مخاطر اليمين المتطرف في ألمانيا.. إعادة تقييم


٢١ فبراير ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

هزت ألمانيا جريمة نفذها أحد عناصر اليمين المتطرف في مدينة هاناو مساء يوم 19 فبراير 2020، عندما هاجم يميني متطرف اثنين من مقاهي تدخين الشيشة، وكان دافع المهاجم هو "كراهية الأجانب"، والتي راح ضحيتها أحد عشر شخصا.

تعودنا أن غالبية منفذي العمليات الإرهابية لليمين المتطرف تأتي من شرق ألمانيا، وربما من أماكن ذات خلفيات اقتصادية ضعيفة، لكن هذه المرة جاءت من وسط ألمانيا، ومنفذ العملية كان يتمتع بوظيفة محترمة ووضع اقتصادي مريح، وعضو في نادي رماية، لم تؤشر ضده علامات التطرف، وفق شهادات أعضاء النادي، وهذا ما يثير الكثير من التساؤلات حول أسباب التطرف اليميني في ألمانيا.

حجم اليمين المتطرف في ألمانيا

كشفت تقارير المخابرات الداخلية الألمانية عن حجم تهديدات اليمين المتطرف، الذي يؤكد أن 12.700 يميني متطرف "يميلون إلى العنف". وتواصلهم يحصل أكثر من ذي قبل عبر الإنترنت؛ فالمجال الافتراضي له مفعول تحفيزي، إذ إن خلية إرهابية تم الكشف عنها مؤخرا تطرفت عبر الشبكة العنكبوتية.

تشمل تنظيمات اليمين المتطرف في ألمانيا، النازيين الجدد، وحركة مواطني الرايخ، وحركة بغيدا المعادية للإسلام، والدم والشرف والمعركة 18 (الذراع المسلحة لتنظيم الدم والشرف)، وجميع هذه التنظيمات معادية للمهاجرين وترفض النظام الألماني بشكله الحالي، ولا تعترف سوى بالإمبراطورية الألمانية التي أسسها "أدولف هتلر" وانهارت بنهاية الحرب العالمية الثانية.

وبصفة عامة، يبلغ عدد المنتمين لكل تنظيمات اليمين المتطرف في ألمانيا مجتمعة 25 ألف شخص، وفق تقديرات وزارة الداخلية، بينما قدرتها بعض التقارير بـــ32 ألف، 50% منهم يميلون إلى تنفيذ عمليات إرهابية، يذكر أن الاستخبارات الألمانية الداخلية وضعت فقط 53 شخصا، شديدي الخطورة يميلون إلى تنفيذ عمليات إرهابية.

مشروع قانون ضد نشر الكراهية

طرحت الحكومة الألمانية مشروع قانون يوم 19 فبراير 2020 من أجل متابعة تهديدات القتل عبر الإنترنت بعقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات بدلا من سنة واحدة رغم أن البعض يطالب بتشديد العقوبة إلى خمس سنوات سجن، ضد من يقوم بتهديدات قتل ضد السياسيين. وبموجب هذا القانون المقترح، يتوجب على محركات وخوادم الإنترنت، بإبلاغ المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية عن منشورات الكراهية أو التهديد فور نشرها على الشبكة، وهو ما ينطبق، على الدعاية النازية، وفبركة الأخبار وتهديدات القتل.

الكشف عن مخططات تنظيمات وخلايا يمينية متطرفة لتنفيذ هجمات واسعة النطاق ضد المساجد في ألمانيا أثارت تساؤلات كثيرة حول مدى خطر اليمين المتطرف على المسلمين في البلاد، فما الذي يولّد الكراهية ضد المسلمين؟ وماذا يمكن فعله للحد من التهديدات المتطرفة؟

الباحث الاجتماعي وخبير الشؤون الإسلامية في ألمانيا، محمد عسيلة، أكد وجود يمينيين متطرفين يعملون في المجالات الأمنية أو السياسية أو التربوية أو الاجتماعية في ألمانيا، ويتابع: "عندما نجد رجال أمن ومعلمين وموظفين من اليمينيين المتطرفين أو ممن يتستر عليهم، عندها يجب أن نحذر من احتمال وقوع مثل هذه الهجمات".

تقييم درجة خطورة اليمين المتطرف في ألمانيا

إن اليمين المتطرف، يمثل تهديدًا مباشرًا إلى النظام السياسي في ألمانيا وإلى الديمقراطية، قبل أن يمثل خطرا على الأجانب. وإن الموجود من عمليات إرهابية لليمين المتطرف، يمثل الشيء القليل من ظاهرة اليمين المتطرف، الذي وصفه بعض السياسيين، أن "النازية" في القرن الماضي، خلال عقد الثلاثينات وما بعدها ما هي إلا "زقة طير" في سماء اليمين المتطرف في الوقت الحالي، وهي تعكس حجم مخاطر اليمين المتطرف في ألمانيا وأوروبا.

