من مصر القديمة إلى اليوم.. كيف تطورت حقوق المرأة العاملة


١٠ مارس ٢٠٢٠ - ٠٨:٤٠ ص بتوقيت جرينيتش


أماني ربيع

منذ القدم كان للمرأة في المجتمع المصري دور هام باعتبارها شريكًا مكافئًا للرجل في الحياة الدينية والدنيوية ولديها مساواة كاملة معه في الحقوق والواجبات.

الفراعنة.. تقديس وإجلال



اتسمت مكانة المرأة في مصر القديمة بالتقديس، فكانت الآلهة من النساء تقف جنبا إلى جنب مع الآلهة الذكور، مثل إيزيس التي كانت رمزا للوفاء والإخلاص، وماعت إلهة العدل، وحتحور إلهة الحب، وسخمت إلهة القوة، بل ونالت وظيفة دينية ككاهنة في معبد آمون.

وحتى سلك القضاء لم يكن بعيدًا عن المرأة حيث تولت "نِبت" أم زوجة الملك تيتي الأول القضاء، وفي مجال الطب كانت "بسشيت" كبيرة الطبيبات في الأسرة الرابعة، ليس هذا فحسب بل تولت المرأة المصرية حكم البلاد مثل حُتب أم الملك خوفو، و"نفرتاري" زوجة إخناتون، و"حتشبسوت"، وتاوسرت من الأسرة التاسعة عشر.

ولعبت الزوجات الملكيات أدواراً دبلوماسية وسياسية مهمة مثل: "تيا" زوجة أمنحتب الثالث، و"نفرتيتي"، زوجة أمنحتب الرابع أو إخناتون، و"نفرتاري" زوجة رمسيس الثاني.

وحملت المرأة ألقابًا جليلة في مصر القديمة مثل طاهرة اليدين، العظيمة في القصر، سيدة الحب، سيدة الجمال، عظيمة البهجة، ويقول المؤرخ هيرودوت عن المرأة في هذه الفترة: "كانت المرأة تذهب للسوق وتمارس التجارة بحرية، عكس ما درج عليه البشر".

ونرى في الرسوم على جدران المعابد رسومات تصور دور المرأة في أعمال التجارة والزراعة، وصناعة الزيوت العطرية، والمجوهرات والغزل وبيع المنتجات، وكلها أعمال شاركت فيها الرجل إلى جانب صنع الطعام وأعمال المنزل.

القرن 19.. رياح التغيير تهب



تقول جوديث تاكر في كتابها "نساء مصر في القرن التاسع عشر"، إن المجتمع المصري في تلك الفترة كان زراعيًا بالأساس، لذا كانت المرأة وبخاصة في الريف جزء أساسيا من حركة الحياة باعتبارها محرك الأسرة في البيت والحقل، وكانت امرأة منتجة في نطاق ما تقدمه الأرض الصغيرة التي كانت تتملكها الأسر.

وفي المدينة، مارست المرأة التجارة والبيع، وكان شائعا أن ترى النساء ضمن الباعة الجائلين يبعن الفواكه والخضروات، كذلك نالت مهنة "الدلالة" شيوعا بين نساء تلك الفترة.

لكن المرأة عموما بشكل عام في تلك الفترة كانت مقيدة من حيث الحركة والمظهر، وباتت حبيسة للحرملك تشاهد الشارع من وراء المشربيات، وكانت أعمال البيع والتجارة، حكرا على الطبقات الأدنى الفقيرة التي تعمل لتعول نفسها وأسرتها.



ورغم ذلك ظلت آراء الأغلبية تنادي بتحريم خروج المرأة، ودرج العرف على أن المرأة السافرة هي امرأة ذات سلوك سيء غير مقبول اجتماعيا، كانت نساء الطبقة المتوسطة والعليا عادة حبيسات المنازل لا يتلقين التعليم، ويعشن فريسة للجهل والتقاليد، لكن صنع الاحتكاك بالغرب سواء مع الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، ثم حركة البعثات إلى أوروبا في عهد محمد علي نوعا من التغيير في المجتمع المصري الذي بات أكثر انفتاحا بوجود عدد من المستنيرين مثل رفاعة الطهطاوي الذي قارن في كتابه " ﺗﺨﻠﻴﺺ ﺍﻹﺑﺮﻳﺰ ﻓﻲ ﺗﻠﺨﻴﺺ ﺑﺎﺭﻳﺰ " بين أوضاع المرأة في فرنسا ومصر، ﻭﺩﻋﺎ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻴﻦ ﺇﻟﻰ تطبيق أفكار الثورة الفرنسية "الإخاء والحرية والمساواة"، ويعتبر أول من طبقها على المرأة ومارسها في وثيقة زواجه.

ﻭﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ "ﺍﻟﻤﺮﺷﺪ ﺍﻷﻣﻴﻦ ﻟﻠﺒﻨﺎﺕ ﻭﺍﻟﺒﻨﻴﻦ" عام 1872 ، دعا الطهطاوي إلى مساواة المرأة بالرجل ولفت إلى ما سيعود به تعليمها على الأسرة والمجتمع.

