بخطط "مليارية".. دول العالم تنتفض ضد جائحة كورونا


١٤ مارس ٢٠٢٠ - ٠٩:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش


كتبت - ولاء عدلان

بعد أن تضاعف عدد الإصابات بفيروس "كورونا" المستجد خارج الصين -بؤرة ظهور المرض لأول مرة في ديسمبر الماضي- بمقدار 13 مرة، وتضاعف عدد البلدان التي وصل إليها ثلاث مرات، وتجاوز عدد قتلاه الـ4 آلاف، أعلنت منظمة الصحة العالمية، منذ يومين، الفيروس التاجي كـ"وباء عالمي"، داعية دول العالم إلى التحرك العاجل لمحاصرته والتصدي لمعدلات انتشاره المطردة.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في جنيف: نحن قلقون للغاية إزاء مستويات التفشي المقلقة وخطورتها، وكذلك أيضًا إزاء مستويات انعدام التحرك المقلقة في العالم، مضيفًا يمكن تصنيف "كوفيد-19" الآن على أنه جائحة، وهذا التصنيف لا يغير ما تقوم به منظمة الصحة العالمية، كما لا يغير ما يتعين على الدول القيام به.

تحرك عاجل
منذ أن بدأ الفيروس في الانتشار خارج حدود الصين، وظهرت حالات إصابة تلقائية به في الولايات المتحدة، بدأت دول العالم تتخذ تدابير عاجلة للحد من انتشاره وأيضًا لمحاصرة آثاره الاقتصادية بعد أن هدد نمو الاقتصاد العالمي بتباطؤ قد يتجاوز الـ1%، كما يهدد عددًا كبيرًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الصين وأمريكا وإيطاليا ودول أخرى ممن تعتمد بشكل مباشر على سلاسل الأمداد الصينية بالإفلاس في حال فشلت الدول في محاصرته وامتد أثره للربع الثاني من العام.

صباح اليوم أقر مجلس النواب الأمريكي، حزمة إجراءات لمساعدة المواطنين المتضررين من تفشي فيروس كورونا، بتأييد 363 نائبًا، مقابل رفض 40 فقط، هذا يعني أن الإجراءات ستحتاج إلى مصادقة مجلس الشيوخ الذي يرجح أن يمررها الأسبوع المقبل.

وبالتزامن مع هذا، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأييده لهذه الإجراءات قائلًا:  أشجّع جميع الجمهوريين والديمقراطيين على توحيد صفوفهم والتصويت بنعم، سيتبع مشروع القانون هذا توجيهاتي بإجراء فحوصات مجانية لفيروس كورونا، والسماح بإجازة مرضية مدفوعة لعاملينا الأمريكيين المتأثرين بالجائحة، مضيفًا أنه أصدر توجيهات لوزيري الخزانة والعمل لإصدار قواعد تضمن عدم تأثّر الأعمال التجارية الصغيرة بالإجراءات.

حزمة الإجراءات المقترحة هي نتاج مفاوضات لنانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، مع ستيفن منوتشين وزير الخزانة، وتشمل منح إجازة مرضية وأسرية مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين للمتضررين من الفيروس، ومنح الشركات المتضررة تخفيضًا ضريبيًّا لمساعدتها في تغطية التكاليف، كما تشمل منح الموظفين إجازة غير مدفوعة الأجر تصل إلى ثلاثة أشهر إذا خضعوا للحجر الصحي أو كانوا بحاجة إلى رعاية مرضى من أسرهم.

كما تشمل حزمة الإجراءات توسيع برامج الضمان الاجتماعي لمساعدة الناس في تجاوز التباطؤ الاقتصادي الناجم عن تفشي الفيروس، وأيضًا زيادة مساعدات البطالة ودعم برنامج قسائم الغذاء الخاص بأصحاب الدخل المنخفض، وتعليق قرار إلغاء المزايا المتعلقة بقسائم الغذاء لنحو 700 ألف بالغ بلا أطفال وغير عاملين، يذكر أن عدد الوفيات بالفيروس التاجي في أمريكا ارتفع إلى 39، والإصابات إلى  1504 حالات.

