كورونا يتمدد بمفاصل القارة العجوز.. اقتصاد "اليورو" ينكمش


١١ مارس ٢٠٢٠

حسام عيد - محلل اقتصادي

بعد توسع انتشار فيروس كورونا في أوروبا خلال الأيام الأخيرة، بات اقتصاد القارة العجوز أمام وضع لا يحسد عليه، فأماكن انتشار الفيروس هي المحركات الرئيسية لاقتصادات دول الاتحاد الأوروبي.

فألمانيا وحدها تشكل نحو 21 % من اقتصاد الكتلة الموحدة، فيما تستحوذ فرنسا على 15 %، وتصل حصة إيطاليا إلى أكثر من 11 %، بحسب أرقام مكتب الإحصاءات الأوروبي "يوروستات".

ويتجه اقتصاد منطقة اليورو، إلى أول ركود له منذ سبع سنوات، حيث يضغط انتشار فيروس كورونا بشكل حاد على الأنشطة التجارية وثقة المستهلك، في ظل تعطيل حركة النقل وعزل المدن وإيقاف المدارس وبعض الأنشطة الرئيسية والعامة.

ووفقًا لوكالة "بلومبيرج"، من المتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو خلال النصف الأول من العام الجاري، خاصة في ظل فرض إيطاليا قيود شاملة على أغنى مناطقها وتضاعف معدلات الإصابة في إسبانيا.

تراجع الإنفاق الاستهلاكي والسياحة

وبالتالي فإن فيروس كورونا يهدد نحو نصف اقتصاد أوروبا بشكل مباشر، وإذا ما تفاقم انتشار الفيروس المميت وتعطلت الأنشطة الاقتصادية أكثر، فإن ذلك سيضرب اقتصادات أوروبا في مقتل لأنه سينعكس في تراجع إنفاق المستهلكين الذي يشكل أكثر من نصف الناتج المحلي للكتلة الموحدة.

كما أن تراجع الاستهلاك في الدول الأخرى سيتسبب في تراجع الطلب على السلع الأوروبية وبالتالي تراجع الصادرات التي تجاوزت العام الماضي 2.1 تريليون يورو.

بينما سيتأثر اقتصاد القارة العجوز بتراجع السياحة والسفر اللذين يشكلان 10% من الناتج المحلي ومسؤولين عن نحو 37 مليون وظيفة، أي نحو 10% من الوظائف في أوروبا؛ وذلك وفقا لآخر تقديرات وإحصاءات المجلس العالمي للسفر والسياحة.

انكماش ونمو صفري

ما يفاقم الوضع أكثر هو أن فيروس كورونا ينتشر في وقت تعاني فيه اقتصادات الكتلة الموحدة من ظروف صعبة بالأساس، فالاقتصاد الألماني سجل نموًا صفريًا خلال الربع الأخير من العام الماضي، فيما دخل كل من الاقتصاد الإيطالي والفرنسي في دائرة الانكماش.

وكانت بيانات صادرة عن مكتب "يوروستات"، أكدت أن اقتصاد منطقة اليورو سجل نموًا بطيئا في الربع الرابع من العام الماضي؛ إذ عوض إنفاق الحكومة والمستهلكين والاستثمارات تأثير الارتفاع الحاد للواردات فحسب.

اختبار لاجارد الأول

عادة ما يكون الأضعف هو الأكثر عرضة للعدوى بالأمراض، وفي حالة تفشي فيروس كورونا الجديد قد ينطبق ذلك اقتصادياً أيضًا.

ورغم المسافة الجغرافية بين أوروبا والصين، فإن منطقة اليورو لديها الكثير لتخشاه من انتشار الفيروس الجديد.

وتشير رؤية تحليلية نشرتها "بلومبرج أوبنيون" للكاتب "فيردناندو جيوجليانو" إلى أن "كورونا" تمثل تحدياً آخر للنموذج القائم على التصدير للاتحاد النقدي، والذي كان يعاني بالفعل مع الاتجاه العالمي نحو الحمائية.

وقد يكون هذا أول اختبار كبير لرئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، والتي كانت متفائلة للغاية بشأن آفاق منطقة اليورو.

ومن المتوقع أن يؤثر فيروس كورونا على اقتصاد أوروبا بثلاث طرق.

أولاً: فيما يتعلق بالطلب حيث إن الصين هي ثالث أكبر مستورد للسلع والخدمات من منطقة اليورو بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وزادت صادرات الكتلة إلى الصين ثلاثة أضعاف تقريباً بين عامي 2007 و 2018 لتصل إلى 170.3 مليار يورو (185.8 مليار دولار) من 60.5 مليار دولار.

وخلال الفترة نفسها، زادت المبيعات إلى الولايات المتحدة بنحو 63% فحسب. وهذه الأرقام مهمة لأن أوروبا تعتمد بشكل كبير على الطلب العالمي لدفع ازدهارها، كما يتضح من فائضها الخارجي الكبير.

ثانياً: أزمة المعروض، وفقاً لتقرير صادر عن جامعة "أكسفورد إيكونوميكس"، فإن سلاسل التوريد الصناعية في أوروبا أقل عرضة للصين من مثيلاتها في مناطق أخرى من العالم.

ومع ذلك، يلاحظ  التقرير أن بعض الصناعات قد تكون أكثر تعرضًا، حيث إن منطقة ووهان التي نشأ فيها الفيروس هي مركز رئيسي للسيارات وموطن لمواقع إنتاج شركات الصناعة بما في ذلك "رينو" و"بيجو".

وأخيرًا، تأثير انتشار الفيروس على ثقة المستثمرين في منطقة اليورو، حيث تراجعت في مارس لأقل مستوى منذ أبريل 2013 في حين يثير انتشار فيروس كورونا احتمال استمرار الضعف الاقتصادي لفترة طويلة.

ونزل مؤشر سنتيكس لمنطقة اليورو إلى 17.1- من 5.2 في فبراير وكان متوسط التوقعات تشير لانخفاض إلى 11.1- وشمل مسح سنتيكس 1155 مستثمرًا في الفترة من الخامس إلى السابع من مارس.

هذه العوامل مهمة لكل اقتصاد في العالم وليس فقط لمنطقة اليورو، لكن اقتصاد الاتحاد النقدي بالفعل ضعيف بمعدل نمو 0.1% خلال الثلاثة أشهر الأخيرة في العام الماضي وهو أسوأ أداء فصلي منذ عام 2013.

وكلما طالت مدة استمرار الإصابة بفيروس كورونا، زاد خطر تسلله إلى الاقتصادات المحلية لمنطقة اليورو.

صندوق استثماري لمواجهة كورونا

وبدورها، قالت أورسولا فون دير ليين رئيسة المفوضية الأوروبية، إن المفوضية ستنشيء صندوقا استثماريا للاتحاد بقيمة 25 مليار يورو (28 مليار دولار) للتغلب على الأزمة الاقتصادية الناتجة عن فيروس كورونا.

وسيبدأ صندوق الاستثمار بتمويل قدره 7.5 مليار يورو وسيساعد القطاعات الضعيفة بالاقتصاد.

ومن المنتظر أن تبدأ الأموال بالتدفق في الأسابيع المقبلة، وسيجري تمريرها إلى أنظمة الرعاية الصحية والشركات الصغيرة وسوق العمل.
 



اضف تعليق