الاحتياطي غير كافٍ.. لبنان ينشد صبر الدائنين


٠٨ مارس ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

"إن احتياطياتنا من العملات الصعبة قد بلغ مستوى حرجًا وخطيرًا مما يدفع الجمهورية اللبنانية لتعليق سداد استحقاق 9 آذار/ مارس من سندات اليورو بوندز"، هكذا علق رئيس الوزراء حسان دياب قبل يوم من الموعد المحدد لسداد أول استحقاق في 2020.

تعليق سداد ديون بقيمة 1.2 مليار دولار، هو أول حالة تخلف عن سداد الديون السيادية في تاريخ لبنان.

أمر قد يزيد موقف لبنان المالي تأزمًا ويدفع المقرضين لإجراء قانوني ربما يتسبب في انهيار اقتصاد لبنان؛ فديون البلاد وصلت إلى 90 مليار دولار بما يشكل نحو 170% من الناتج المحلي الإجمالي.

التخلف عن السداد في سابقة تاريخية

دين فاق قدرة لبنان على تحمله وسداد فوائده بما يجعل مصير سندات مستحقة بقيمة 4.6 مليار دولار خلال العام المالي الحالي غير معلوم، خاصة وأن احتياطي النقد الأجنبي اللبناني وصل إلى مرحلة حرجة، وشكل ضغطًا على الليرة التي فقدت 60% من قيمتها في السوق السوداء.

قرار تعليق الدفع، اليوم، وصفه رئيس الحكومة حسان دياب، بالسبيل الوحيد، لوقف الاستنزاف وحماية المصلحة العامة، بالتزامن مع إطلاق برنامج شامل للإصلاحات اللازمة.

ويعد سند اليورو بوندز، هو سند خزينة تشتريه الدولة بالعملة الأجنبية، أي بالدولار في الحالة اللبنانية. والدائنون هم جهات خارجية وداخلية.

وتشير الأرقام والتقديرات اليوم إلى أن مصرف لبنان بحوزته 29.55 مليار دولار كاحتياطي عملات صعبة، بافتراض أن هذا المبلغ موجود كموجودات سائلة أو قابلة للتسييل عند الحاجة. لكنّ البحث الإضافي يبيّن أنّ المسألة ليست بهذه البساطة، وثمّة أمور لا يتم الإشارة إليها بشفافيّة عند التعاطي مع الرأي العام.

فمصرف لبنان يعمد منذ 2017 إلى تضمين الاحتياطي الذي يشير إليه في الميزانيّات مبالغ تمثّل قيمة سندات اليورو بوند الموجودة بحوزته.

بمعنى آخر، يشمل الاحتياطي هذا أموالًا مترتبة على الدولة اللبنانية لصالح مصرف لبنان بالدولار الأمريكي.

المشكلة هنا تحديدًا تكمن في أن هذه السندات لا تمثّل أموالًا سائلة، ولا تمثّل موجودات قابلة للتسييل عند الحاجة، وحتّى لو أراد مصرف لبنان بيعها اليوم، فسيكون ذلك متعذّرًا، إلا إذا قام ببيعها لأطراف أجنبيّة بأثمان بخسة جدًّا، تحمّله خسائر غير منطقيّة.

شح السيولة

وكانت المصارف اللبنانية التي تحوز على حصة كبيرة من الدين العام، بينها ما يناهز نصف سندات اليورو بوند المقدّرة بنحو 30 مليار دولار، دعت الدولة إلى تجنب التخلّف عن السداد الذي سيؤدي إلى تعميق نقص السيولة بالعملة الأمريكية.

ووسط الخشية من فقدان احتياطاتها من العملة الأجنبية، فرضت المصارف في وقت سابق قيودًا شديدة على عمليات التعامل بالدولار لتصل في بعض الأحيان إلى فرض سقف سحب مئة دولار فقط أسبوعيًّا، كما منعت التحويلات المالية إلى الخارج.

40% تحت خط الفقر

كما ارتفعت أسعار المواد الأساسية وضغطت على اللبنانيين الذين سيصبح أكثر من 40% منهم تحت خط الفقر وفقًا للبنك الدولي.

هو الحجز على أصول لبنان، حال تخلفه عن السداد، والتي يمكن أن تصل إلى منع وصول سفن تحمل المواد الغذائية أو غيرها، وحال تم منع وصول السفن إلى لبنان، فقد يعاني اللبنانيون نقصًا حادًّا في المواد الغذائية.

وضربت أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، لبنان، وصلت ذروتها العام الماضي، مع تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال واندلاع الاحتجاجات الشعبية، التي طالبت بإسقاط النخب السياسية والحاكمة المتهمة بإدخال البلاد في أزمته الحالية.

تسييل الذهب أحد الحلول

وبعد أن كان مجرد الحديث عن بيع كمية من الذهب لسداد جزء من الدين العام من "المحظورات" قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم يطرحه بعض الاقتصاديين والمعنيين بالشأن المالي. على سبيل المثال، يعتقد رئيس مركز "الدولية للمعلومات" جواد عدرا أنه "حان الوقت للتفكير باستخدام الذهب لإعادة هيكلة الاقتصاد وحماية الناس وحفظ سيادتنا، شرط ألّا نبدده لتسديد الدين ولا لتمويل الهدر وأن يكون ضمن خطة شاملة"، متسائلًا: "لماذا لا نبدأ بالذهب في نيويورك وقد يكون ثلث الكمية؟"، وذلك في إشارة إلى كمية الذهب التي يحتفظ بها لبنان في الولايات المتحدة كجزء من احتياطيه.

وللمفارقة، فإن لبنان الذي يتصدر قائمة الدول المدينة في العالم نسبة لناتجه المحلي الإجمالي بعد اليابان، بحسب "معهد التمويل الدولي"، هو من بين الدول العشرين الأولى في العالم الأكثر استحواذًا على الذهب، كونه يملك نحو 286.6 طن من الذهب بقيمة 16 مليار دولار، فيما ارتفعت ميزانية مصرف لبنان من احتياطيات الذهب إلى 15.01 مليار دولار بنهاية فبراير 2020.

ويخشى عدد من الاقتصاديين والمعنيين بالشأن المالي من الحجز على احتياطي الذهب الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية في حال رفع عدد من الدائنين دعاوى على الدولة اللبنانية إذا تلكأت عن سداد ديونها لحاملي سندات اليورو بوند.

تسريع الإصلاحات أو الذهاب لصندوق النقد

ويبحث لبنان وفقًا لحكومته الجديدة عن أفضل الحلول لإعادة هيكلة ديونه وتطبيق البرنامج الإصلاحي بشكل كامل، حيث قال رئيس الوزراء حسان دياب: إن حكومته ستسعى جاهدة إلى إعادة هيكلة ديون لبنان بما يتناسب مع المصلحة الوطنية عبر خوض مفاوضات منصفة وحسنة النية مع الدائنين كافة.

فهل ينجح في ذلك أم يتجه لصندوق النقد الدولي طلبًا للخروج من أزمته بعد تقطع السبل به، ومن ثم وضع خطط بالتعاون مع الصندوق للنهوض باقتصاد ومالية الدولة من جديد؟!



اضف تعليق