قبل هذه الحزمة، خصصت إدارة ترامب ميزانية عاجلة بـ8.3 مليار دولار لمكافحة كورونا، جزء منها رُصد لسد العجز الخاص بأجهزة الكشف المبكر عن الفيروس المستجد، بعد أن وجهت انتقادات للبيت الأبيض تتعلق بفشله في إدارة أزمة كورونا وتقاعسه عن اتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشاره داخل البلاد، منذ اكتشاف أول حالة إصابة في الساحل الغربي نهاية الشهر الماضي.

كورونا يحاصر القارة العجوز
في إيطاليا والتي صنفت على أنها بؤرة لـ"كورونا" بعد الصين وإيران، أعلنت السلطات عن خطة تحفيز بـ7.5 مليارات يورو لمعالجة تأثير الفيروس على الاقتصاد والنظام الصحي بالبلاد، واتخذت سلسلة من الإجراءات الصارمة لمحاصرة انتشار الفيروس بعد أن تجاوزت الإصابات حاجز الـ15 ألف حالة والوفيات تخطت الـ1000، فقامت بإغلاق المدارس والجامعات والملاعب الرياضية وتجميد كافة الأنشطة الثقافية والترفيهية وأشهرها "كرنفال البندقية"، وفرض مزيد من قيود السفر من وإلى مطاراتها، هذه الإجراءات ستفقد الاقتصاد أكثر من 360 مليون يورو، وأكثر من 31.6 مليون سائح كانوا يزورون البلاد في هذا التوقيت من كل عام، يشار هنا إلى أن السياحة تسهم بـ12% من الناتج المحلي لإيطاليا.

كما سيتلقى قطاعا التصدير وصناعة الأزياء في إيطاليا ضربة قاصمة بعد أن أغلقت أغلب الشركات والمصانع أبوابها، وفرضت قيود على حركة البضائع، يتوقع أن تتجاوز هذه الخسائر الـ2% من حجم العمليات والمبيعات، ما يعني أن الاقتصاد الإيطالي مقبل على مرحلة ركود لا مفر منها.
في إسبانيا التي تعد ثاني أكبر الدول الأوروبية تضررًا بعد إيطاليا بنحو 120 حالة وفاة بالفيروس التاجي وأكثر من 4 آلاف إصابة، أُعلنت حالة الطوارئ لمدة 15 يومًا قابلة للتمديد، ومن المقرر أن تجتمع الحكومة –اليوم، بشكل استثنائي- للمصادقة على حالة الطوارئ، وإقرار ما يلزم لمواجهة الجائحة، بعد أن تم إغلاق المدارس والمتاجر وإخلاء الشوارع وفرض قيود على الانتقال بين المقاطعات، وناشدت الحكومة المواطنين بالتزام منازلهم وعدم الخروج إلا للضرورة.

بالانتقال إلى ألمانيا ومع ترجيح المستشارة أنجيلا ميركل لاحتمالات إصابة 70% من الألمان بالفيروس المستجد، الصورة تصبح أكثر قتامة؛ لذا سارعت الحكومة لوضع خطة إنقاذ أكبر من تلك التي وضعتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008، وتشمل الخطة قروضًا لا تقل عن 550 مليار يورو، ستمنح من خلال بنك الائتمان لإعادة الإعمار العام، وستخصص لصالح الشركات المتضررة التي تواجه تراجعًا في النشاط ومشاكل سيولة كشركات السفر والسياحة والمطاعم.

وقال وزير الاقتصاد بيتر ألتماير: الدولة ستساهم في دعم الشركات التي تواجه صعوبات وتعدّ استراتيجية، كشركات القطاع التكنولوجي، مضيفًا هذه مبادرة غير مسبوقة منذ مرحلة ما بعد الحرب، هدفها الحيلولة دون مواجهة هذه الشركات لأي صعوبات تتعلق بالسيولة.
 
ألمانيا خلال الأيام الأخيرة ارتفعت فيها الإصابات إلى نحو 2369 حالة، وأمام هذا ألغت الحكومة كافة التجمعات العامة وأغلقت المدارس والجامعات، ولا يستبعد أن تواجه -الدولة صاحبة أكبر اقتصاد بأوروبا- خطر الانكماش بالنصف الأول من 2020، وقد تجبر على التخلي عن قاعدة انعدام العجز بميزانيتها تحت ضغوط الحاجة إلى دعم الاقتصاد والقطاعات المتضررة من وقف العمل بشكل جزئي.

