هل يحدث تحول في العلاقات بين بروكسل وأنقرة؟


١٠ مارس ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

حمل الرئيس التركي أردوغان العديد من الملفات وهو في طريقه من أنقرة إلى بروكسل يوم أمس، التاسع من مارس 2020، بعد لقاء صعب بساعات فقط مع الرئيس بوتن في موسكو، وكان يفترض أن يحمل أردوغان في جعبته ملفًا رئيسيًا ومعقدًا، وهو "ملف الهجرة" ومسألة موجة المهاجرين الأخيرة عند حدود اليونان، لكن ما حدث في بروكسل تمامًا غير ذلك. قال أردوغان، في خطاب في إسطنبول قبل يوم من موعد الزيارة، "آمل أن أعود من بلجيكا بنتائج مختلفة"، ودعا أردوغان اليونان إلى فتح الحدود اليونانية، أمام المهاجرين، فهل نفذ أردوغان وعوده؟

لقد صعد أردوغان خطابه ضد الاتحاد الأوروبي قبل الزيارة من إسطنبول، وتعهد أمام مناصريه بأنه سيأتي بنتائج إلى تركيا، أكثر وهذا ما يعكس، مدى استغلال أردوغان "الهجرة" ورقة تفاوض ضد الاتحاد الأوروبي.

 
أبرز الملفات

أبرز الملفات التي طرحها أردوغان في بروكسل خلال زيارته، هي ملفات قديمة، أبرزها: ملف ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، والتي تعتبر ميتة تمامًا في أعقاب،  سيناريو "الانقلاب العسكري" وعدم إنجاز أنقرة للنقاط المطلوبة وملف إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول، والاتفاقات الجمرجية مع الاتحاد الأوروبي.

الجانب الآخر لأجندة أردوغان هو العلاقة مع بروكسل، ومنها ملف رفع تأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك، وعدم التقدم بملف الانضمام لدول الاتحاد، والشراكة وتحديث اتفاقية التعاون الجمركي، والتعاون بمكافحة التنظيمات المصنفة من وجهة نظرتركيا بأنها "متطرفة"، وهي حزب العمال الكردستاني، وجماعة الداعية الديني فتح الله غولن في أوروبا.

فماذا يريد أردوغان من زيارته هذه ؟ هل يريد فعلا إعادة العلاقة من جديد مع الاتحاد الأوروبي؟ في أعقاب استلام طاقم جديد لقيادة الاتحاد الأوروبي؟

الدوافع هذه المرة هي تدهور علاقته مع موسكو، فكلما ساءت علاقته مع موسكو يتجه نحو بروكسل وبالعكس. يبدو أردوغان الآن في أضعف حالاته منذ صعوده إلى السلطة، فقد ظهر شخص غير مرحب به في بروكسل وفي موسكو، وعضو مشاكس داخل الناتو، تتحكم باقتصاده الولايات المتحدة.

بدون شك، إن أوروبا تحتاج تركيا، وهناك علاقات تاريخية بين الطرفين، تحديدًا ما بين تركيا وألمانيا، تعود إلى مشاركتهما في حربين كونيين، وهناك حتى تداخل ديموغرافي، أي تعتبر الجاليات التركية في أوروبا من الجاليات الكبيرة.

أردوغان ظهر مهزوما في قصر الكرملين، وفي بروكسل ظهر "منهك" سياسيا واقتصاديا، فما يريده أردوغان من بروكسل؟

ما يريده أردوغان هو الموقف السياسي الأوروبي لدعمه في سوريا تحديدًا في إدلب وانشاء منطقة آمنة، وتعزيز اتفاق 2016 حول اللجوء وتصعيد ما يحصل عليه من موارد مالية ربما تتجاوز الستة مليارات.

أردوغان لم يتردد أبدًا بإعلان تهديداته ضد الاتحاد الأوروبي، بفتح "خزان" الهجرة باتجاه أوروبا، هو يلوح أيضا بفتح الحدود مع إيران واستقطاب موجات الهجرة من أفغانستان وباكستان وإيران ضد الاتحاد الأوروبي.

