محلل سياسي: استنساخًا لتجربة طالبان.. تحرير الشام تبحث عن شرعية أمريكية


٠٤ مارس ٢٠٢٠

رؤية

وقع الأمريكيون وحركة طالبان السبت الماضي في الدوحة اتفاقًا تاريخيًا تعهدت بموجبه واشنطن بانسحاب كامل للقوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 14 شهرًا مقابل ضمانات من حركة طالبان. ومنذ توقيع الاتفاق لم تتوقف طالبان عن ادعاء "الانتصار" على الولايات المتحدة.

وقد أعلنت حركة طالبان، أمس الثلاثاء، أن كبير مفاوضيها أجرى اتصالا هاتفيًا مع الرئيس الأمربكي دونالد ترامب وهو أول اتصال مباشر بين الحركة المتشددة والرئيس ترامب.

وقال المتحدث باسم الحركة الثلاثاء إن كبير المفاوضين الملا بردار أخوند أجرى مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمربكي دونالد ترامب قبل بضعة أيام بعد أن وقع الجانبان اتفاقا لانسحاب القوات الأجنبية في الدوحة.

والواضح، أن طالبان حاولت الاستفادة من هذه الاتفاق لمواجهة الحكومة المركزية والرسمية في كابل؛ بإظهار أنها صاحبة اليد العليا في أفغانستان، وأنها انتصرت على الأمريكان؛ بينما واشنطن تستغلهم لاستمرار نفوذها في المنطقة المتاخمة للصين وإيران وروسيا. وكذلك تستغلهم في احتواء جماعات متطرفة عابرة للأقطار وتهدد المصالح الأمريكية، مثل تنظيم القاعدة إلى جانب استغلال هذا الاتفاق للدعاية الانتخابية لصالح الرئيس ترامب.

أيضًا، كتب المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد على تويتر "رئيس الولايات المتحدة ترامب أجرى محادثة هاتفية مع النائب السياسي للإمارة الإسلامية الموقر الملا بردار أخوند"، وهو ما يعني أن الحركة الأفغانية تروج أن ترامب قد اعترف بطالبان كحكومة إمارة تحكم أجزاء من أفغانستان.

استنساخ التجربة

يقول الكاتب والمحلل السياسي المصري هشام النجار، في تقريره على صحيفة العرب، أن تجربة طالبان سيتم تصديرها إلى جماعات جهادية وإسلامسياسية أخرى، سيما نظيرتها في سوريا.

ويقول النجار بقد أغرت معادلة تعميق الجهاد المحلي ومفارقة الجهاد العالمي مقابل فتح قنوات للتفاوض بعض الفصائل الجهادية في سوريا الباحثة عن طوق إنقاذ واعتراف دولي بشرعيتها، ورجّح الاتفاق بين الإدارة الأمريكية وحركة طالبان الأفغانية حدوث تأثيرات على سلوكيات الجهاديين في دول مختلفة، واحتمال عدم اقتصارها على الساحة الأفغانية.

أول الطامحين لإعادة إنتاج "المنجز" الطالباني غير المسبوق في تاريخ الجهاديين، والذي يبدو تفكيرًا خارج الصندوق بالنظر إلى مناهج الفصائل المتطرفة وأدبيّاتها، هي هيئة تحرير الشام الناشطة في شمال غرب سوريا، حيث تظهر تصرفات الحركة وتصريحات قادتها ومؤشرات دولية وإقليمية عدة أنها مرشحة في أقرب وقت لتتحول إلى طالبان سوريا.

تلعب البراجماتية دورًا محوريًا في السعي لاستنساخ النموذج الطالباني داخل المشهد السوري، بالنظر إلى أن هناك عوائق مرتبطة بالفروق الجوهرية بين الحالتين. فروسيا حاضرة بقوة في سوريا بالمقارنة بأفغانستان، علاوة على تواضع إمكانيات تحرير الشام وضآلة حظوظها على صنع الفارق في الحالة السورية، بعيدًا عن محدودية هدفها الخاص بها، وهو التمكين لتنظيم جهادي محلي يحكم بسلطة السلاح مساحة محدودة من سوريا برعاية دولية وإقليمية.

معالم المرحلة المقبلة

وعكسَ الظهورُ الإعلامي المكثف لقائد تحرير الشام أبومحمد الجولاني مؤخرا أزمة كبيرة تمرّ بها حركته أكثر من فرضية تعبيره عن مشروع مبنيّ على حضور ونشاط متراكم لسنوات عديدة كحال طالبان أفغانستان.

