قمائن الجير المصرية.. تراب الإهمال يطمس وجه التاريخ


٢٢ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٩:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتب – هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

تقع أفران حرق الجير المصرية -التي يزيد عمرها على 200 عام- على طريق الأوتوستراد وقبل الطريق الدائري بـ200 متر تقريبًا بالقرب من جبل المقطم، وهي مردومة بالتراب المتراكم منذ عشرات السنين، وتآكلت جدرانها من الداخل واختفت قمتها الضيقة الدائرية مع مرور الزمن لدرجة أنها تكاد تتلاشى، وباتت في حاجة ماسة إلى الترميم والصيانة تقديرًا لقيمتها الأثرية ودلالتها الصناعية، فضلًا عن أنها مرتعًا للصوص وتعاطي المخدرات والأفعال المخلة ليلًا.

يعود تاريخ إنشاء تلك القمائن أو أفران الجير في مصر -لم يتبق منها إلا فرنين فقط- إلى نهايات القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، والأفران عبارة عن مباني مربعة من أسفلها دائرية من أعلاها تنتهي بفوهات أسطوانية ضيقة ومن الخارج محاطة بحزام حديدي يمنع تفككها بفعل النيران الشديدة الناجمة عن الاحتراق في داخلها ولها فتحة واحدة تأخذ شكل منحنى كبير من الجهة البحرية لضمان تدفق مزيد من الهواء الشديد واحتراق سريع.

وحسب ما قال الباحث في تاريخ الآثار، المهندس محمد أبوالعمايم، حيث كان العمال يقومون بجمع الصخور الجيرية من الجبال وتكسيرها إلى أحجار صغيرة ورصها أعلى الفتحات التي تآكلت الآن بفعل الإهمال والزمن بطريقة هندسية معينة وبطريقة محكمة الإغلاق على الصخور المرصوصة أعلى الفرن تشعل النيران في الداخل الفرن.

وبعد الانتهاء من بناء القبة الطينية يتم الحرق من داخل الفرن باستخدام الكثير من المواد المطاطية والخشبية طويلة الاشتعال وفي بعض مدن اليمن التي تتواجد بها هذه الأفران الآن يتم سكب الزيوت المحروقة لضمان قوة نيرانية عالية لترتفع درجات الحرارة بما يسمح بتفتت المادة الجيرية داخل الأحجار المشتعلة وتستمر عملية الحرق في الفرن شبه المغلق لمدة يومين ثم يسكب عليها شيء من الماء ليتحول الصخر الصلب إلى مسحوق جيري، ويجمع ليستخدم منذ القدم في أعمال البناء والطلاء وخاصة المساجد.



آثار نادرة

ويصف الباحث التاريخي في العمارة الإسلامية، يوسف أسامة، قمائن حرق الجير المصرية بأنها أثر فريدًا من نوعه والأثر الوحيد في القاهرة التاريخية المتبقي من هذا الطراز سواءً في الشكل الهندسي أو البناء وفي عمارة مصر الإسلامية كلها، وللأسف الشديد غير مصنفة أثريًا حتى الآن، وتعاني القمائن إهمالًا شديدًا.

وأضاف يوسف أسامة، أنه اعتقد الكثيرون خطأً أن للأفران الأثرية علاقة بخط السكك الحديدية القديم الواصل بين القاهرة وحلوان، إلا أن اكتشفت بقايا القضبان القديمة للخط الحديدي أسفل كوبري التونسي مرورًا بحيي البساتين والمعادي ومنطقة التونسي.




صناعة الجير المطفي

كان الحجر الجيري أو (كربونات الكالسيوم) يتعرض للحرق في درجة حرارة من 900 إلى 1000 درجة؛ لينتج أكسيد الكالسيوم (المستخدم في عمليتي البناء والطلاء والجير المطفي مادة مقاومة للماء والحرارة تستخدم في طلاء المباني والأسطح).

ويصنع أكسيد الكالسيوم أو الجير المطفي عن طريق جمع الصخور الجيرية من الأودية والجبال ثم يتم تفتيتها بطرق بدائية بآلات ومطارق حديدية شديدة القوة إلى أن يتم حرقها في الأفران الطينية لدرجة حرارة معينة، ولا زالت مدن عربية أشهرها حضر موت تقوم بجمع الصخور الجيرية وتفتيتها ثم حرقها في الأفران ويستخدم الجير في أعمال الطلاء باليمن ويشتغل في تلك الصناعة الكثير من أهل حضرموت باليمن.












اضف تعليق