أوروبا دائما تاخذ تهديدات أردوغان مأخذ الجد، وتخضع إلى تهددياته، ولا شك في ذلك، لكن في نفس الوقت، هي لا تقدم الكثير من الدعم السياسي والمالي لأردوغان، خاصة هذه المرة، بسبب الانتقادات الموجه إلى سياسات دول أوروبا وأخطأ تعاملها مع أردوغان، التي باتت هي الأخرى ورقة بيد أحزاب المعارضة بضمنها اليمين المتطرف.

لا جدل، أن كل من تركيا والاتحاد الأوربي تحتاج بعضهما الآخر، الأهم أن الاتحاد الأوروبي، يحتاج أردوغان في  مواجهة موجات الهجرة، وكذلك اعتباره لاعبًا رئيسيًا في سوريا.

رغم أن الاتحاد الأوروبي، يعلن مرارا، أنه يرفض مساومات، أردوغان، لكن المعطيات على الأرض، أن الاتحاد الأوروبي، قدم التنازلات، بدعم أردوغان سياسيا بانشاء المنطقة الآمنة في سوريا.

 
تقارب أردوغان والاتحاد الأوروبي حول إدلب و"المنطقة الآمنة"

التقارب ما بين أوروبا وأردوغان هذه المرة في الملف السوري، واضحا، أمام ابتعاده والاختلاف مع روسيا، عكس ماكانت عليه طبيعة العلاقات ما بين موسكو وبرلين من جانب ومع باريس من جانب آخر.

في توقيع اتفاقات مشتركة حول الملف السوري منذ عام 2011، وهذا يعني أن التطورات في سوريا، سوف تشهد تحولا جديدًا، في توزيع التحالفات السياسية، رغم ذلك يبقى المشهد ميدانيًا على الأرض على حاله "متأزم" لكن الجميع لا يريد التصعيد العسكري ولا تفجير المواقف والتي تعكس بتداعياته خاصة على أوروبا، وهذا ما لا تريده بركسل.

فحاجة بروكسل إلى أنقرة ما زالت قائمة والعكس، لكن من يراجع هذه العلاقة، يكتشف تخلي الاتحاد الأوروبي عن التزاماته القانونية والأخلاقية، بإطلاق يد أردوغان في سوريا، والذي يتنافى مع قواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية. بروكسل ما زالت منقسمة في أضعف حالاتها، وأردوغان يعيش وضعًا مأساويًا، سياسي واقتصادي وعسكري، وربما حتى في دائرة علاقاته الشخصية، يجعل كل من بروكسل وأردوغان بحاجة إلى بعضهما الآخر، أمام موسكو، أمام انسحاب ممنهج ومدروس من الولايات المتحدة من المشهد العسكري في سوريا.

بات متوقعا، أن تبقى علاقات بروكسل مع أردوغان مستمرة، وأن زيارات أردوغان إلى بروكسل، لم تأت بجديد، وأنه لم يحصل على ما وعد به الشعب التركي، من وعود خلال خطاباته في إسطنبول وأنقرة، مما يجعل هذه الخطابات والزيارات، للتعبئة الداخلية. أردوغان يتحدث بلهجة في إسطنبول، غير تلك التي يتحدث بها في بروكسل وفي موسكو، محاولا أن يضع نفسه، "الابن البار" لتركيا، بالحصول على مكاسب سياسية واقتصادية رغم التحديات.

أردوغان اليوم منهك، ومثقل، بعدد من الملفات، وغير مستبعد أن تكون نهايته السياسية قريبة، بعد أن أثقل بلده بالعديد من الملفات: التنظيمات المتطرفة، الهجرة، حرب استنزاف في سوريا وضد الأكراد، ومواجهات سياسية ثقيلة مع موسكو وحتى داخل الناتو.



اضف تعليق