ومن خلال سلسلة مقالات باسم "مدرسة البنات"، تحدث عبد الله النديم عن أهمية تعليم المرأة، وكيف أن جهل المرأة سببا في تدهور المجتمع.
أما عائشة التيمورية فناقشت في كتابها "مرأة التأمل في الأمور"، ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ, ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ, ﻭﻗﺪﻣﺖ تفسيرا جديدا لمعنى قوامة الرجل على المرأة.

وبين نساء الطبقة الراقية انتشرت الصالونات الأدبية وكان من رائداتها الأميرة نازلي فاضل التي افتتحت أول صالوان عام 1880، واستقطب صالونها الفكرية كبار المفكرين المصريين والسياسيين في ذلك الوقت، مثل الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وسعد زغلول، وقاسم أمين. وكان صالونها منبرا ثقافيا وجبهة فكرية لمواجهة افتراءات المستشرقين الذين صوروا مصر في كتبهم باعتبارها مجتمعا جاهلا ومتخلفا، وبعد نشر كتاب "سر تأخر المصريين" للقاضي الفرنسي داركور، شجعت قاسم أمين على الرد بأسلوب عصري حضاري قائم على الحجج والمنطق الذي يتشدق به الغرب، لينشر على نفقتها الخاصة كتابه "المصريون" عام 1894.
 
 وكان للصحف النسائية التي بدأت أولى إصداراتها عام 1892، أيضا دورا حيث ناقشت عبر صفحاتها قضايا المرأة المختلفة وتحدثت عن حقوق المرأة.

وكان عام 1899، عاما فاصلا في حياة المرأة المصرية وحركة تحررها، فهو عام صدور كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين وهو الكتاب الذي أثار جدلا كبيرا، وكان يرى أن الجهل لا يصون المرأة، وإنما تربية العقل والأخلاق".

1900.. بداية عصر الرائدات



كانت نبوية موسى أول فتاة مصرية تحصل على البكالوريا عام 1907، وأصبحت عام 1909 أول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية، وخاضت معركة للمساواة في الرواتب بين المرأة والرجل، فكانت هي حاصلة على البكالوريا تنال نصف راتب المدرس الحاصل على شهادة مدرسة المعلمين العليا، لكن الحكومة أقامت لجنة خاصة لامتحانها ونجحت بالفعل، وساهمت أيضا في توحيد المناهج للبنات والبنين، باعتبار أن عقولهم واحدة وليسوا بحاجة للتميز بينهم دراسيا.

وبرز اسم جميلة حافظ كأول امرأة مصرية تؤسس مجلة نسائية، فأصدرت مجلة "الريحانة" عام 1907.

لم تكتف المرأة بدورها المجتمعي فحسب، بل شاركت في الحركة الوطنية، وعبرت عن غضبها من الاستعمار يوم 16 مارس عام 1919، عندما تظاهرت أكثر من 300 سيدة بقيادة هدى شعراوي للتنديد بالاحتلال البريطاني، وأفرزت هذه المظاهرات عن جيل مثقف وواعي من النساء، فرأينا هيلانة سيداروس التي استكملت دراستها في لندن لتصبح أول طبيبة في مصر والعالم العربي، وإستر فانوس المناضلة التي كتبت رسالة إلى رئيس الولايات المتحدة منددة بنفي سعد زغلول وزملاؤه.

أخذ دور المرأة بالعمل السياسي طابعا مؤسسيا عام 1920، بعد تأليف لجنة الوفد المركزية للسيدات، للمطالبة باستقلال مصر استقلالا تاما، وتم تأسيس الاتحاد المصري النسائي عام 1923 على يد هدى شعرواي بهدف تنمية المستوى الأدبي والاجتماعي للنساء، ودعت من خلاله إلى فتح باب التعليم العالي للفتيات ومنح المرأة حق الانتخاب، وسن قانون يمنع تعدد الزوجات، وإلغاء قانون بيت الطاعة.

وعلى يد هدى شعراوي أنشئت أو مدرسة ثانوية للبنات، وأصدرت مجلة "المصرية" عام 1925 باللغة العربية اولفرنسية، للتعريف بأحوال المرأة المصرية.

وبدأت المرأة المصرية في التقاط كل ما أمطر عليها من فرص، فاستطاعت منيرة ثايت الحصول على ليسانس الحقوق، وسجلت في جدول المحامين كأول محامية مصرية وعربية، ولم تكتف بذلك بل وكتبت في الصحف منددة بغياب حقوق المرأة السياسية عن مواد الدستور.




وفي عام 1942، تم تأسيس أول حزب سياسي للمرأة وهو الحزب"النسائي المصري"، وتأسس "اتحاد بنات النيل" بالقاهرة عام 1949 على يد درية شفيق، التي قادت مظاهرة من 1500 مراة اقتحمن مقر مجلس النواب المصري، لأجل النظر بجدية في قضايا المرأة وبخاصة تعديل قانون الانتخاب، ومنح المرأة حق التصويت، والمشاركة بعضوية المجالس المحلية والنيابية.

