على أبواب أوروبا.. لاجئون خذلهم العالم


٠٤ مارس ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

تصدي اليونان ووقوفها بحزم تجاه اللاجئين، يتسبب بكارثة إنسانية، لا يعيشها سوى هؤلاء الذين تشردوا من أوطانهم وتدفقوا إلى الحدود سيرًا على الأقدام وسباحة، فأوروبا بالنسبة لهم بارقة أمل لحياة أفضل.

لكن اللاجئين العالقين على حدود أوروبا، وجدوا أنفسهم في أكثر الأوضاع خطورة حتى الآن، فهم يعانون نقصا شديدا في الطعام والشراب، ولا يجدون مأوى يحتمون به من الطقس البارد.

تقول صحيفة "الإندبندنت" البريطانية: إن هذه الأسر تعرضت للتهديد والقمع جراء الحرب التي لم تتوقف لسنوات طويلة في أفغانستان والحرمان من التعليم والرعاية الصحية في إيران، وجدوا أنفسهم يتعرضون للابتزاز والسرقة من قبل أصحاب العمل، والمساكن والمهربين في تركيا.


تقطعت بهم السبل

تضرب الصحيفة المثل بعائلة رضا دولاتي 40 عامًا، والتي تضم 25 فردا وتقطعت بهم السبل وهم يقبعون الآن عند نهر ميريك الحدودي الذي يجري عبر الحدود التركية اليونانية ويفصلهم عن حدود الاتحاد الأوروبي، ويعيشون في العراء معرضين للبرد الشديد والرياح ولا يمتلكون المال اللازم لشراء الطعام لأطفالهم.

"لقد سمعنا أن أبواب أوروبا مفتوحة"، يقول دولاتي وهو يجلس وسط بكاء الأطفال الجائعين دون طعام أو مال في انتظار فرصة مواتية لعبور النهر ودخول بلاد لاترغب في استقبالهم، بحسب الصحيفة.

وذكرت الصحيفة، أن بعض الأتراك لاحظوا وجود أعضاء أسرة دولاتي بالقرب من منازلهم فأعطوهم خيمتين، كما سمحت بعض الأسر لنسائهم باستخدام الحمام، لكنهم رغم ذلك يعيشون في العراء، فقد استأجرت الأسرة حافلة لتقلهم من مدينة سمسون على البحر الأسود إلى الحدود اليونانية مقابل ما قيمته 50 جنيها استرلينيا، فسائقوا الحافلات ضاعفوا الأسعار بعد الإقبال على الرحلات المتجهة إلى الحدود التركية اليونانية خلال الأيام الاخيرة.

يقول ديفون كون، المحامي البارز في منظمة اللاجئون الدولية: "توجد مخاطر خطيرة على النساء والفتيات في بيئة غير مستقرة في العراء، حتى المخيمات غير آمنة".

شردت الحرب في أفغانستان المئات، فرَّ البعض منهم من هزاراجات في وسط البلاد لإيران، والبعض الآخر إلى باكستان، وأخرين إلى ألمانيا.

يقول دولاتي: "لم يكن لدينا خيار، كنت أعمل في مصنع للبلاستيك في إيران حتى ستة أشهر مضت، لكن الاقتصاد الإيراني بدأ في الانكماش تحت وطأة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، وراتبي لم يكن يكفي وليس لدينا مكان آخر نذهب إليه، لا يمكنني الذهاب إلى اليونان، وليس لدي مكان أذهب إليه في تركيا، لقد عشت في إيران منذ 38 عامًا، وأفغانستان بلد أجنبي بالنسبة لي".


عجز أوروبا

تشير الصحيفة إلى أن اتفاق عام 2016 بين أنقرة والاتحاد الأوروبي ينص على أن توقف أنقرة تدفق المهاجرين على حدود الاتحاد مقابل مساعدات مالية قيمتها 6 مليارات يورو للتكفل بالمهاجرين في تركيا، ويبدو أن أنقرة تريد المزيد من المساعدات وتسهيلات لحصول الأتراك على تأشيرات دخول الاتحاد الأوروبي والتقدم في مفاوضات التوقيع على اتفاق جمركي بين الطرفين.

ويعمل الاتحاد على إقامة حدود أوروبية وخفر سواحل بقوات قوامها 10 آلاف بحلول 2027، ويقول المسؤولون أيضا إنهم وفوا بالتزاماتهم مع أردوغان، إذ صرفوا المساعدات المالية كاملة وقدرها 6 مليارات يورو.

أما تركيا فتقول: إن الأموال التي وصلتها من الاتحاد الأوروبي غير كافية، وإنها أنفقت 30 مليار دولار للتكفل باللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، إذ تؤوي تركيا 360 ألف مهاجر من دول أخرى مثل أفغانستان وإيران والعراق، هربوا من القمع والنزاعات المسلحة.

