كاتب: "تميم" سلم القط "أردوغان" مفتاح الكرار


٠٧ مارس ٢٠٢٠

رؤية

الكرار فى بعض الثقافات القروية هو مخزن الطعام، وحين يكون المسؤول عن المخزن لصًّا يقولون: إن القط أصبح بيده مفتاح الكرار، والقط آخر من يؤتمن على مكان كهذا! هكذا وصف الكاتب المصري محمد طعيمة الاتفاقية الأمنية بين قطر وتركيا، التي بموجبها سمحت لتواجد قواعد تركية على أرض قطر.

ويشرح طعيمة هذه الاتفاقية بأنها جعلت قطر من تركيا بمثابة اليابان من الولايات المتحدة الأمريكية؛ بلد مسلوب الإرادة.

يقول الكاتب المصري -في تحليله على صحيفة العرب- وفق “نفسية” الطرفين أو تاريخيهما أو الخيوط المتقاطعة، مع الحامي رجب طيب أردوغان، والمحمي الشيخ تميم بن حمد. والأرض ممهدة بقوات وهيمنة على مؤسسات القوة وبخطاب إعلامي يمجد العثمانية وأردوغان كمجدد لها.

على أرض الإمارة تواجد عسكري وأمني تركي متنام، جذره يعود إلى عام 2002 باتفاق تبادل الخبرات العسكرية ومبيعات أسلحة تركية، تبعها اتفاق مشابه عام 2007. وفي 2012 حصلت قطر لأول مرة على 10 طائرات مسيّرة من أنقرة، مصنعة بالتعاون مع منظومة التصنيع الحربي في تل أبيب، كجزء من صفقة قيمتها 120 مليون دولار، ووقع البلدان اتفاقا آخر في العام ذاته، تفاصيله سرية.

العلاقات العسكرية شهدت قفزة نوعية مع مفاقمة قطر انشقاقها عن محيطها العربي، وتدشين أول قاعدة عثمانية باسم طارق بن زياد، وفق اتفاقية أعلنت في 28 أبريل 2014، لتستوعب 3000 عسكري بمعداتهم. وقد وصلها 90 جنديا تركيا بمدرعاتهم في 4 أكتوبر 2015، وتم رفع علم تركيا عليها بعد 4 أيام. وتوالى وصول القوات لتتحدث تقارير عن 5 آلاف جندي. تسمية القاعدة ذات الدلالة الإسلامية، اختارها أردوغان ضمن تمسحه “الوظيفي” بالتاريخ الديني السابق بقرون لنشأة دولته.

وأن الاتفاقية نصت أيضا على نشر قوات برية وجوية قطرية على أراضي تركيا، وهي صياغة مثيرة للسخرية، إذ يستحيل عمليا تبلور “قوات قطرية” لمحدودية خزين الإمارة البشري (180- 200 ألف مواطن بضمنهم الرضع والأطفال والكهول من الجنسين).

كما نصت على عمليات تدريب وتصنيع عسكري مشترك، وشراء الدوحة 50 في المئة من أسهم شركة “BMC” التركية للتصنيع الحربي، التي أنتجت 1500 عربة مدرعة لجيش وشرطة قطر عام 2017، يستحيل توافر كوادر محلية لقيادتها وصيانتها، ما يعني، أيضا، ترك المهمة في أنحاء الإمارة للعسكريين والأمنيين الترك.

في فبراير 2018 حسب “بي.بي.سي”، أعلن سفير أنقرة في قطر أن بلاده سترسل قوات إضافية، جوية وبحرية، دائمة إلى الدوحة بعد  إنشاء البنى التحتية اللازمة لاستضافتهم. وبعد شهر اتفق الطرفان على إنشاء تركيا قاعدة بحرية شمالي قطر، وفي 15‏ أغسطس 2019 تحدث موقع هيئة الإذاعة البريطانية عن ترسخ جديد للوجود العثماني، وعن اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية برية ثانية في قطر.

ويستطرد الكاتب في تحليله، أن القبضة التركية على الإمارة تترسخ، وأكدها أردوغان في 25 نوفمبر 2019 بقوله: “أنجزنا القاعدة التركية الجديدة في الدوحة وسنسميها خالد بن الوليد”. منح نفسه سلطة عابرة للحدود والقوميات، موجها ما سماه قيادة القوات المشتركة التركية القطرية بأن يكون “هدفها الاستقرار والسلام بمنطقة الخليج برمته وليس قطر فحسب”، متحدثا عن “روابط متجذرة للدولة العثمانية مع منطقة الخليج”.

الشرطة القطرية، أيضا، توصيف يستحيل تحققه عمليا، كانت الدوحة تستعين بعناصر مسلمة من وسط آسيا، لكنها عدلت وجهتها مسلمة لأنقرة عنصر قوة ثان، بتوقيع اتفاقية أمنية شاملة نهاية 2019 بحجة تأمين مونديال 2022 مع إمكانية مدها لخمس سنوات إضافية بعد انتهاء فعالياته. وأرجع محللون استقالة رئيس الوزراء القطري السابق عبدالله بن ناصر، أول فبراير الماضي، إلى رفضه لها لأنها تمنح تركيا عنصر القوة الثاني، بعد الجيش، في الدوحة.

