بين طهران وباريس.. عملية إفراج مزدوجة تتجاوز واشنطن


٢٢ مارس ٢٠٢٠

كتبت - دعاء عبدالنبي

تطور جديد في تفعيل اتفاقية مبادلة السجناء بين فرنسا وإيران رغم التوترات الأخيرة، بعد مبادلة طهران الباحث الفرنسي رولان مارشال بالمهندس الإيراني جلال روح الله نجاد الذي تطالب الولايات المتحدة بتسلميه على خلفية انتهاكه للعقوبات المفروضة عن طهران، لتتجاوز باريس الطلب الأمريكي وتسلمه لطهران خلال عملية مزدوجة سعت لها طهران لتخفيف العقوبات عليها، وساهم انتشار وباء كورونا في تفعيلها.

مارشال في فرنسا

بعد تسعة أشهر ونصف من الاحتجاز في إيران، وصل الباحث الفرنسي رولان مارشال إلى باريس بالأمس، بعد إفراج السلطات الإيرانية عنه مقابل إطلاق سراح مهندس إيراني تطالب الولايات المتحدة بترحيله إليها.

وفي الوقت نفسه، حض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السلطات الإيرانية على إطلاق الباحثة الفرنسية الإيرانية فاريبا عادلخاه المعتقلة في طهران.

كانت السلطات الإيرانية في يونيو الماضي، قد اعتقلت الباحث الفرنسي وشريكته عادلخاه، وهما باحثان في مركز الدراسات الدولية التابع لمعهد العلوم السياسية في باريس، ولم تتوقف فرنسا عن المطالبة بإطلاق سراحهما منذ ذلك الوقت.

ووجهت للباحثين تهمة "التواطؤ للمساس بالأمن القومي" التي تراوح عقوبتها بين عامين وخمسة أعوام سجن. علاوة على ذلك، وجهت لعادلخاه تهمة "الدعاية ضد النظام".

وفي باريس، تمسكت لجنة الدفاع عن الباحثين ببراءتهما، وطالبت بإطلاق سراحهما فورًا، وقالت إنها تخشى على حياتهما بسبب وضعهما الصحي.

وخلال الأشهر الأخيرة، قامت إيران بمبادلات عدة لسجناء مع دول تحتجز مواطنين إيرانيين مدانين أو ينتظرون المحاكمة أو مهددين بالترحيل إلى الولايات المتحدة، ومؤخرًا أطلقت إيران أيضًا سراح عدة سجناء معروفين بمناسبة العام الفارسي الجديد، على خلفية تفشي فيروس كورونا المستجد الذي زاد من إنهاك البلاد المستنزفة أصلا بسبب العقوبات الأمريكية.

المتهم بانتهاك الحظر الأمريكي

ويأتي إفراج طهران عن مارشال بعد إعلان السلطة القضائية في إيران، عن عودة المواطن الإيراني المعتقل في فرنسا منذ فبراير 2019 جلال روح الله نجاد بمزاعم انتهاك الحظر الأمريكي على إيران.

وقال المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين إسماعيلي إنه تمّ مبادلة روح الله نجاد الذي كان من المقرر تسليمه للولايات المتحدة بمواطن فرنسي محتجز في إيران بتهمة التجسس.

وطالبت الولايات المتحدة بترحيل جلال روح الله نجاد الذي تتهمه بمحاولة إدخال معدات تكنولوجية إلى إيران في انتهاك للعقوبات الأمريكية على طهران.
بدورها، أشارت السلطة القضائية الإيرانية إلى أن طهران "تتعاون للإفراج عن معتقل فرنسي لديها بعدما وافقت باريس على الإفراج عن إيراني مهدد بتسليمه للولايات المتحدة".

وكان نجاد الذي يعمل مهندسا يقبع منذ أكثر من عام في السجون الفرنسية، وهو متهم بالالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
وفي مايو، وافقت محكمة فرنسية على تسليم روح الله نجاد للولايات المتحدة لمواجهة اتهامات بمحاولة نقل تكنولوجيا أمريكية لأغراض عسكرية، وعلى نحو غير قانوني نيابة عن شركة إيرانية يقول مسؤولون أمريكيون إنها على صلة بالحرس الثوري الإيراني.