ورغم أن الأيديولوجيا واحدة، غير أن التكتيك والسلوك مختلفان، فضلا عمّا تعانيه هيئة تحرير الشام في سوريا من مشكلات وانقسامات داخلية لا تعاني منها طالبان الأفغانية التي تسيطر على الجزء الأكبر من الأرض.

سعى الجولاني خلال حواراته الأخيرة لإضفاء الملمح الطالباني على حركته عبر اجتزاء سطحي دعائي مفاده أن كفاحه ضد روسيا يعيد للأذهان وقائع الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي، ملمّحًا إلى أن هذا يمنحه فرصة الشراكة مع الغرب والولايات المتحدة كطرف مناوئ في الداخل السوري للنفوذ الروسي.

سبقت هذه الحوارات كلمة مرئية حدد فيها الجولاني معالم المرحلة المقبلة في إدلب ومحيطها، مشددا على أن القتال الآن مع روسيا وليس ضد النظام السوري الذي ولّى من غير رجعة، زاعمًا أن موسكو تريد إعادة مجدها الذي يرتبط في أدبيات المتشددين بالجهاد الأفغاني لما له من حظوة عندهم على اختلاف انتماءاتهم.

تعمّد في ثنايا الحوارات التسويق لنفسه، على الرغم من بداياته المعروفة وكيلًا عن تنظيم القاعدة في المشهد السوري، كشريك في مكافحة الإرهاب، واضطر لمبايعة تنظيم القاعدة مجبرا كسبيل للهروب من مبايعة داعش، متعهدا بعدم اتخاذ سوريا منصة لإطلاق عمليات خارجية والالتزام بالمرجعية السورية.

ما حققته طالبان من حاضنة شعبية يعود إلى رسوخ حالة سلفية مجتمعية منحازة للتشدد والانغلاق وقابلة لأن تُحكم بتلك التصورات المغالية فكرا وممارسة، وهو ما لا يتوفّر في الساحة السورية التي تميل لمدارس دينية معتدلة، مثل الأشعرية والصوفية، ما يفسر بجانب الفشل الإداري لهيئة تحرير الشام بعد تشكيلها ما يُطلق عليه “حكومة الإنقاذ في إدلب”، الرفض الشعبي ضد حكم الهيئة في الشمال السوري.

الأمر الذي حاولت صحيفة "إباء" المعبرة عن هيئة تحرير الشام تصويره قبل أيام في إطار سياقات أخرى، رابطة في مقال عنوانه "أيام اختبار والفرج قريب" مصير الهيئة بمصير خمسة ملايين نسمة يرفضون نظام بشار الأسد.

إضفاء الولايات المتحدة الشرعية على حركة طالبان شجع هيئة تحرير الشام في سوريا على اقتناص الفرصة رغم أزماتها الداخلية وفشلها الإداري وتعقيدات المشهد على الأرض، للإبقاء على أمل قيامها بدور في مستقبل سوريا بعد تراجع النفوذ التركي وتذبذبه، وخشيةً من صفقات الأتراك مع الروس، والتي غالبا ما تكون على حساب مكتسبات الفصائل المسلحة.

تراهن الهيئة التي تضم ما يزيد على عشرين ألف مقاتل بما يعنيه هذا العدد الضخم في هذه المساحة الاستراتيجية المحدودة بشمال غرب سوريا، على التجاوب الأمريكي مع ما قدمته الحركة على الأرض فعليا من دلائل على صلاحيتها واستحقاقها لتُرفع من قوائم الإرهاب وفق الرؤية الأمريكية.

دفعت رغبة واشنطن في سحب ذرائع موسكو وطهران والنظام السوري في مواصلة عملياتهم العسكرية بمناطق سورية عديدة المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري لإطلاق تصريحات مطمئنة لقادة هيئة تحرير الشام.

استهداف المناوئين

تعاملت الهيئة بجرأة وتحلّى قائدها بقدر كبير من المراوغة والمكر، ليس فقط عبر فك الارتباط بالقاعدة وعدم الالتزام بأدبياتها، بل عبر اللعب بباقي الفصائل والتنظيمات وتحدي أيمن الظواهري ومحاربة تنظيمه البديل في سوريا "حراس الدين"، والتعاون أمنيًا ومعلوماتيًا مع الطرف الأمريكي لتصفية قادة القاعدة في سوريا ممن لا يزالون أوفياء لمنهج التنظيم الأمّ ولأدبيات الجهاد العالمي.

