"نريد البقاء أحياء".. عندما أمطرت السماء "قنابل حارقة" على الغوطة


٠٩ مارس ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

"هنا لا حاجة لمؤثرات صوتية أو خدع سينمائية، فعندما يتجاوز الواقع أكثر الأفلام رعبًا فأنت في سوريا".. "الكهف" فيلم وثائقي سوري يتناول معاناة السوريين وأهوال الحرب والحصار في الغوطة الشرقية من خلال تصوير الحياة اليومية للطبيبة "أماني بلور"، والتي عملت فور تخرجها في مشفى "الكهف" الميداني السري تحت الأرض.

سلطت الأضواء على الفيلم عقب ترشيحه لجائزة الأوسكار، ورغم عدم حصوله على الجائزة، لكن الترشيح حقق الهدف من إنتاج الفيلم وهو تعريف العالم بالواقع الذي يعيشه السوريون منذ بدء الحرب.

تقول صحيفة "الجارديان" البريطانية، إنه يوجد الكثير من القصص المروعة التي يمكن لأماني بلور أن ترويها من ستة أعوام أمضتها في الإشراف على مشفى سري تحت الأرض أثناء القصف والحصار، ولكن الأطفال هم أكثر ما يبقى في ذاكرة الطبيبة الشابة.

"كان هناك صبي يبلغ من العمر تسع سنوات تقريبًا، يعاني من إصابات بالغة وأحضره والداه للمشفى، كانت أجزاء من جمجمته مفقودة تماما وكان ينزف من أذنيه"، بحسب أماني.

وتضيف "كان من الواضح أننا لا يمكننا أن نقدم له شيئا، ولكن قلبه واصل الخفقان واستمر في التنفس على مدى ساعات، كان عذابا لوالديه ولنا لأننا كنا نعلم أنه لن يبقى طويلا على قيد الحياة، في النهاية أرادوا مني أن أعطيه شيئا يساعده على الرحيل، وفي هذه اللحظة انهرت تماما ولم يمكنني أن أساعده أو أن أواسيهما".

وشهدت الطبيبة الشابة أماني بلور 33 عامًا، الكثير من القصص المروعة التي قالت إنها ما زالت مستمرة في سوريا حتى الآن، وتقول: "أرجو من الناس في أوروبا أن يتذكروا أن اللاجئين بشر، من حقهم أن يشعروا بالأمان وأن يعيشوا، لم يرد هؤلاء أن يغادروا سوريا، أنا لم أكن أرغب في الرحيل، نحن فقط نريد أن نبقى أحياء، فعندما يمكنني ذلك، سأعود إلى بلادي".


جريمة حرب

منذ عام 2011، لقي 500.000 سوري مصرعهم في الحرب الأهلية، وتم تشريد أكثر من خمسة ملايين، وبلور هي واحدة منهم، وتعيش الآن في تركيا، لكنها ما زالت تعاني مما رأته أثناء عملها في الغوطة الشرقية، والتي حوصرت لمدة خمس سنوات وقصفت بالقنابل والصواريخ والأسلحة الكيماوية، وصنفت الأمم المتحدة الحصار -أطول حصار مستمر في التاريخ الحديث- كجريمة حرب.

في الأشهر الأخيرة، هاجمت الطائرات الحربية الروسية، المتحالفة مع  قوات نظام الأسد، منطقة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، وقصفت المدنيين والمستشفيات والمدارس في انتهاك واضح للقانون الدولي.

في الأسبوع الماضي، بعد اشتباكات بين القوات التركية والقوات السورية المدعومة من روسيا، والتي أسفرت عن مقتل 200 جندي وعشرات المدنيين من بينهم أطفال بين قتلى وجرحى، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين أنقرة وموسكو، ويقول المراقبون إنه من غير المرجح أن يستمر هذا الاتفاق.

وفي جولة أوروبية، إثر النجاح الكبير الذي شهده فيلم "الكهف"، تلتقي "بلور" الكثير من المسؤولين الأوروبيين، للمناشدتهم بالضغط على روسيا، وللمطالبة بالمزيد من المساعدات الإنسانية للمدنيين في سوريا وللآلاف الفارين من الحرب.

يشعر والدا بلور وهما في سوريا بالخوف عليها بسبب تحدي ابنتهما البارز للنظام، لكنهم اعتادوا عليها فهي دائما ما تتحدى التقاليد، فعندما كانت في الثالثة عشر من العمر رفضت الزواج، وكان طموحها هو دراسة الهندسة، لكن والديها رفضا مصرين على أنها ليست وظيفة للمرأة، واتفقوا على أنها تستطيع دراسة الطب في جامعة دمشق.

تحكي بلور "كان من المتوقع أن أتزوج وأنجب أطفالا، كان والدي يخبرنا أن الفتيات هن ما يستطيعن أن ينجحن في الطبخ، لكنني كنت في أعلى الصف في المدرسة وأردت أن أفعل شيئًا، كان حلمي هو التخرج والحصول على عيادة ومساعدة الأطفال".

بحلول عام 2012 -بعد عام من بدء الحرب الأهلية- أكملت بلور دراساتها كطبيبة وتخصصت في طب الأطفال وعملت في مشفى الغوطة الشرقية، عندما تكثفت الغارات الجوية وقصفت المباني، اضطر المشفى للعمل تحت الأرض.

بعد أربع سنوات، عندما كانت في التاسعة والعشرين من عمرها، صوت الموظفون لتعيينها كمدير للمشفى، وأصبحت المسؤولة عن 100 موظف، بمن فيهم جراح واحد وعدد من الأطباء معظمهم من الطلاب.



يأس

في عام 2018 تحت القصف اليومي، شعرت الطبيبة الشابة باليأس من تزايد الهجمات، كما أمرت قوات النظام بإخلاء المشفى والطاقم الطبي الذي أنقذ الآلاف من الأرواح.

يعرض الكهف، وهو من أعمال المخرج السوري فراس فياض على مدى عامين -مخرج الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار آخر الرجال في حلب- الرعب الكامل للحرب حيث يظهر وصول الجرحى من البالغين والأطفال والرضع غارقين في دمائهم  جراء الغارات الجوية والمصابون بالاختناق جراء الهجوم بالأسلحة الكيميائية.

وواجهت الطبيبة الشابة، الكثير من الانتقادات كونها أنثى تدير المشفى، حتى في الحالات الطارئة، حيث يقول البعض بأن إدارة المشفى ليست مهمة امرأة.

وتأمل الطبيبة "أماني بلور"، من أن تصبح قدوة للفتيات السوريات، وأنشأت صندوقًا لتحدي التحيز ضد المرأة في مناطق النزاع، قائلة: "لن أنسى أبدا ما رأيته، وأتذكر كل طفل، أنا هنا لأكون صوتهم، وللحديث عن معاناتهم وحياتهم، لأخبر الجميع بأن السوريون يقتلون كل يوم، هذا هو السبب في أنني هنا".


اضف تعليق