حصاد كفاح الرائدات

لم تذهب تلك المحاولات التي بذلتها المرأةالمصرية في النصف الأول من القرن العشرين هباء، إذ جنت ثمارها في فترات لاحقة، وشهدت الألفية الثالثة حصادا مزهرا لكفاح الرائدات، فحققت النساء عددا من المكاسب الكبيرة في مسيرة النضال لإرساء حقوق المرأة.

وفي عام 2003، كانت المستشارة تهاني الجبالي أول قاضية في مصر تم تعيينها كعضو في هيئة المحكمة الدستورية العليا، وهي أعلى درجات السلم القضائي.

وفي أبريل 2007، صدر قرار جمهوري بأن تؤدي 30 قاضية اليمين القانونية أمام مجلس القضاء العالي برئاسة رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء العالي، وجميع المتقدمات كن من عضوات هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة.

وفي أكتوبر 2007، تم تعيين السيدة فاطمة مصطفى مدني رئيساً للوحدة المحلية بإحدى قرى مركز إسنا لتصبح بذلك أول سيدة تشغل منصب رئيس قرية بمحافظات جنوب الصعيد.

وفي عام 2008، تم تعيين 103 من خريجات الحقوق في منصب معاون نيابة إدارية، وفي نفس العام أيضا تم تعيين أول مأذونة في مصر والعالم الإسلامي وهي أمل إسلام عفيفي.

وفي نفس العام 2008، شغلت أربعة سيدات من محافظات مختلفة لأول مرة منصب سكرتير عام مساعد للمحافظ ورئيس مدينة، هن المحاسبة سامية محرز علي في منصب سكرتير عام مساعد محافظة البحر الأحمر، والسيدة هناء محمود عبد العزيز في منصب سكرتير عام مساعد لمحافظة 6 أكتوبر، أحلام أحمد السيد سكرتيرا عاما مساعدالمحافظة الإسماعيلية، والسيدة نجوى العشيري رئيساً لمجلس مدينة القناطر الخيرية كأول امرأة تشغل منصب رئيس مدينة في مصر. 

وبحلول نوفمبر 2008، تم تعيين السيدة  إيفا هابيل كيرلس، عمدة في قرية كمبوها بحري التابعة لمحافظة أسيوط لتصبح بذلك أول امرأة مصرية تشغل منصب العمدة، كما تعيين الدكتورة هبة نصار نائبا لرئيس جامعة القاهرة في سابقة هي الأولى. 

وشهد عام 2009 تعيين أول رئيسة لجامعة مصرية حكومية "جامعة الإسكندرية" وهى السيدة هند حنفي .

وفي أغسطس 2009، أعلن مجلس الدولة موافقته على السماح للمرأة بالتقدم لشغل المناصب القضائية فيه، وذلك لأول مرة منذ إنشاء المجلس عام 1947.

دستور 2014.. علامة فارقة

لم تشهد مصر قانونا للعمل بالشكل المتعارف عليه حتى بداية القرن العشرين، فكانت هناك لائحة تشغيل الأحداث وتحديد ساعات العمل عام 1909، ورغم عدم وجود قانون للنقابات العمالية في الثلاثينيات والأربعينيات، لكن ومع كفاح العمال من أجل تحسين حقوقهم خرجت عدة تشريعات هامة، تمثلت في القانون رقم 85 لسنة 1942 الذي يقضي تنظيم النقابات العمالية وقانون التأمين الإجباري عن حوادث العمل، ثم صدر قانون العمل الفردي رقم 41 لسنة 1944.

وبعد ثورة يوليو 1952 صدر قانون العمل الموحد رقم 91 لسنة 1959، وفي عام 1966 صدر ‏العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية، والذي أكد على المساواة في الحقوق بين ‏الذكور والإناث بلا تمييز، وفي عام 1981 صدقت مصر على اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة.‏ 

وشكل عام 2014، عاما هاما للمرأة المصرية حيث صدر دستور مصر الجديد الذى أعطى اهتماما خاصا بالمرأة باعتبارها نصف المجتمع وأساس الأسرة،وخصص الدستور أكثر من أكثر من 20 مادة متنوعة لرعاية المرأة وحماية حقوقها، إلى جانب استفادتها من باقي مواد الدستور باعتبارها مواطنا كاملا ، تلتزم الدولة تجاهه بتحقيقالعدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين رجالاً ونساءً.

ويعتبر كثير من الخبراء والقانونيون أن دستور عام 2014، جاء منصفا لحقوق الإنسان والمرأة بشكل عام، حيث تحدثت المادة 9 عن تحقيق تكافؤ الفرص دون تمييز، ‏بينما تحدثت المادة 11 عن تحقيق المساواة وفقا لأحكام الدستور، وليس الشريعة كما كان في دستور عام 1971.

ولعل أبرز مواد الدستور هي المادة 11 التي تنص على: "كفالة الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً فى المجالس النيابية، على النحو الذى يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها فى تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا فى الدولة والتعيين فى الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجاً".



اضف تعليق