توتر مصري إثيوبي وخيبة أمل أمريكية بشأن "سد النهضة".. فماذا بعد؟


٠٥ مارس ٢٠٢٠

كتبت – سهام عيد

تصاعدت حدة التصريحات بين كل من إثيوبيا ومصر في الساعات القليلة الماضية وصلت إلى حد التراشق والتهديد بشأن أزمة سد النهضة، وسط خيبة أمل أمريكية التي كانت تأمل للتوصل إلى اتفاق نهائي أواخر الأسبوع الماضي.

وكان من المتوقع أن تبرم البلدان الثلاثة اتفاقا بشأن ملء وتشغيل السد الذي تبلغ تكلفته 4 مليارات دولار، في واشنطن، لكن مصر فقط وقعت بالأحرف الأولى على الاتفاق.

وبالرغم من أن الدول الثلاث "مصر وإثيوبيا والسودان" أعلنت موافقتها المبدئية عن بنود المفاوضات، إلا أن تعنت إثيوبيا وتغيبها عن مفاوضات الخميس الماضي ورفضها التوقيع على الصيغة النهائية، ومن ثم بيانها الهجومي ضد كل من مصر وأمريكا واعتزامها بناء السد وملء الخزان وسط تحذيرات مصرية، أشعل فتيل الأزمة.

كان وزير الخارجية الإثيوبي، غدو أندرجاتشاو، قد قال -في مؤتمر صحفي، الثلاثاء: إن بلاده تبني سد النهضة، لأنها تملك الحق الكامل في ذلك، مع التزامها بالحفاظ على مصالح دول المصب وعدم إلحاق أي ضرر عليها، مؤكدًا أن بلاده ستواصل التفاوض بشأن سد النهضة ما لم يضر ذلك بمصالحتها الوطنية.

وأضاف: إن بلاده تؤمن بأن المفاوضات هي الحل الوحيد للوصول إلى اتفاق، معربًا عن رفضه للتحذير المصري، قائلا إنه ليس في صالح الجميع، ولن يؤدي إلا إلى تدمير العلاقات، مشيرا إلى أن بلاده لديها الحق الكامل في انتشال مواطنيها من الفقر باستخدام مواردها الطبيعية.


الأرض أرضنا والمياه مياهنا!

وأعلن وزير الخارجية الإثيوبي أن بلاده ستبدأ في ملء سد النهضة اعتبارًا من يوليو المقبل، قائلا: "سنبدأ في التعبئة الأولية لخزان سد النهضة بعد 4 شهور من الآن، الأرض أرضنا والمياه مياهنا والمال الذي يبنى به سد النهضة مالنا ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه"، متهما مصر بالسعي للسيطرة بمفردها على نهر النيل.

وتساءل الوزير عن دور الولايات المتحدة والبنك الدولي في عملية التفاوض، لافتا إلى أنه لا بد أن يكون دورهما واضحًا ومحددًا ومنحصرًا في الرقابة فقط، وأن إثيوبيا ترفض بيان وزارة الخزانة الأمريكية بشأن عدم تعبئة سد النهضة، قائلا: "لن نقبل أن تطلب منا أمريكا أن نفعل شيئا لا نريده وممارسة الضغوط علينا لفائدة الآخرين".

من جانبها، قال وزير المياه والري سيليشي بيكيلي: إن عملية ملء السد ستبدأ في يوليو المقبل، وأنه من المتوقع أن يتم حجز 4.9 مليار متر مكعب من المياه في السد بنهاية شهر يوليو، لافتا إلى أن السد سيبدأ توليد الطاقة في فبراير ومارس من العام المقبل.


مصر ترد بحسم وتؤكد: لن نتهاون في حقوقنا المائية ولن يتم بناء السد إلا بموافقتنا

في غضون ذلك، ردت مصر على تصريحات إثيوبيا بكل حسم، معلنة أن إثيوبيا لا يمكنها ملء سد النهضة أو البدء فيه إلا بموافقة مصر والسودان طبقاً للبند رقم 5 من اتفاقية إعلان المبادئ لعام 2015 والتي وقعت عليها أديس أبابا.

وذكر السفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة مصر، أن الرئيس الأمريكي أعرب عن تقديره لقيام مصر بالتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق الذي أسفرت عنه جولات المفاوضات حول سد النهضة بواشنطن خلال الأشهر الماضية، باعتباره اتفاقاً شاملاً وعادلاً ومتوازنًا، مؤكدًا أن ذلك يدل على حسن النية وتوفر الإرادة السياسية الصادقة والبناءة لدى مصر.

من جانبه، أعرب الرئيس المصري عن بالغ التقدير للدور الذي تقوم به الإدارة الأمريكية في رعاية المفاوضات الثلاثية الخاصة بسد النهضة، والاهتمام الكبير الذي يوليه الرئيس ترامب في هذا الصدد، مؤكدًا استمرار مصر في إيلاء هذا الموضوع أقصى درجات الاهتمام في إطار الدفاع عن مصالح الشعب المصري ومقدراته ومستقبله.



فيما كشف وزير الخارجية المصري، سامح شكري، عن الموقف الذي ستتخذه الدولة المصرية في حال استمرار التعنت الأثيوبي ورفضوا استكمال المفاوضات بشأن سد النهضة.

