"كورونا" .. "عطسة" أربكت اقتصاد العالم


٠١ مارس ٢٠٢٠

كتبت – ولاء عدلان

بعد أن سجلت دول العالم أكثر من 2900 حالة وفاة بفيروس كورونا المستجد، ونحو 86 ألف إصابة، في أقل من 90 يوما، بات واضحا أن الفيروس يهدد النمو الاقتصادي الهش بمزيد من الانتكاسات هذا العام، بعد أن ضرب ثاني أكبر اقتصاد بالعالم "الصين" في مقتل، وعاقب شركات السياحة والصناعة والتكنولوجيا بمزيد من الخسائر في أول شهور العام.

على الرغم من أن صندوق النقد الدولي أبدى تفاؤله حيال الإجراءات التي أتخذتها السلطات  الصينية للحد من الأثر الاقتصادي لـ"كورونا"، إلا أنه خفض توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني بالعام الجاري بنحو 0.4%، نزولا من توقعاته السابقة، لتصبح 5.6%، كما توقع أن يؤثر كورونا على النمو العالمي بمقدار 0.1%.

"كورونا" يضرب الاقتصاد

منذ أن ظهر الفيروس في "ووهان" الصينية لأول مرة، في 12 ديسمبر 2019، بدأ ينتشر في بلدان العالم مثيرا الرعب، فالأمر يتعلق بالحياة اليومية التي قد تتوقف في أي لحظة حال تحول "كورونا" إلى وباء عالمي، هذا الرعب تسلل إلى أسواق الأسهم شيئا فشيء لتسجل الأسهم الأمريكية بنهاية تعاملات الجمعة الماضية، أكبر خسارة أسبوعية منذ الأزمة العالمية 2008، وسط مخاوف من خسائر أكبر، مع الإعلان عن أول إصابة بالفيروس تلقائية في أمريكا.

كما فقدت أسهم أوروبا نحو 1.5 تريليون دولار في أسوأ أداء أسبوعي منذ الأزمة المالية، وفي اليابان سجلت الأسهم الجمعة الماضية، أدنى مستوياتها في نحو ستة أشهر بفعل تنامي المخاوف من انتشار واسع للفيروس.

أمام هذه الموجة خرج محافظ المركزي الأمريكي جيروم باول ليطمئن الأسواق بتصريحات يؤكد فيها أن الاحتياطي الفيدرالي سيتدخل عندما تقتضي الحاجة لدعم الاقتصاد، في إشارة إلى احتمالات العودة إلى سياسة خفض "الفائدة"، ما هوى بالدولار إلى أدنى مستوياته أمام الين الياباني في سبعة أسابيع.

في سوق النفط الأمر لم يكن سهلا منذ اللحظة الأول؛ فالصين هي أكبر مستورد للنفط وثاني أكبر مستهلك للطاقة، فهوت الأسعار مقتربة لأدنى مستوياتها منذ ديسمبر 2018 عند 51 دولارا للبرميل، وسط توقعات بأن يخفض انتشار الفيروس الطلب العالمي على النفط بمقدار 260 ألف برميل يوميًا في العام الجاري، مع توجه دول العالم لفرض مزيد من قيود السفر، ما يطال قطاع وقود الطائرات الذي يمثل جزاءا كبيرا من سوق النفط.

الأمر لم يقتصر على شاشات بورصات العالم، ففي الصين التي تمثل 16.3% من اقتصاد العالم، انكمشت أنشطة المصانع في فبراير بأسرع وتيرة على الإطلاق، مسجلة أداء أسوأ مما كانت عليه خلال الأزمة المالية العالمية.

تستحوذ الصين على 13% من صادرات العالم، وتحديدا فيما يتعلق بالسيارات -30% من السوق العالمي- وقطع الغيار والإلكترونيات وعلى 10.5% من الواردات العالمية، فضلا عن كونها سوق تجاري واسع يضم العديد من العلامات التجارية، لذا دفع تفشي الفيروس فيها العديد من الشركات حول العالم إلى تخفيض توقعاتها لأرباح الربع الأول من العالم، كما لجأت الشركات التي لديها فروع في الصين إلى إغلاق هذه الفروع وتكبد خسائر باهظة، على سبيل المثال أغلقت "إيرباص" خط إنتاجها في مدينة "تيانجين" والذي ينتج نحو 6 طائرات من طراز A320 شهريًا، وحذت حذوها شركات أخرى مثل "تويوتا" و"جنرال موتورز" و"فولكس واجن" .

