محاولة أوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي.. وإيران تصر على المكاسب الاقتصادية


٢٦ فبراير ٢٠٢٠ - ٠٤:٤٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

بعد أيام من زيارة وزيري خارجية هولندا والنمسا إلى إيران، ولقائهما مع كبار المسؤولين الإيرانيين، في مقدمتهم الرئيس حسن روحاني، وزيارة منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، في الثالث من الشهر الجاري، هي الأولى له منذ توليه المنصب خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي.

عقد الأوروبيون والصين وروسيا وإيران الأربعاء اجتماع "مصالحة" في فيينا حول الاتفاق النووي الموقع بين طهران والقوى الكبرى في 2015، الأول من نوعه منذ إطلاق آلية فض الخلافات ضد الجمهورية الإسلامية المتهمة بانتهاك الاتفاق التاريخي.

وانعقد اجتماع اللجنة المشتركة على مستوى نواب وزراء الخارجية برئاسة نائبة الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية هيلغا ماريا شميد، ومشاركة مساعد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ونظرائه من روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وبموجب آلية فض الخلافات التي ينص عليها الاتفاق، ينبغي أن تحاول الأطراف التوصل إلى حل قبل أن تقرر عرض القضية على وزراء الخارجية. لكن وفي حال تعذر التوصل إلى مصالحة، يمكن أن يعيد مجلس الأمن الدولي فرض العقوبات التي رفعت في إطار اتفاق فيينا. ويؤكد الأوروبيون أن هذا ليس هدفهم.

ويواجه اتفاق فيينا التاريخي تهديدا حقيقيا منذ أن انسحبت منه الولايات المتحدة بقرار أحادي في 2018. وردت طهران التي أعيد فرض عقوبات خانقة عليها بالتخلي تدريجيا كل شهرين اعتبارا من مايو/أيار 2019، عن عدد من التزاماتها، كما تقول المنظمة الأمريكية غير الحكومية "جمعية مراقبة الأسلحة" (آرمز كونترول أسوسييشن).

ويرى الأوروبيون أن المخالفات التي قررتها السلطات الإيرانية ليست غير قابلة للعكس. وقد أكدت إيران حاليا أنها ستواصل تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتسمح بذلك لمفتشي هذه الهيئة بالدخول إلى المنشآت المعلنة.

وفي السياق، صرح دبلوماسي أوروبي "لدينا جميعا مصلحة في إنقاذ خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) ليتمكن المفتشون من مواصلة العمل في إيران". مضيفا أن المفاوضات الحالية "لا موعد نهائيا لها" و"ما زلنا بعيدين عن تحقيق نتيجة"، إذ إنه لم يحدد برنامج زمني للمحادثات.

وينص الاتفاق الموقع في 2015 على رفع جزء من العقوبات الدولية عن الجمهورية الإسلامية مقابل تقديمها ضمانات لإثبات الطبيعة محض المدنية لبرنامجها النووي.

تفعيل اينستيكس

وتشير التصريحات الإيرانية والأوروبية إلى أن اجتماع اليوم لم يسجل اختراقا كبيرا لإنقاذ ما تبقى من الاتفاق النووي، رغم حديث عن توجه أوروبي لتفعيل آلية "إنستكس" المالية للتجارة مع إيران، لكن من غير الواضح بعد ما هي طبيعة عملها، وما إذا كانت تشمل السلع المحظورة أميركياً أو تكتفي بالسلع الإنسانية، كما أشار إلى ذلك بيانها التأسيسي، خلال يناير/كانون الثاني 2019.

وتشي تصريحات عراقجي، في ختام اجتماع اللجنة، بأن النتائج، أيا كانت، لم ترتق إلى مستوى المطالب الإيرانية، حيث أكد أن طهران "لن تعود إلى تنفيذ كامل للاتفاق النووي ما لم تلب مطالبنا في المجالات الاقتصادية"، مشيرا إلى أن اجتماع اليوم، الذي ينعقد كل ثلاثة أشهر مرة واحدة، ناقش آثار الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وعودة العقوبات ضد إيران و"بحث تأمين منافع إيران الاقتصادية من الاتفاق".

وجاء في بيان أصدرته شميد، عقب الاجتماع، أنه ناقش تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي وخطوات إيران في خفض تعهداتها النووية المنصوص عليها بالاتفاق النووي، مشيرا إلى أنه "تم التعبير عن قلق جاد" من هذه الخطوات الإيرانية.

وأضاف البيان أن "الأعضاء أكدوا أن إعادة فرض العقوبات من قبل الولايات المتحدة حرمت إيران من تحصيل كامل منافعها بعد رفع العقوبات".

وأشار إلى أن الأعضاء رحبوا بالتطورات الإيجابية حول أول معاملة عبر قناة "إنستكس" وانضمام أربع دول أوروبية جديدة إليها"، معربا عن الأمل بزيادة عدد الدول الأعضاء بالآلية، ولفت إلى تأكيد المشاركين في اجتماع فيينا على "أهمية تقوية هذه القناة".

ومن جهته، أشار مساعد وزير الخارجية الإيراني إلى التطورات بشأن قناة "إنستكس"، التي أسستها أوروبا خلال يناير/كانون الثاني لعام 2019، لكنها لم تُفعل بعد، قائلا إن اجتماع فيينا "شهد عرض أفكار أكثر جدية وتركيزا حول الدول الأوروبية بشأن تعزيز آلية إنستكس"، مضيفا أن هذه الآلية "دخلت تقريبا مرحلة التنفيذ".

