغنون عن الحبيب والحب والرومانسية، ولا أحد يتحدث عن مشكلاتهم الخاصة، أو حتى يحاورهم بلغتهم الخاصة.




وانتشر هذا النوع من الأغاني تحديدًا بعد الحرب العالمية الأولى، ونلاحظ أنها دائمًا أشبه بموجة تأتي في ذيل الحروب، وظهرت الطقاطيق التي تتناول موضوعات حسية بين فصول الأوبريتات، وكانت برعاية ملحنين نعتبرهم اليوم من الرموز منهم: سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، ومحمد عبد الوهاب، واشتهرت بها مطربات كن ملكات عصرهن مثل منيرة المهدية وأم كلثوم وبديعة مصابني بل وحتى محمد عبد الوهاب، وكتب كلماتها بديع خيري أو محمد يونس القاضي صاحب كلمات نشيد بلادي.

كما انتشرت أغاني "الصهبجية" وتدور موضوعاتها حول المخدرات والقمار في المقاهي والأفراح، ومن الطقاطيق الشهيرة لمنيرة المهدية كانت "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة"، من ألحان القصبجي، وكلمات يونس القاضي الذي كتب لها أيضا، "أرخي الستارة اللي فريحنا"، ولحنها زكريا أحمد.

ومن ألحان سيد درويش غنت المجموعة في مسرحية "فيروز شاه" لفرقة جورج أبيض، أغنية "شامبانيا يا سلطانة الخمرة" عام 1918، التي كتب كلماتها عبد الحليم دولار المصري.

وغنت منيرة المهدية للكوكايين، "اشمعنى يا نخ الكوكايين كخ" كتبها بديع خيري ولحنها سيد درويش، اللذان تعاونا في "الحشاشين" وغاناها محمد محسن، ومن ضمن كلماتها: "ده الكيف مزاجه إذا تسلطن أخوك ساعتها يحن شوقا إلى حشيشي ميتى ميشي اسأل مجرب زي حالاتي.. حشاش قِراري يسفخ يوماتي خمسين جرّاية".



وغنت منيرة المهدية للقمار طقطوقة "البوكر"، بينما غني عبد الوهاب من ألحان سيد درويش وكلمات يونس القاضي، "فيك عشرة كوتشينة"، ويقول مطلعها: "فيك عشرة كوتشينة فى البلكونة بصرة بشكة عادة مجنونة كلت بولد آه يا حلوللي وشوف بقى اللعب الرايق الطيبة الدوه والبللى وآهي فورة من أول طابق تلاعبني ليه."

وغنى عبد الحي أفندي أغنيات "إيه رأيك في خفافتي"، وطقطوقة "ارخي الستارة اللي فريحنا"، أما ملكة المسارح بديعة مصابني فغنت "أشخلعك وأدلعك"، وتدور حول امرأة تغازل حبيبها "حسن" بكلمات جريئة.

ولمع نجم رتيبة أحمد بأغنيتها "أنا لسه في الحب نونو"، و"أنا يا أمك"، وغنت نعيمة المصرية "تعالى يا شاطر نروح القناطر"، والتي تضمنت الكوبليه الشهير: "هات القزازة وأقعد لاعبني المزة طازة والحال عاجبني".



وحتى أم كلثوم ذاتها انساقت وراء موجة الطقاطيق الخفيفة  وغنت "أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي" 1926، من ألحان صبري النجريدي، وكلمات يونس القاضي، وبعد غضب الجمهور سحبت الأسطوانات من السوق، ودفعت تعويضا لشركة الإنتاج، ثم عادت وغنتها بعد إجراء الشاعر أحمد رامي تعديلا على مطلع الأغنية وجعلها، تبدأ بـ "الخفافة واللطافة مذهبي من زمان".

وبالعودة إلى أغاني الفولكلور المصري التي تغنى في الأفراح الشعبية سنجد ميراثا لا بأس به من الأغنيات ذات الألفاظ الخادشة، ولا زالت تغنى إلى الآن في قرى الصعيد والريف المصري "حرامي يا أمَّه" و"العب يا مُلعَب" و"يا منجِّد علِّي المرتبة".

إذا فهذا النوع من الغناء هو تعبيرعن ثقافة الطبقة الشعبية، التي تميل إلى الصراحة في التعبير عن المشاعر بكلمات لا يرون أنها خادشة لأنهم بالفعل يستخدمونها في الحياة اليومية، وتواكب طبيعة حياتهم.

وبالرجوع لوقتنا الحالي فقد كان الاعتراض على كلمة "خمور وحشيش" التي تم استبدالها بكلمات أخرى "تسيبيني أكره حياتي وسنيني أتوه ومش هعيش".



وإذا كانت الأزمة في أغنية بنت الجيران هي تلك الكلمة، فالأزمة في أغنيات أخرى لمطربين آخرين مثل حمو بيكا هي ما تدعوا له وما تعبر عنه فقد خرج الأمر من دائرة غدر الدنيا إلى الدعوات الصريحة للتحرش وفضح الأنثى والتعبير عن المرأة بصورة وكأنها حيوان أو أداة للشهوة، وتروج للعنف ضد المرأة سواء باللفظ أو الأفعال، كما أنها تتحدث عن تهديد الصديق لأصحابه ومعارفه بأهل بيته ومحارمه، مثل: انتحار على خط النار، و"كل البنات ببلاش"، و"البت مديحة".