لينأى بنفسه عن التفسير الذي يعطيه تنظيم القاعدة للجهاد الدولي، لم يكتفِ الجولاني بإظهار المزيد من المحلية، بل نشط في ملاحقة قادة وأعضاء كل كيان لا يلتزم بالضوابط الأمريكية للنشاط الجهادي المحلي التي صارت بالاتفاق الأخير مع طالبان بمثابة خطة العمل للكيانات المسلحة الانفصالية المناوئة لحكومات بلادها في حال احتاجت لاعتراف دولي بنشاطها.

وجّه أنصار تنظيم "حراس الدين" الذي يُعدَّ فرع القاعدة بسوريا اتهامات للجولاني بالمسؤولية عن تحديد مواقع قادتهم وتسليمها لقوات التحالف الدولي ما أدّى لمقتلهم.

منطقية الاتهامات ليست فقط لكون الجولاني المستفيد من تصفية قيادات "حراس الدين"، على خلفية الخشية من تنامي نفوذ الأخير داخل محافظة إدلب، بل أيضًا لأن قائد تحرير الشام عثر بقيامه بهذه المهام على ما يُقنع الأمريكيين للاعتراف به خارج التصنيف الإرهابي، فارضا سلطة الأمر الواقع على المساحة التي يحكمها في الشمال السوري بدعم غربي.

تبرهن الشكوك المثارة حول إمكانية تهديد "حراس الدين"، وهو تنظيم محاصر في إدلب وحلب ولا يزيد على ألفي مقاتل، لأمريكا وأوروبا على أن تحولات تحرير الشام شكلية بغرض منح الوجاهة للتجاوب الأمريكي، وصولًا إلى استنساخ النموذج الطالباني في سوريا وشرعنة تعميمه في أكثر من بؤرة صراع.

أظهر الجولاني الكثير من الدهاء في أسلوب توظيفه لزعيم القاعدة أيمن الظواهري، عندما لم يفكر الأخير سوى في الثأر ردا على فك تحرير الشام ارتباطها بالقاعدة، كما فعلت مع داعش، ما دفعه لتأسيس فرع جديد تابع له في سوريا تحت اسم "حراس الدين" في ديسمبر 2017.

ومع أن غالبية هذا التنظيم لا تنتمي إلى التيار الجهادي العالمي بل إلى التيار السلفي المصري والأردني، ونشط غالبيتهم ضمن تنظيمات سلفية ذات صبغة محلية، إلا أن الظواهري إمعانا في المكايدة لوّح بأن التنظيم الجديد سيكون بقيادة حمزة نجل أسامة بن لادن الذي وصل إلى سوريا خلال عام 2016.

منح اسم بن لادن، علاوة على احتواء فرع القاعدة الجديد بسوريا على عدد من المنشقين عن داعش بعد انكساره العسكري، زعيم تحرير الشام فرصته للتخلص من منافسيه، ولتقديم نفسه للأجهزة الأمريكية كشرطيّ يلعب الدور الأهم في تصفية رؤوس الإرهاب العالمي.

ويُذكر إسهامه في القضاء على قادة الصف الأول في "حراس الدين"، وفي خطة تصفية حمزة بن لادن وأبوبكر البغدادي زعيم داعش السابق.

استوفى الجولاني الشرط الأمريكي حيث لا يهم البقاء وفيا لأيديولوجيته الأساسية بل أن يتحلى بالواقعية، ومن أجل الحفاظ على سلطته المحلية عليه عدم تهديد المصالح الغربية في المحيط السوري أو خارجه.

معضلة نموذج طالبان الذي تستنسخه هيئة تحرير الشام في سوريا،  أنه مجرد تحول شكلي لغض البصر الدولي عن تغولها وكوسيلة لتحقيق مصالحها وكسب الشرعية الدولية.

يتشبث الجهاديون بحبل الاعتراف الدولي في سوريا رهانا على الرغبة في إنجاح السلام مع طالبان، وتعميمه على فروع القاعدة في مختلف مناطق العالم، في حين يعانون من أزمات توحي بقرب انهيار تنظيماتهم. ربما يشكل صبغ الشرعية على هيئة تحرير الشام مخرجًا لبعض القوى كعائق أمام بسط روسيا سيطرتها على المنطقة، لكنه يعني في المقابل تسليم إدلب التي يقطنها أربعة ملايين سوري لحكم المتطرفين.

لا يرفض السكان المحليون حكم الهيئة فقط لأنها تستجلب القصف الروسي لمناطقهم، وإنما لأنها فاشلة إداريا وتعتمد على فرض الإتاوات والضرائب، وفاسدة ماليا باعتراف قادة منشقين عنها، ولأنها تطبق أقسى نماذج السلطة في الاستبداد الديني، وكل هذا لا يزعج واشنطن طالما أن الهيئة لا تنوي القيام بعمليات خارج مساحة سيطرتها.


اضف تعليق