إلا أنه أكد في الوقت عينه أن توقعات بلاده "لا تقتصر على إنستكس بل مطالب كثيرة وفقا للاتفاق النووي"، مضيفا أن "إيران خفضت تعهداتها خلال خمس مراحل، وقلصت التزاماتها الجادة في مجال تخصيب اليورانيوم بسبب عدم تلبية هذه المطالب".

وجدد عراقجي، وفقا لما أورده بقناته على تطبيق "تليجرام"، التأكيد على استعداد طهران للعودة إلى تعهداتها النووية "شريطة تنفيذ مطالبها" الاقتصادية لتمكينها من مواجهة تداعيات العقوبات الأميركية التي تستهدف كافة مفاصل اقتصادها.

كما أن اجتماع اليوم جاء على وقع تطورات مهمة شهدها الاتفاق النووي خلال الأشهر الماضية، حيث أعلنت إيران في الخامس من الشهر الماضي، تنفيذ المرحلة الخامسة والنهائية من تقليص تعهداتها النووية، لتوقف بموجبها العمل بجميع القيود "العملياتية" المفروضة على برنامجها النووي، أعقبه إعلان الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، في 14 يناير/ كانون الثاني، قرارها بتفعيل آلية "فضّ النزاع"، التي من شأنها أن تعيد الملف النووي الإيراني إلى أروقة مجلس الأمن ويعاد فرض العقوبات الأممية ضد طهران، إلا أن أوروبا من الناحية العملية لم تبدأ بعد إجراءات تفعيل الآلية.

الانضمام لمعاهدة فاتف

تتعذر أوروبا بضرورة انضمام إيران لمعاهدة مكافحة الجريمة المنظمة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب؛ من أجل تسهيل تفعيل آلية "اينستيكس"؛ لإمكانية التبادل المصرفي والمالي مع إيران.

وهذه المعاهدة تجد معارضة شديدة داخل مجلس تشخيص مصلحة النظام؛ وهو ما يجعل حكومة روحاني تجد صعوبة في التعامل مع التجارة والمصارف الأجنبية. وقد تم إدراج إيران ضمن القائمة السوداء لمجموعة العمل الدولي "فاتف"؛ بعدما عجزت إيران على الانضمام لهذه المعاهدة ولوائحها.

وفي إطار محاولات إنقاذ الاتفاق النووي، ومن ثم إنقاذ الاقتصاد الإيراني الذي يتعرض لعقوبات أمريكية شديدة، دعت الحکومة الإیرانیة إلى إزالة العراقيل التي تحول دون موافقة مجلس تشخيص مصلحة النظام على الانضمام لاتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، واتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (باليرمو).

وشددت حكومة روحاني على ضرورة العمل على "إظهار وجه قانوني ومنضبط ومناهض للإرهاب، لتجنب إعطاء أي عذر زائف للأعداء".

وقد أصدرت حكومة حسن روحاني بيانًا، اليوم الأربعاء 26 فبرایر/ شباط، في اجتماع بشأن القرار الأخير لمجموعة العمل المالی، قائلة: "تعتقد الحكومة اعتقادًا راسخًا بضرورة إزالة العراقيل التي تحول دون تمرير مشروعي القانونين، وسحب الذریعة التي یستغلها أعداء إیران".

وقال البيان أيضًا: "سنواصل جهودنا في هذا المجال وسنبذل قصارى جهدنا لحل المشكلة، وتحسين الظروف، ومنع المزيد من الإضرار بالمصالح الوطنية، وزيادة كلفة العقوبات على حياة الناس".

يشار إلى أنه في يوم الجمعة الماضي، أصدرت "FATF" بيانًا أعلنت فيه أنها ستعيد إيران إلى قائمتها السوداء.

وقد تم اتخاذ هذا القرار بعد أن كانت "FATF"، تحذر طهران منذ ثلاث سنوات من عدم الموافقة على اثنین من الاتفاقيات المتعلقة بمجموعة العمل المالي.

وقد أشارت حكومة روحاني، في بیانها، إلى "تغيير الحكومة وتفعيل دبلوماسية الخروج من العقوبات" في بداية إدارتها، وكتبت أن إجراءات الحكومة غيرت وضع إيران في "FATF"، و"أتاحت فرصة لمدة عامين للمشاركة الدولية".

كما انتقدت الحكومة الإيرانية أيضًا تعليق مشروع قانون الانضمام إلى اتفاقية مکافحة تمويل الإرهاب (CFT) واتفاقية مکافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (باليرمو) في مجلس تشخيص مصلحة النظام. ومع ذلك، اعتبرت وضع اسم إيران في قائمة الدول غير المتعاونة (القائمة السوداء). سواء في فترة الحکومة السابقة أو في هذه الفترة "أنه تم بدوافع سياسية ممن لا یریدون الخیر لإیران".

إلى ذلك، ارتفعت أسعار العملات والذهب في السوق بعد إدراج إيران في القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي.

وكان روحاني قد قال، يوم الأحد الماضي، ردًا على قرار "FATF"، في اجتماع الحکومة، إن  تمریر هذه المشاریع "لیس من صلاحیات الحكومة والبرلمان"، كما أن إدراج طهران في القائمة السوداء "سیبرر تشديد العقوبات" ضد إيران.


اضف تعليق