في بريطانيا المنفصلة حديثًا عن الاتحاد الأوروبي، لم يتجاوز عدد المصابين بعد الـ600 مصاب، إلا أن الحكومة سارعت خطواتها لاحتواء الفيروس وقامت بإعلان حالة طوارئ وطنية، ورصدت 20 مليون جنيه استرليني لتطوير لقاحات جديدة لمكافحة الفيروس التاجي، وغيره من الأمراض المعدية، كما خصصت 30 مليار استرليني لدعم الاقتصاد أمام الاضطراب الكبير الذي تسبب فيه وقف الكثير من الأعمال ومنح إجازات مرضية للمئات بأجر كامل وإلغاء حجوزات السفر من وإلى المملكة، وتعليق الفعاليات العامة.

أما في فرنسا، فأعلنت الحكومة عن إجراءات لدعم الشركات والمؤسسات التي تعاني من آثار الوباء، وتعهدت بأن الدولة ستتحمل تكلفة رواتب كل من يضطر للبقاء في المنزل سواء نتيجة إغلاق الأعمال أو إغلاق المدارس.

بحسب التقديرات ستسجل منطقة اليورو انكماشًا حادًّا للناتج المحلي خلال النصف الأول من العام الجاري، نتيجة تداعيات كورونا على اقتصاداتها تحديدا إيطاليا وألمانيا وإسبانيا؛ لذا أعلنت أورسولا فون دير ليين رئيسة المفوضية الأوروبية، عن إنشاء صندوق استثماري بقيمة 25 مليار يورو "28 مليار دولار" للتغلب على هذه التداعيات.

اضطراب اقتصادات العالم

بالعودة إلى الصين، وعلى الرغم من تراجع المعدل اليومي لتسجيل حالات الإصابة الجديدة، إلا أن اقتصادها سيتحمل "الفاتورة" الكبرى لعاصفة كورونا؛ لذا تحركت سريعًا للحد من سقف هذه الفاتورة ودعم القطاعات المتضررة، وأعلن بنك الصين الشعبي الأسبوع الماضية عن ضخ 1,2 ترليون يوان "173 مليار دولار" سيولة في الاقتصاد، هذا فضلًا عن رصد 16 مليار دولار لجهود مكافحة الفيروس التاجي.

أما كوريا الجنوبية وهي ثاني مناطق آسيا تأثرا بـ"كورونا"، فخفضت توقعاتها للنمو بمقدار 0.2% نقطة، وأعلنت عن خطة لتحفيز الاقتصاد بنحو 13 مليار دولار، بعد أن تجاوزت الإصابات فيها سقف الـ8000 حالة.

وسط الانتشار المتسارع للفيروس وعدم التوصل إلى لقاح مضاد له، يصعب التنبؤ بحجم الأثر الاقتصادي الذي ينتظر العالم بعد عاصفة كورونا، وكالة "موديز" من جانبها لا تستبعد أن ينزلق الاقتصاد العالمي إلى دائرة الركود بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نتيجة لأزمة "كورونا"، وذلك باحتمال يصل 40%.

بنك مورجان ستانلي توقع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى 3.5% في الربع الأول، والأمريكي بنحو 0.5%، فيما توقعت "Oxford Economics" قبل أسبوع أن يصل الأثر الاقتصادي للفيروس إلى ما يعادل 400 مليار دولار، و1.1 تريليون دولار في حال تسارع الانتشار خارج آسيا، بما يعادل 1.3% من النمو العالمي، بتكلفة مباشرة تتجاوز الـ900 مليون دولار؛ إذ ضرب المرض مناطق تمثل 90% من حجم الأعمال بالصين وترتبط بـ5 ملايين شركة عالمية.

كما تشير التوقعات إلى أن شركات الطيران ستخسر أكثر من 29 مليار دولار هذا العام، وفي الصين وحدها تقدر الخسائر بـ12.8 مليار دولار.

أمام هذا دعت منظمة الصحة العالمية بلدان العالم إلى دعمها بـ675 مليون دولار لتمويل خطتها لدعم الدول الفقيرة لمواجهة جائحة كورونا، واستجابة لهذا النداء تعهدت السعودية بتقديم مبلغ 10 ملايين دولار للمنظمة، كما تعهدت واشنطن بإنفاق ما يصل إلى 100 مليون دولار من التمويل القائم المخصص لمكافحة مرض فيروس كورونا في خارج البلاد، وخصصت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مبلغ 37 مليون دولار لتمويل 25 دولة متضررة من فيروس كورونا.



اضف تعليق