مصلى الأموات.. فكرة المماليك لتكريم وفيات الطواعين والأوبئة


٠٤ مارس ٢٠٢٠ - ٠٨:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

"الله حق" آخر الكلمات المتبقية من النص التأسيسي أعلى حوائط مصلى الأموات المتواجد في شارع السيدة عائشة الشهير بأحضان القلعة، وهو الأثر الفريد من نوعه والوحيد الباقي في عمارة مصر الإسلامية ضمن المصليات المخصصة لتشييع وتجهيز الموتى قبل الدفن.

والمصلى عبارة عن ميضأة وإيوانين مفتوحين على بعضهما ومصلى للسيدات وله صحن مكشوف يفصله عن الشارع القديم باب خشبي عتيق منقوش عليه لفظ الجلالة "الله" بطريقة فنية رائعة، وهو في حالة معمارية سيئة للغاية ويعاني إهمالًا بشعًا ويكاد يتساقط من فرط التصدعات والشروخ، وتجبر أوجاعه أعمدة حديدية وشدات معدنية وضعتها وزارة السياحة والآثار المصرية منذ شهور دون تجديد أو ترميم حقيقي للأثر النادر!

انتشرت مصليات الأموات في مصر قديمًا لتقوم بوظيفتها الاجتماعية الهامة، وعادة ما كانت بالقرب من المقابر لحمل المتوفين منها إلى مثواهم الأخير، وهي فكرة دأب عليها سلاطين وأمراء المماليك لوجه الله تعالي، خاصة في وقت انتشار الطواعين والأوبئة، وأخطرها "الطاعون الأسود" الذي ضرب مصر في عهد السلطان حسن.

ويقع مصلى الأمير بكتمر المؤمني بشارع السيدة عائشة في منطقة مصر القديمة، وهو الشهير بـ"مصلى الأموات"، بني المصلى في عام 769 هجرية/ 1367 ميلادي في أواخر عهد دولة المماليك البحرية، بأمر سيف الدين بكتمر المؤمني، أمير آخور (مسؤول الاسطبلات السلطانية) لدى السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون.

تم تجديد "مصلى الأموات" في عهد الأمير يشبك من مهدي عام 873 هجرية/ 1468 ميلادي، وفي نفس العام أنشأ مصلى للأموات بجوار مسجد السلطان حسن، ثم أقام السلطان الغوري جزءًا آخر إضافة إلى مصلى الأموات عام 909 هجرية / 1504 ميلادي.



19 مصلى

تم بناء مصلى الأمير بكتمر المؤمني ليجهز ويغسل ويكفن ويصلى فيه على الأموات، وتخرج منه الجنازات إلى المقابر الموجودة خارج القاهرة التاريخية آنذاك.

واحتوت القاهرة قديمًا على نحو 19 مصلى للأموات بأطراف العاصمة لقربها من المقابر، منها مصلى الجويني ومصلى البياطرة ومصلى الأمير يشبك من مهدي بجوار مدرسة السلطان حسن ومصلى الإطفيحي ومصلى السروجية أمام باب مسجد السلطان قوصون وغيرهم الكثير.





الطاعون الأسود

شهدت مصر في العصور المملوكية انتشارًا واسعًا للأمراض والأوبئة والطواعين حتى أنه -وبحسب مصادر تاريخية- كانت الأكفان وحفر الدفن تسع أكثر من متوفى، وارتفع ثمن الأكفان والثياب بشكل كبير نظرا للإقبال الشديد على شرائها.

وفي عام 749 هجرية/ 1348 ميلادي، شهدت مصر وباءً ضاريًا في عهد السلطان حسن، عرف بـ"الطاعون الأسود"، ووقتها ألزم السلطان اثنين من أمرائه (شيخو ومغلطاي) أن ينشئوا مصليات للأموات.




مصلى الأموات

يصنف المصلى على أنه الأثر الوحيد المتبقي من نوعه ضمن "مصليات الأموات" في تاريخ العمارة الإسلامية، وهو المصلى الرسمي للأموات في العصر المملوكي، وكان يتم منه تجهيز وتشييع جنازات كبار الأمراء والأميرات وكبار رجال الدولة وقتئذٍ.

فيما كانت تشيع جنازات الملوك والسلاطين؛ مثل السلطان خشقدم والسلطان برقوق والسلطان برسباي والسلطان إينال والسلطان جقمق من "قلعة الجبل" ويصلي عليه قاضي القضاة ثم تشيع في مواكب كبيرة بمشاركة أطياف الشعب وأركان السلطنة والأعيان ورجال الدين يتقدمها النساء النائحات والنادبات.




مغسل للنساء

احتوى مصلى الأموات -حسب ما يقول الباحث في الآثار الإسلامية، يوسف أسامة- على أكثر من مغسل ومصلى، أحدها للنساء، ومن أشهر من صلي عليها بمصلى الأموات، خند عائشة، ابنة السلطان جقمق وزوجة الأتابك أزبك بن ططخ (سمي باسمه حي الأزبكية الشهير بالقاهرة).

ومنه شيعت جنازة خوند فاطمة، إحدى زوجات السلطان قايتباي، والأمير جاني بك الأشرفي الدوادار، وجنازة الأمير طرباي الشريفي، والأمير قرقماس في العصر المملوكي، وكذلك جنازات قضاة القضاة والخلفاء العباسيين، كما استمر مصلى الأموات في تجهيز وتشييع كبار رجال وأمراء الدولة والباشوات في العصر العثماني.










اضف تعليق