حامية تركية

تسريبات الوضعية القانونية للقواعد، لا القاعدة، التركية بقطر، تماثل غيرها بين الدول الحامية والمحمية، فعناصر الدوحة العسكرية والأمنية، إن وجدت، لن تدخل منشآتها إلا بموافقة عثمانية مكتوبة. ومنحت حصانة للقوات التركية ولمبانيها ومعداتها، وأنقرة هي من تحدد مهامها. كما أن “الموافقة المكتوبة” من تركيا واجبة، حال رغبت قطر في إدخال أو استخدام أو الاستعانة بطرف ثالث داخل مناطق الجيش التركي، مزايا “كوبي بيست” من التي تتمتع بها القوات الأمريكية المنتصرة، مثلا، في اليابان المهزومة، مع فوارق التشبيه بين الأطراف هنا وهناك.

تتحمل اليابان، كدولة مهزومة، تكلفة القواعد الأمريكية فيها، وكذا قطر للقواعد العثمانية، كـ”محمية”، لكن الدوحة تتحمل أيضا تكلفة قواعد تركية في تركيا. وقد شدد أردوغان في 15‏ يناير من العام الماضي، خلال وضع حجر أساس قاعدة “BMC” للإنتاج والتكنولوجيا العسكرية، التي مولتها الدوحة، على أن “المشاريع المشتركة مع قطر في المجال العسكري والأمني والصناعات الدفاعية تشكل العمود الفقري للعلاقات الثنائية”.

وتباهى أردوغان بعائد المشروع الجديد على بلده (القيمة الاستثمارية للقاعدة الجديدة 500 مليون دولار) وقال إنها “تسهم في تطوير الصناعات الدفاعية… وتوفر فرص عمل لعشرة آلاف شخص، مع دخولها الإنتاج الكامل عام 2023”.

حديث التكاليف يستدعي السياق الاقتصادي، كمؤشر، فشركات أنقرة لها حصة في إنشاءات الدوحة المحلية تتجاوز 17 مليار دولار، وهي مرشحة للتزايد مع قرب مونديال 2022. أما استثمارات قطر في تركيا فتتجاوز 22 مليار دولار تتركز في المجال المصرفي، على عهدة الشرق القطرية في 19 ديسمبر الماضي، ونصفها وديعة دون فوائد في البنك المركزي التركي لدعم عملته المحلية التي لا يتوقف انهيارها.

ويتوازى مع التواجد/ الاحتلال على الأرض والنزيف الاقتصادي، سلوك سياسي لدويلة مذهبها الرسمي الوهابية، مدعوم بخطاب إعلامي يلعب بالدين، كما فعل العثمانيون قديما وحديثا. سلوك وخطاب حول الدوحة إلى ممولة وراعية لقوس قزح الإسلاميين، والحصاد يصب في مركزية إسلامية متوهمة لأنقرة.

رضي الأمير السابق للدوحة بدور الممهد لتقدم ما اعتبره “مركزه”، وكذا الشيخ تميم، والإمارة، عدا محيط القاعدة الأمريكية، بين أصابع العثماني الجديد. ماذا لو رأى أردوغان أن وكيله في قطر لا يحسن مهمته أو أنها تحتاج لدم جديد؟ الإجابة: الانقلاب، هذا ما يقوله التاريخ العثماني قديما وحديثا.

فعلها جدودهم مع الشعوب التي آوتهم في الأناضول فارين من وحشية متبادلة مع أبناء عمومة لهم في غرب وسط آسيا، ثم مع بعضهم البعض وفق قانون “العرش الدموي”. كما فعلوها مع الجزائر التي دخلوها بزعم حمايتها، كما قطر، ومع تونس التي آوتهم. وكررها أردوغان مع رافعيه للحكم، ومع القذافي.

نفسية الانقلاب، كما هي أساسية في ثقافة الحامي، هي كذلك لدى المحمي، فمشهد انقلاب الحاكم الفعلي لقطر، حمد بن ثاني، على أبيه موثق بالصوت والصورة ويسهل تكراره، وأصحاب الثارات كثر في الأسرة الحاكمة، سواء داخل الفرع المسيطر أو مع أبناء عمومتهم الذين استبعدوا من دورية الحكم. فقط يختار أردوغان أحدهم، وينصبه عبر سيناريو يصور ويبث المشهد كما فعل حمد مع جد الأمير الحالي.

ماذا عن الأطراف الأخرى؟ العرب، خاصة الخليج، مبعدون، وسيعتبرون ما يحدث “فخار يكسر بعضه”. والإخوان، اللاجئون للدوحة، سينحازون لخليفتهم المنتظر، وربما يفتي يوسف القرضاوي بجواز عزل من رعوه، كما أفتى لهم بعزل من آواه بداية. الأمريكان لا تهمهم سوى مصالحهم، وهي مضمونة دائما أيا كان من يحتل قصر الحكم، وشبكة “الحمدين” لن تكون أغلى من الشاه ولا من حسني مبارك ولا أكراد سوريا.

لن يمنع أحد العثمانلي الجديد إذا قرر فعلها، فقط إذا لم “يُقلب” هو نفسه في أنقرة. فالتقارير تتوالى عن مؤشرات انقلاب يراود الجيش التركي، وأردوغان حذر منها صراحة، آخرها ما رصده تقرير لمؤسسة “راند” البحثية، التابعة للجيش الأمريكي، يناير الماضي، ونشره موقع ميدل إيست آي البريطاني في 18 فبراير 2020.



اضف تعليق