وهذا النوع من الأغنيات تحول إلى ترمومتر تقاس به أخلاقيات المجتمع ولم تعد قاصرة على فئة معينة، وانتشرت بين كل طبقات المجتمع فقراء وأغنياء متعلمين وأنصاف متعلمين وأميين، بل وتحولت إلى ما يشبه المخدرات، فمن يسمعها يكون في حالة تغييب كامل بسبب صخب الموسيقى مع شرب السجائر والحشيش والرقص وأجواء مشحونة قد تؤدي في أوقات كثيرة إلى ما لا يحمد عقباه، وكثرة ترتديها يجعلها تعلق في الذهن، وتتحول المفردات وقضية الأغنية إلى أمر طبيعي وعادي ولا يعود خادشا بل عاديا لكثرة ترديده.

يقول المفكر والشاعر عباس العقاد في يومياته: ".. ولا نعرف شيئا تنطوي عليه أخلاق الأمم وعاداتها يخفى على من يستمع لأغانيها، وقد نمتحن هذه الحقيقة بتجربة ميسرة لكل من يريدها، وهي تأليف 100 أغنية من أغاني الغزل والفخر والحداد والفكاهة والمناجاة على اختلاف بواعثها، فإننا سننبهر بعد مراجعة هذه المجموعة أننا نستطيع أن نحكم منها على أخلاق الأمة وآدابها، وما تمثله القوانين والشرائع فيها، وكما يقول أفلاطون: إذا أردت أن تعرف ما مدى رقي أمة، فاستمع إلى أغانيها."



لكن كيف نواجه تلك الأزمة التي خرجت من معناها الضيق كأزمة موسيقية وتحولت إلى أزمة مجتمع، أعتقد أن الحل هو الاحتواء والتقنين وليس الهجوم، فالتطرف في الهجوم يخلق تطرفا في الرد عليه، وفي الماضي بديع خيري الذي كتب عن الكوكايين، هو من كتب مسرحيات ذات إسقاطات سياسية واجتماعية هامة، وكان مع سيد درويش الذي جنح أحيانا لتلحين أغاني هابطة ثنائيا لتجييش الوعي المصري وعبرا عن أبسط المهن والفئات بتعبيرات بسيطة لكنها عميقة تنفذ إلى العقل والوجدان.

فلابد من محاربة هذا الهبوط في الذوق العام بغناء يرتقي بالوعي والذوق، لكن الهجوم وتجييش الراي العام حول الأزمة يجعل هذه الأغنيات وأصحابها أكثر شهرة، ويجعل من لا يعرفهم يحاول معرفتهم.

وعلينا أن ننتبه إلى أن "لعنة التريند" تسحب معها الجميع الآن، فحتى المطربين العاديين يحاولون مواكبة هذه الموجة بأغنيات خاصة  بهم على نفس الإيقاع، وحتى عمرو دياب قدم في البومه الجديد "سهران" أغنية "مهرجان" من كلمات أيمن بهجت قمر والتي تقول: "مبقاش يناسبك أزعل وأحاسبك، إيه اللي غاصبك علي العيشة دي، واللي بقينا فيه متشيلش همي موجود مرمي، ما تفوق يا عم أنا همشي أقول في الشارع هيه، أنا هعمل مهرجان مهرجان".

 حتى وإن كانت الكلمات مهذبة، لكنها تغيير في طابع عمرو دياب وطبيعة الكلمات التي كان يقدمها سابقا، وهذا يعني أن موجة "المهرجانات" قد تصبح هي النغمة السائدة وسيضطر الجميع للسكوت عنها واعتبارها أمرا طبيعيا.



في رائعة أسامة أنور عكاشة، "الراية البيضا"، كانت هناك مواجهة محتدمة بين الدبلوماسي المثقف دكتور مفيد أبو الغار، والتاجرة فضة المعادوي، جعلها عكاشة مواجة بين الصالة وأخطبوط المادة، ورغم احترامنا لموقف دكتور أبو الغار، إلا أن أسلوب إدارته للمعركة تسبب في الكثير من الخسائر لفريقه، فرغم كونه دبلوماسي من المفترض أن يحتوي الأزمة ويتعامل معها بهدوء اختار سياسة الهجوم والاستعلاء على الآخر بثقافته وعلمه، لربما لو حاول أبو الغار النزول لطريقة تفكير فضة لاستمتعت له كما كانت تصغي لمحاميها الشرير الذي هو متعلم لكن مشكلته أن المادة طوته تحت جناحها.

لم يقم أبو الغار حوارا بل اشعل حربا، لم يجلس على طاولة المفاوضات، جعل مشاعره تتحدث وليس عقله، ربما لو استخدم ذكاء الديبولماسي لكانت فضة أكبر مريديه وسلاحه الأقوى في الحرب ضد كل ما هو رخيص وبذئ، خاصة أنها كثيرا ما كانت تبدي تأثر ورفضا لمواقف محاميها، كان موقفها موقف عند، وعدم رغبة في الخسارة، لأنها لم تفهم، لأنها لم تجد من يحاول إيقاظ وعيها، ولا يجب أن ننظر للشخص الجاهل باعتباره أقل ففي المناطق الشعبية كثيرا ما نجد اشخاصا لم ينالوا قحظهم من التعلمين لكن لديهم الفطرة والبصيرة التي تفوق المتعلمين.


الكلمات الدلالية أغاني المهرجانات

اضف تعليق