رغم ان الاستخبارات الداخلية الألمانية حصرت عددا من 12 ألف الى 32 ألف شخص ينتمون إلى اليمين المتطرف، لكن هناك استطلاعات أخرى، تقول: إن ما يقارب 1و5% من المجتمع ألماني، ينتمي إلى اليمين المتطرف، وإن نسبة 48% من المجتمع الألماني يعارض استقبال المهاجرين واللاجئين، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير.


تهديد الديمقراطية

ما يجري في ألمانيا في الوقت الحاضر، هو تهديد اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية إلى الديمقراطية في ألمانيا وإلى المجتمع الألماني، التهديد لم يكن ضد الأجانب بقدر ما هو موجه أيضا ضد الألمان. المشكلة تكمن في "أيدلوجية اليمين المتطرف" التي ترفض النظام الديمقراطي الحالي في ألمانيا، وتعتبر أن السياسيين لا يمثلونهم، وأن الحكومة وأجهزة الأمن، تتحكم فيهم.

العودة إلى "الدولة القومية" والتمترس داخلها، هي أبرز مطالب اليمين المتطرف؛ لذا ظهرت أصوات داخل أوروبا ،"قوميون وطنيون" وهي شعارات يمينية متطرفة، تدعو إلى رفض الاتحاد الأوروبي، والخروج منه.


اليمين المتطرف تحول إلى "ظاهرة"

الخطر يكمن في اليمين المتطرف، الذي تحول إلى "ظاهرة" في المجتمع الألماني إلى جانب المجتمعات الأوروبية الأخرى. فالمشكلة تكمن أيضا في "ثقافة" الشعوب" عندما يعتقد المواطن الألماني أن وجود ثقافات متعددة وأديان وأعراق متعددة، هو تهديد إلى قوميتهم، يدفع الكثير منهم النزوح نحو التطرف.

الإنترنت والدعاية المتطرفة، وفبركة الأخبار، ما زالت لحد الآن، وسيلة تخدم "اليمين المتطرف، وفي مراجعة سريعة إلى عمليات اليمين المتطرف، نراها دائما تستخدم الإنترنت في نشر أيدلوجياتها المتطرفة وأفكارهم.

من الخطأ أن نتناول "ظاهرة اليمين المتطرف" محليا ونربطها في ظروف داخلية أو كونها متعلقة في الهجرة والأجانب، بل هناك ظروف خارجية، أيضا فصعود زعماء دول في العالم، يدينون في أفكار يمينية، وتغريداتهم وتعليقاتهم، من شأنها أن تغذي اليمين المتطرف وتستقطب الكثير من الأشخاص.

عوامل خارجية تدفع باليمين المتطرف

صعود الرئيس الأمريكي ترامب إلى السلطة، وصعود اليمين المتطرف في العالم وخاصة أوروبا، دول شرق وغرب أوروبا هي أيضا شهد صعود لليمين المتطرف. والخطر يكون أكبر عندما يكون هذا اليمين المتطرف، ينظم عمله بشكل جيد، فهناك ترابط بين أطراف اليمين المتطرف في العالم خاصة داخل أوروبا، وهناك منتديات ومؤتمرات لزعامات اليمين المتطرف، وهناك ماكينة إعلامية، جميعها من شأنها أن تخلق "الإرهاب الأبيض" حول العالم.

ما ينبغي أن تقوم به ألمانيا من أجل مواجهة خطر اليمين المتطرف

ـ عدم الاكتفاء بتوسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات والشرطة، بقدر معالجة جذور "ظاهرة اليمين المتطرف" وتفاقمه في ألمانيا، من خلال سياسات ناعمة، تتمثل محاربة التطرف مجتمعيا تساهم فيها مؤسسات الدولة والإعلام والمجتمع.

ـ إيجاد "آلية" أفضل في رصد ومتابعة خطاب الكراهية والتطرف على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ما هو موجود الآن من اتفاقات، وأن تتحمل الحكومات هي الأخرى إلى جانب خوادم الإنترنت المسؤولية القانونية والأخلاقية في محاربة "ظاهرة التطرف اليميني"

تخمينات خطر اليمين المتطرف

من المتوقع أن تشهد ألمانيا تزايدا في عمليات اليمين المتطرف خلال هذه المرحلة، وأن مثل هذه العمليات، تبعث رسائل إلى خلايا يمينية أخرى لتنفيذ عمليات إرهابية على غرارها، وهذا ما كشفته تحقيقات الاستخبارات بعد مراجعة الرسائل التي يتركها منفذو العمليات.

ما يجري الآن في ألمانيا، هو ناقوس خطر متأخر جدا، أكثر بكثير من قدرة أجهزة الأمن وربما الطبقة السياسية في ألمانيا، التي تتحمل هي الكثير من هذا المسؤولية، وهنا أن لا تلقى المسؤوولية على الاستخبارات والأمن، بل رجال السياسة المعنيين بالتشريعات والتحالفات السياسية وانشغالهم في السلطة، يتحملون المسؤولية.

ألمانيا اليوم تشهد مرحلة صعبة، هي في أضعف حالاتها سياسيا وأمنيا منذ الحرب العالمية الثانية، تحتاج إلى إعادة تقييم مخاطر التهديدات الأمنية، خاصة أنها تهديدات أمنية محلية غير مستوردة.



اضف تعليق