قرن من البث العام.. "بي بي سي" في مرمى نيران "شعبوية" جونسون


٢٣ فبراير ٢٠٢٠ - ١٠:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - ولاء عدلان

عادت الحرب المفتوحة بين رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وهيئة الإذاعة البريطانية الـ"بي بي سي" إلى الواجهة مرة أخرى، وسط أنباء عن خطة حكومية لإصلاح الهيئة العريقة تحت عنوان عريض هو "تحويلها إلى منصة قادرة على المنافسة في عصر نتفليكس"، في خطوة قد تنهي قرن من البث العام الممول لـ"بي بي سي".

بالأمس نشرت "ديلي ميل" مقتطفات من مقابلة لمذيع "بي بي سي" المخضرم ديفيد ديمبلبي 82 عاما مع محطة "إيه آر دي" الألمانية، الرجل كان غاضبا جدا من جونسون ووصفه بـ"الكاذب" قائلا: إن جونسون يفعل كل ما في وسعه لتقويض هيئة الإذاعة الوطنية، إنه مثل ترامب تماما، لا يهتم بما يفكر فيه الناس، فقط يريد أن يحكم ويفرض رأيه، مضيفا لا أحد يثق  بجونسون، من يستطيع أن يثق به.. هو يكذب في كل موضع، أنه يكذب حتى على عائلته.

سر غضب الـ"بي بي سي"
تأتي هذه التصريحات على خلفية، طرح حكومة جونسون لخطة إصلاح جذري قد تنتهي ببيع معظم محطات "بي بي سي" وعددهم 63 محطة، وخفض عدد قنوات التلفزيون الوطني وعددهم 10، مع تقليل المحتوى على شبكة الإنترنت، والأهم من ذلك إلغاء نظام رسوم التخصيص المعمول به حاليا والتحول إلى نظام الاشتراكات على غرار الشبكات المدفوعة مثل "نتفليكس".

الخطة يدعمها بامتياز جونسون وكبير مستشاريه دومينيك كامينجز ووزير الثقافة جون وتنجديل، فضلا عن نواب حزب المحافظين، وفي المقابل عبر عدد من الوزراء بالحكومة عن رفضهم لطرح الخطة في هذا التوقيت الذي ما زالت البلاد فيه تعاني من تداعيات "البريكست"، كما أن الميثاق الحالي للهئية سيستمر العمل به حتى العام 2027.

 خلال حملته الانتخابية نهاية العام الماضي هدد جونسون الـ" بي بي سي" يإلغاء رسوم الترخيص، وقال إنه يعتقد أن هذه الرسوم  ربما لم تعد نموذجا مستداما، في عصر يتطلب التحول إلى الخدمة الدولية.

أما كبير مستشاريه فوجوده داخل الحكومة، كافيا لتأكيد مخاوف " بي بي سي" وكل المدافعين عن استقلالها، فدومينيك كامينجز كان مديرا لمؤسسة "نيو فرونتيرز" للأبحاث عام 2004 عندما قالت إن الـ"بي بي سي" تعد العدو الأكبر لـ"المحافظين"، ودعت إلى إنهاء الهيئة بشكلها الحالي وتقويض مصدقيتها، واستبدالها بمحطات على غرار  "فوكس نيوز".

واقترحت مؤسسة دومينيك أيضا، وضع حد للحظر المفروض على الإعلانات السياسية على شبكة "بي بي سي"، وأن يتجنب وزراء الحكومة الظهور في برنامجها، وهو الأمر الذي بات مفعلا منذ دخول دومينيك إلى "داوننيج ستريت".

يقود حاليا وزير الثقافة جون ويتنجديل، حملة لمناقشة طريقة تمويل هيئة الإذاعة الوطنية، وسط أنباء على أن خطة الاصلاح الحكومية ستبدأ بحلول موعد مراجعة نصف المدة لميثاق الهيئة في العام 2022 دون انتظار إلى 2027، ويرى وينجديل: أن انتشار خدمات الاشتراك يثير أسئلة حول مستقبل البث العام الممول ورسوم الترخيص، العالم قد تغير، وموعد مراجعة نصف المدة سيكون بداية للنقاش حول هذه الأمور.

تحذيرات من المساس بالهيئة
النائب العمالي ووزير الثقافة السابق بن برادشو يرى أن كامينجز وبعض أعضاء حزب المحافظين لا يريدون سوى استبدال "بي بي سي" بقناة دعاية "يمينية"، مضيفا أن "بي بي سي" هي ملك للجمهور البريطاني، وليس للحكومة، نعم سيكون هناك دائمًا نقاش حول نموذج التمويل، لكن في عصر يزداد فيه القلق بشأن الأخبار الكاذبة وإساءة استخدام البيانات من قبل المؤسسات القوية والأحزاب السياسية والتدخل في الحملات الانتخابية، فإن المطالبة بمؤسسة إخبارية جديرة بالثقة وخاضعة للمساءلة، لها ما يبررها أكثر من أي وقت مضى.

إيد ديفي زعيم الليبراليين الديمقراطيين، قال -في تصريحات سابقة لـ"الجادريان"- إن "بي بي سي" كنز وطني، سنحارب جميعا من أجله، وإذا كان كامينجز يعتقد أنه حصل على تفويض لملاحقة الهيئة ورموزه، فهو قد حصل على مزيد من المعارضين وستواجه خطته الفشل قريبا.

الشهر الماضي قالت هارييت هارمان، وزيرة الثقافة السابقة في حكومة الظل: إن هيئة الإذاعة البريطانية تواجه لحظة خطيرة، هناك من يريد تفكيكها.

في مقابل هذا يرى أغلب النواب المحاظفين، أن الانتخابات أعطت حزب المحافظين فرصة جديدة لإصلاح "بي بي سي"، والانتقال بها إلى نموذج يأخذ في الاعتبارات تحديدات البث عبر الإنترنت.

إصلاح أم "شعبوية"
ربما يكون لدى جونسون وفريقه حجة قوية وعنوان جيد للترويج لخطتهم، لكن حقيقة الخطة وتداعياتها على استقلالية الـ"بي بي سي" وموضعيتها.. الحديث هنا عن المواطن البريطاني وشعوره حيال مؤسسة ارتبط بها عبر قرن من الزمان، وينظر لها باحترام شديد.

الواقع أن وصول "الشعبويين" أمثال جونسون وترامب إلى الحكم، شكل ربيعا للإعلام المستقل والمعارض، فهؤلاء لا يعرفون سوى لغة الهجوم وكل يوم لهم موقف جديد، ما يجعل أخبارهم مادة خصبة للصحفيين وجاذبة للمتابعات المرتفعة من قبل الجمهور، وأمام هذا يتوقع أن نرى خلال الفترة المقبلة حالة من الشد والجذب بين فريق جونسون وفريق الـ"بي بي سي"، لكن الأخير سيحصد المزيد من التأييد من رجل الشارع العادي، إذ سيبرع في جذبه بالحديث عن "موضوعية الخبر" في ظل شكوك دائمة تحوم حول كل ما يتفوه به جونسون والساسة عموما.

ربما يكون الحل أمام حكومة جونسون وحتى الـ"بي بي سي" نفسها، اللجوء إلى هذا الجمهور والاحتكام إليه في استفتاء على مستقبل الهيئة، فهي تمول من أموال الضرائب العامة وبالتالي من الطبيعي أن يكون من حق الشعب البريطاني أن يحدد مصيرها وخيارات التمويل في المستقبل.



اضف تعليق