 وكان من المفترض أن يتمّ تسليمه إلى الولايات المتحدّة بقرار صدر عن محكمة التمييز الفرنسية في الحادي عشر من مارس2020 إلا أن فرنسا عدلت عن هذا القرار وسلّمته إلى إيران ليل الجمعة 19 مارس 2020.

عملية مزدوجة لتخفيف العقوبات

لكن يبدو واضحًا أن باريس فضلت رفض التسليم واختارت، وقررت مبادلة روح الله نجاد بــ"رولان مارشال" و"فاريبا عادلخاه". لكن ما حصل أنها نجحت فقط في إخراج الأول من سجن أيفين، الواقع شرق طهران فيما رفض الجانب الإيراني إخلاء سبيل الباحثة عادلخاه باعتبار أن إيران لا تعترف بازدواجية الجنسية. وبالنسبة إليها، فإنها فقط إيرانية وبالتالي ليس لفرنسا أن تتدخل بشأنها أو أن تطالب بإطلاق سراحها.

اللافت في هذه المسألة أن الرئيس الفرنسي سارع في إصدار بيان مقتضب أعرب فيه عن سعادته بالإفراج عن مارشال الذي عاد إلى باريس أمس كما حث السلطات الإيرانية على الإفراج الفوري عن  فاريبا عادلخاه. لكن البيان الرئاسي لم يشر بتاتا إلى إفراج السلطات الفرنسية عن روح الله نجاد كما أن أي مسؤول آخر لم يلمح إلى عملية التبادل التي جاءت متزامنة رغم تكتم باريس التي سبق لها في التسعينات أن عمدت إلى عملية مشابهة مع طهران. 

وجاء خبر الإفراج عن روح الله نجاد بداية من طهران ليل الجمعة -ـ السبت، إذ أعلنت القناة الإخبارية الإيرانية الناطقة باللغة الإنجليزية أن المواطن الإيراني سلم إلى السفارة الإيرانية في باريس. ولاحقا، نوهت "ميزان أونلاين" وهي الوكالة الرسمية التابعة للسلطة القضائية الإيرانية بوجود "تعاون قضائي جار" بين باريس وطهران بموجبه تم الإفراج عن روح الله نجاد مشيرة إلى أن باريس تجاوزت طلب التسليم الأمريكي. وأظهرت صورًا للتلفزيون الإيراني وصول روح الله نجاد إلى مطار طهران ليل الجمعة - السبت الذي استقبله أفراد من عائلته.

وحتى الآن لم تعرف تفاصيل التواصل بين باريس وطهران التي أدت إلى إتمام عملية التبادل، كذلك لم يعرف ما إذا كان الطرف الإيراني قد أصر على طلب الإفراج عن روح الله نجاد قبل إطلاق سراح مارشال الذي وصل بعد ظهر أمس إلى باريس واقتيد فورًا إلى مستشفى "سان مونديه" العسكري القريب من باريس لإجراء سلسلة من الفحوصات.

ويبدو أن طهران مع عملية الإفراج المزدوجة قد حققت غرضها من سياسة التبادل التي تنتهجها منذ سنوات وهي اعتقال الباحثين الغربيين وتعريضهم للتوقيف. إلا أن توقيت العملية لم يأت على سبيل الصدفة بل إنه مرتبط بالوضع الصحي في إيران وتفشي وباء فيروس كورونا على نطاق واسع، حيث تسعى طهران وفقًا لتقارير صحفية إلى دفع البلدان الأوروبية الثلاثة الموقعة على الاتفاق النووي لعام 2015 للتوسط لدى واشنطن من أجل تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها لتمكينها من مواجهة الوباء. لكن الجانب الأمريكي لم يستجب حتى اليوم وما زال مواظبًا على سياسة الضغوط القصوى.



اضف تعليق