رائد مدرسة مقام الحجاز.. الشيخ السعيد عبد الصمد الزناتي "شجرة أصلها ثابت"


٠٨ مارس ٢٠٢٠ - ٠٧:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش


كتب - محمد عاشور

30 عامًا مرت على رحيل الشيخ السعيد عبد الصمد الزناتي، غير أن عالم "السمّيعة" ومحبي الإنصات إلى آيات الذكر الحكيم يروون كثيرًا أنهم حينما يستمعون للشيخ الزناتي وهو يجوّد القرآن الكريم يقولون إنهم وكأنهم يسمعون الآيات المتلوة لأول مرة في حياتهم، ولم لا فهم يتحدثون عن رائد مقام الحجاز، وهو مقام موسيقي كان يجيده الشيخ الراحل رغم صعوبته.

النشأة والمولد

في قرية "القيطون" بمركز ميت غمر محافظة الدقهلية المصرية، وُلِد الشيخ السعيد عبد الصمد الزناتي، كان ذلك في شهر أبريل عام 1927م، نشأ في بيت بسيط متواضع وأسرة يحفظ عائلُها القرآن الكريم وهو الشيخ عبد الصمد الزناتي، فنشأ الطفل على ما عوّده أبوه.

 نذر الأب ابنه "السعيد" للقرآن الكريم، ودعا الله تعالى أن يحفظه بعد أن بدت عليه علامات الموهبة الأولى شيئًا فشيئًا، وفي سن الرابعة، كان وليد عائلة الزناتي يجلس بجوار والده الشيخ عبد الصمد وهو يتلو القرآن، وتأمل الذكر الحكيم على لسان أبيه الذي رأى ابنه كالبذرة التي تريد الري من معين كتاب الله تعالى، وهنا اطمأن الوالد على والده؛ وسعد سعادة بالغة، نظرًا لشغف الصغير لسماع آيات الله تعالى.

وبدأت رحلة العطاء بداية من تعليم الشيخ لابنه قصار السور، لوضع حجر الأساس السليم، فضلًا عن اختبار الطفل "السعيد" ومعرفة مدى موهبته، وتفاعل الولد مع والده حتى بدت علامات النبوغ على الطفل بقدر لم يتوقعه الأب، وهنا بدأت الرحلة العظيمة عبر (التجويد المبكر) من خلال التدريب على النطق الصحيح للآيات ومعرفة مخارج الحروف والألفاظ.

بارع بين أقرانه

وحين بلغ "السعيد" سن العاشرة من عمره أرسله والده لكتّاب القرية، حيث تلقاه أحد شيوخها الكبار من حفظة ومحفّظي القرآن الكريم، وهو الشيخ "إبراهيم موسى"، الذي اعتنى واهتم به لما وجد بين يديه موهوبًا نابغًا صغيرًا، حيث كان سريع الحفظ الجيد، ما جعل شيخ الكتّاب يعطيه مساحة زائدة من الوقت ليعلّمه أحكام التجويد، وكان شيخه هذا يضرب به المثل بين أقرانه، مشيدًا بحفظه المتقن ليحفّزهم، وقد أتم "السعيد" حفظ القرآن الكريم كاملًا قبل الثانية عشرة من عمره، بل وراجعه كثيرًا وتعلّم أحكامه قبل أن بلوغه الثالثة عشرة.

واستمرت الرحلة حتى وصلت إلى محافظة الشرقية، حيث علم الأب تألق وتعملق الابن، واقترح على شيخ الكتاب أن يأخذ الفتى الموهوب لأحد أبرز الشيوخ في ذلك الوقت، ألا وهو الشيخ "إبراهيم بكر" القاطن بقرية كفر أيوب مركز بلبيس بمحافظة الشرقية، والتي تبعد عن مسقط رأس الشيخ السعيد بنحو 50 كيلو مترًا، وظل هكذا لمدة عامين زائرًا للشيخ "بكر" في محافظة الشرقية، حتى انتهى من دراسة علوم القرآن وقراءاته.

مقارعة عمالقة القراء

وبعد مولده في محافظة الدقهلية وإتمام حفظ القرآن ودراسته في محافظة الشرقية، انتقل الشيخ السعيد عبد الصمد الزناتي للإقامة بمدينة كفر شكر في محافظة القليوبية، وهنا انهالت عليه الدعوات من المحافظات الثلاث لإحياء المناسبات الدينية الموسمية وسهرات القرآن الكريم، ونظرا لعذوبة صوته وإتقانه للأحكام والمقامات الموسيقية، كان يدعى الشيخ السعيد في حفلات تضم أفذاذ الإذاعة المصرية، وذلك في الفترة من 1953 حتى التحاقه بالإذاعة عام 1960، وشهدت تلك السنوات السبع التي سبقت التحاقه بالإذاعة نبوغه حتى بات أحد أعلام قراء القرآن الكريم أوصلته إلى شهرة ومكانه مرموقة بين هؤلاء العمال العظام، كمعجزة السماء الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ البكّاء محمود على البنا، ورائد التلاوة المصرية الشيخ محمود خليل الحصري.

تفرد وإعجاز

اختط الشيخ السعيد لنفسه خطًّا منفردًا، حتى أصبح رائد مدرسة مميزة فريدة لها عبيرها الخاص بها في القراءة التي تصل من القلب إلى القلب، وتخرّج من تلك المدرسة "السعيدية" شيوخ كبار وصلوا إلى شهـرة لم تتحقق للشيخ الزناتي نفسه، واستطاع هؤلاء أن يكونوا روادًّا لمدارس عُرفت بأسمائهم، على سبيل المثال الشيخ محمد أحمد شبيب، الذي ظهر بعد الشيخ الزناتي بنحو خمس سنوات وأتبعه قارئ واعد هو الشيخ محمد الليثي.

هذا، وقد ترك الشيخ الزناتي سجلًا حافلًا من التسجيلات النادرة، حتى وافته المنية في الثامن من مارس عام 1990، بعد رحلة عامرة بكتاب الله تعالى..



اضف تعليق