ولم يلتزم الاتحاد الأوروبي أيضا بالاتفاق على تبادل المهاجرين، إذ اتفق الطرفان على أن مقابل كل مهاجر يعود إلى تركيا من الجزر اليونانية تلتزم أوروبا بإيجاد مكان لمهاجر سوري في أوروبا، وقد أوجد الاتحاد أماكن في أوروبا لنحو 25 ألف لاجئ سوري، وهو ما يقل عن الحد الأدنى المتفق عليه وهو 72 ألفا.

إذ يبدو أن قادة الاتحاد الأوروبي لم يأخذوا مطالب تركيا بجدية، وهو ما جعل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يهدد برفع يده وفتح الباب أمام المهاجرين واللاجئين الراغبين في التوجه إلى أوروبا.

ولكن على الرغم من أن مخارج تركيا قد تكون مفتوحة، إلا أن أبواب الاتحاد الأوروبي مغلقة، ووجد اللاجئون من البلدان التي مزقتها الحرب مثل سوريا والعراق وأفغانستان والصومال وصولا إلى كشمير الهندية، أنفسهم عاجزين أمام أكثر المواقف صعوبة حتى الآن.

واندلعت أحداث عنف على الحدود اليونانية، واشتبك المهاجرين مع عناصر الشرطة، وهم يتقدمون نحو الحدود، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، على مئات من المهاجرين، بينما تمضي سلطات أثينا قدما في خطتها للترحيل السريع للأشخاص الذين لا يزالون يصلون إلى جزر بحر إيجه.

يقول عدنان 22 عامًا من الرقة: "سمعنا أن الحدود مفتوحة وأتينا، واستغرق الأمر منا يومين و4500 دولار لعبور الحدود"
وتعرض العديد من المهاجرين الذين وصولوا إلى الجانب اليوناني، إلى معاملة سيئة، فمنهم تم القبض عليهم من قبل السلطات اليونانية، وتم تجريدهم من ممتلكاتهم وحتى ملابسهم، وبعضهم تعرض للضرب، وبعضهم وضعوا في قوارب وأُعيدوا إلى الجانب التركي.

يقول غاسم رضائي، لاجئ أفغاني يبلغ من العمر 18 عامًا: "قبضت علينا الشرطة اليونانية، وجاءت سيارة وأخذونا بعيدًا، احتجزنا طوال الليل ، واستولوا على كل شيء - أموالي وبطاقات الهوية وهاتفي المحمول".



خيبة أمل
بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي، علقت اليونان تمسكها بالالتزامات المنصوص عليها في المعاهدة بشأن اللاجئين، وحرمت أي حق في التقدم بطلب للحصول على الحماية المؤقتة، وأثارت هذه الخطوة غضب بعض المدافعين عن حقوق اللاجئين، ولكن يبدو أنها مدعومة من قبل قادة الاتحاد الأوروبي في فرنسا وألمانيا، الذين خصصوا مئات الملايين من الدولارات في صورة أموال طارئة لليونان ويخططون لزيارات رفيعة المستوى لإظهار التضامن مع حكومة أثينا.

من بين اللاجئين الذين حاولوا وفشلوا في العبور، كان هناك غضب واضح وخيبة أمل من أن حياتهم كانت تستخدم كأدوات في الألعاب الجيوسياسية عالية المخاطر.

تقول سارة الريمي، وهي لاجئة أفغانية تبلغ من العمر 18 عامًا: "الرئيس الذي سحبنا جميعًا هنا يجب أن يجد لنا بعض المساكن، قد تخليت عن مسكني وقومت ببيع ممتلكاتي في مدينة دنيزلي التركية للقدوم إلى أوروبا، نحن غاضبون جدا، لقد قال أن كل شيء مفتوح".

ومع ذلك، يقول الكثير من اللاجئين إنهم ما زالوا يأملون أن تفتح الحدود قريبًا، ويهتفون "افتح الحدود.. افتح الحدود!".

"السبب بكوننا هنا هو للأطفال، حتى يتمكنوا من الحصول على حياة أفضل، أريد أن أذهب إلى أوروبا لأنه سيكون هناك قدر أكبر من الأمن قليلاً ومكان يمكن لأطفالي الدراسة فيه"، بحسب "دولاتي".

وترى الصحيفة أنه لا يوجد حل آخر غير وقف إطلاق النار في سوريا، وأن على الاتحاد الأوروبي أن يتفاوض من جديد مع أردوغان على بنود اتفاق 2015، وأن يقدم أيضًا التزامات أكثر بشأن المساعدات الإنسانية، وهذه مسائل عاجلة بالنسبة لأوروبا وبريطانيا، وقضية عاجلة بالنسبة للعالقين على الحدود لأجل غير مسمى.


اضف تعليق