في كوريا الجنوبية أوقفت "هيونداي" لصناعة السيارات خطوط الإنتاج بسبب تعطل سلسلة الإمداد الخاصة بالأجزاء التي تتدفق عادة من الصين، أما "هوندا" اليابانية فتمتلك 3 مصانع في ووهان الصينية، وتوقفعت بالكامل عن العمل، ما يعني أن الفيروس ضربها بالكامل هذا الربع.  

"GSK" البريطانية هي واحدة من أكبر شركات الأدوية في العالم، تمتلك هي الأخرى فرعا في تيانجين الصينية، توقف عن العمل بشكل شبه تام، ولديها نحو 3000 موظف في جميع أنحاء الصين، كثير منهم يعملون من المنزل.

شركة Nike الأمريكية التي تمثل الصين نحو 17% من إيراداتها السنوية، أغلقت نصف متاجرها بالصين، وقامت بتخفيض ساعات العمل في الباقي، وكذلك فعلت "أديداس"،"H&M" وHugo Boss، "إيكيا" و"ماكدونالز" و"ستاربكس".

أما شركات السياحة فحتى اللحظة هي الخاسر الأكبر، إذ لجأ العديد منها إلى إلغاء الرحلات من وإلى الصين، مع توقف حركة الطيران، وسط توقعات بأن يتكبد هذا القطاع خسائر تتراوح بين 22 مليار دولار و49 مليار دولار، فالصين تصدر سنويا حوالي 200 مليون سائح للوجهات السياحية على مستوى العالم، ينفقون حوالي 277 مليار دولار على السياحة، وعالميا تراجع الطلب على الطيران بأكثر من 0.6%، والحجوزات السياحية بأكثر من 15%.

توقعات بمزيد من الخسائر

العالم يعيش حالة عدم يقين، وسط الانتشار المتسارع للفيروس، ما يجعل من الصعب التنبؤ بحجم الأثر الاقتصادي له، وكالة "موديز" لا تستبعد أن ينزلق الاقتصاد العالمي إلى دائرة الركود بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نتيجة لأزمة "كورونا"، وذلك باحتمال يصل 40%.

بنك مورجان ستانلي توقع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى 3.5% في الربع الأول، والأمريكي بنحو 0.5%، فيما أكد باحثون من "جولدمان ساكس" لـ"نيويورك تايمز" أن المخاطر الاقتصادية للفيروس تميل إلى الجانب السلبي بشكل واضح، وفي تقرير سابق توقعوا أن يخسر النمو الصيني نحو 0.4% هذا العام نتيجة لـ"كورونا"، مقابل خسائر مماثلة للاقتصاد الأمريكي، على أن تقتصر على الربع الأول فقط.

توقعت "Oxford Economics" منذ يومين أن يصل الأثر الاقتصادي للفيروس إلى ما يعادل 400 مليار دولار، و1.1 تريليون دولار في حال تسارع الانتشار خارج آسيا، بما يعادل 1.3% من النمو العالمي، بتكلفة مباشرة تتجاوز الـ 900 مليون دولار، إذ ضرب المرض مناطق تمثل 90% من حجم الأعمال بالصين وترتبط بـ5 ملايين شركة عالمية.

كما تشير التوقعات إلى أن شركات الطيران ستخسر أكثر من 29 مليار دولار هذا العام، وفي الصين وحدها تقدر الخسائر بـ12.8 مليار دولار.

يبدو أن الاقتصاد العالمي الذي أصابته عدوى "عطسة الصين"، سيأخذ وقتا للتعافي ربما يطول إلى ديسمبر المقبل، فمسكنات مثل التيسير النقدي وضخ المزيد من الأموال في جيوب الناس لن تعوض حقيقة أن المتاجر في الصين مغلقة والمصانع لا تعمل والرحلات إلى بكين متوقفة وحول العالم مهددة بالإلغاء في أي وقت.



اضف تعليق