وأكد شكري في تصريحات تليفزيونية أن كل الأجهزة المصرية سوف تعمل بكل ما لديها من مصادر وآليات للحفاظ علي مصالح الشعب المصري.

وقال شكري: "لن يتم التهاون في حق الشعب المصري في هذه القضية. وسنقوم بحمايتها بكل الوسائل المتاحة".


تكاتف عربي برفض أي إجراءات أحادية إثيوبية

في غضون ذلك، أقرت جامعة الدول العربية، أمس الأربعاء، "قرارا مهمًا" قدمته مصر بشأن سد النهضة الإثيوبي، يؤكد على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، ويرفض أي إجراءات أحادية إثيوبية.

وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في ختام الدورة الـ 153 لمجلس الجامعة العربية، إن القرار "يرفض أي مساس بالحقوق التاريخية لمصر، ويرفض أي إجراءات أحادية تمضي فيها إثيوبيا، ويؤكد على ضرورة التزام إثيوبيا بمبادئ القانون الدولي".


5 مسارات دبلوماسية أمام مصر

في غضون ذلك، قال أستاذ القانون الدولي أيمن سلامة، إن التصريحات الإثيوبية الأخيرة تستلزم من الدبلوماسية المصرية أن تنتهج 5 مسارات مهمة متوازية: أولها: إرسال مذكرة احتجاج رسمي عن طريق القنوات الدبلوماسية المصرية إلى حكومة دولة إثيوبيا، وثانيًا: التواصل الدبلوماسي الفاعل مع جميع دول حوض النيل وإعلامهم بالتطورات الأخيرة والتصريحات والإجراءات الإثيوبية التي وصفها بـ"الخطيرة"، وما يمكن أن يحيط ذلك بتهديد للسلم والأمن الدوليين فضلا عن العلاقات الودية بين سائر دول حوض النيل، وفقا لصحيفة "الشروق".

وتتضمن المسارات إرسال مذكرات دبلوماسية تفصيلية للدول الخمس الكبرى، الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن، عن المسار التفاوضي المصري والإثيوبي وكيف أن أديس أبابا انتهكت مبادئ حسن النية في المفاوضات وفي تنفيذ المعاهدات الدولية، وتحديدا اتفاقية إعلان المبادئ.

وتشمل أيضًا الإخطار الرسمي للمفوضية الأفريقية ولأمين عام منظمة الاتحاد الأفريقي فضلا عن مجلس السلم والأمن الأفريقي بالتطورات الأخيرة، وأخيرا التوعية الإعلامية لجميع الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية من خلال المواقع الرسمية لوزارة الخارجية ولهيئة الاستعلامات باللغات الست التي اعتمدتها الأمم المتحدة.

ولفت إلى أن إثيوبيا شأنها شأن سائر الدول المتشاطئة على الأنهار الدولية ليست لديها حرية الاختيار في إبرام معاهدة دولية مع الدول التي يمكن أن تتضرر من إنشاء مثل هذه السدود، وليست لها أيضا حرية الإحجام عن إخطار جميع دول النهر الدولي بالبيانات والمعلومات الفنية كافة عن أي مشروع هندسي تقيمه.

وأوضح أن إثيوبيا كذلك ليست لديها حرية الاختيار في إبرام الاتفاقيات الدولية المنظمة للاستعمال المنصف المشترك لنهر النيل بعد إنشاء سد النهضة، وإذا كانت ملكية إثيوبيا لسد النهضة مطلقة فهى محملة بأعباء قانونية دولية أهمها عدم الأضرار بالغير، خاصة دولة مصب النهر، وهي مصر.

وأشار سلامة إلى أن مجرد الزعم الإثيوبي بحقها في الاستعمال المطلق والانتفاع والسيطرة سواء على سد النهضة أو على النيل الأزرق في إقليمها دون مراعاة الدول الأخرى لا يعني إلا تعسفا في استعمال الحق والإضرار عمدا بالغير؛ في انتهاك فاضح وخرق جسيم للمبادئ القانونية ذات الصلة في كيفية تنظيم الانتفاع المشترك المنصف لمياه الأنهار الدولية.

وأكد أستاذ القانون الدولي أن محكمة العدل الدولية والعديد من المحاكم الوطنية في سويسرا وإيطاليا والهند والولايات المتحدة أبطلت "مبدأ هارمون" الذي كان يجيز للدولة ويرخص لها الانتفاع المطلق للنهر الدولي في الجزء الذي يجري في إقليمها دون اعتبار لحقوق الآخرين، كما أن نظرية السيادة المطلقة على النهر الدولي في إقليم الدولة أصبحت نظرية بالية منذ ما يزيد على نصف قرن.

وأوضح سلامة أن النيل الأزرق ليس نهرا داخليا إثيوبيا لتبسط عليه السيادة المطلقة، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة في عام 1982 لقانون البحار، وأن اتفاقية إعلان المبادئ، التي أبرمت في الخرطوم عام 2015، هي معاهدة دولية نافذة أبرمت بين الدول الثلاث، وفي مقدمتها إثيوبيا، دون أي إكراه، وتأسست على مبدأ سلطان الإرادة، فكان لأديس أبابا الإرادة الكاملة في إبرام هذه المعاهدة، وكذلك تأسيسا على مبادئ القانون الدولي لاستعمال المجاري المائية الدولية في غير أغراض الملاحة.


اضف تعليق