أمهات هجرن عائلاتهن لمواجهة كورونا‎


٢٢ مارس ٢٠٢٠

كتب - محمد عبدالكريم

القدس المحتلة - في مختبرات وزارة الصحة الفلسطينية، خلف أزقة مخيم قدورة للاجئين بمدينة رام الله، تجتمع 6 نسوة هجرن عائلاتهن وأطفالهن للقيام بواجبهن المقدس بحماية أرواح البشر، عبر فحص عينات المشتبه بإصابتهم بفيروس الكورونا.

بامكانيات بسيطة، ولكن بعزيمة جبارة تجهد النسوة الست وهو عدد قليل جدًا ما يراكم ضغطا أكبر، لإعطاء أدق النتائج في ظل الظروف الصعبة والخطيرة التي يمر بها العالم وفلسطين المحتلة جزء منه، فالمختبر هو الوحيد العامل في منطقة الضفة الغربية المحتلة، حيث ترد إليه يوميا مئات العينات من مختلف أرجاء الضفة للفحص، وإظهار إن كانت النتائج سلبية او إيجابية.

في داخل المختبرات عالم آخر، فهو الأخطر في هذه الأوقات التي تجتاح فيها الجائحة العالم كله، فهن يخاطرن بحياتهن في سبيل صحة الآخرين، حيث أي خطأ في التعامل مع الفيروس قاتل.




ليس غريبا على المرأة الفلسطينية أن تكون في الصف الأول في مواجهة الأعداء وأن تتحمل الضغوط والأهوال، فالفدائيات الست من بينهن أمهات تركن أطفالهن منذ الخامس من شهر مارس الجاري موعد، ظهور أولى حالات تفشي المرض في الضفة الغربية، فقد استدعين على عجل ليكن خط الدفاع الأول وربما الأخير في مواجهة المرض القاتل.

تقول: نورس فاتوني: تركت طفلي الاثنين مع زوجي وأهلي في محافظة سلفيت شمال الضفة ولبيت نداء الواجب للعمل هنا في رام الله، بعيدا عنهم عشرات الكيلومترات في أصعب الأوقات، ضمن إجراءات لم تكن قائمة في السابق، وبنظام 24 ساعة وفق نظام الخطة الصحية الشاملة.

وتحدثت فاتوني عن تفاصيل العمل بالمختبر منذ الإعلان عن أول حالات إصابة بالفيروس: "يأتينا كم هائل من العينات يومياً من كافة المحافظات وعلى مدار الساعة، والطواقم القليلة نسبياً لدينا تتبادل الأدوار لتغطية الدوام بشكل كامل، وتستقبل العينات في قسم الاستقبال وتقوم الموظفات هناك بتدقيق بيانات المرضى وحالة العينة إن كانت مقبولة أو غير مقبولة".

وتوضح فاتوني -التي أجبرها عملها على الابتعاد عن عائلتها في سلفيت من أجل درء أي خطر لنقل الفيروس إليهم- "في المرحلة التالية يتم إدخال العينات إلى غرفة الفحص ثم البدء بتشخيصها، وفي هذه المرحلة يتم الكشف عن المادة الوراثية للفيروس المسبب لأعراض المرض، وصولاً إلى استخلاص المادة الوراثية، فيما تعتبر هذه المرحلة من أخطر المراحل لأن خطر الإصابة بالفيروس يكون كبيرا بسبب التعرض والتعامل بشكل مباشر مع عينات المرضى".



وشرعت وزارة الصحة بالاستعداد مبكرا لاحتمال ظهور الوباء بالأراضي الفلسطينية، وجهزت طواقمها ووفرت كافة المواد المخبرية اللازمة لإجراء وتشخيص أي عينات في حال ظهورها، رغم أنها كانت تستبعد حدوث ذلك في البداية، وكانت تصل عينات سواءً لمواطنين قادمين من الخارج أو من الداخل وكانت جميعها سلبية ما خلق حالة من التفاؤل.

انتقل العمل في مختبر الصحة المركزي بعد ظهور نتائج إيجابية منذ فجر يوم الخميس 5 آذار الجاري نقلة نوعية، من أجل التعامل مع الظرف الراهن، وأصبح العمل فيه يعتمد على نظام الورديات لمدة 24 ساعة.

وعن ذلك تقول فاتوني: "أصبحنا نتبع إجراءات السلامة والوقاية بشكل دائم بعد التعامل مع عينات إيجابية والتي ارتفع معها الحفاظ على سلامة الموظفين والبيئة والمختبر إلى حده الأقصى حتى نقطع الطريق أمام أي احتمالية لانتقال العدوى بيننا".

يحرص فنيو المختبر على إنهاء فحص العينات بأسرع وقت ممكن، وفي حال ظهور نتائج إيجابية يتم تبليغ لجنة ترأسها وزيرة الصحة مي الكيلة، إضافة إلى تبليغ محافظة منطقة المصاب وقسم الطب الوقائي فيها، من أجل اتخاذ الاجراءات الوقائية والاحترازية اللازمة.

واتخذ العاملون في المختبر إجراءات قاسية بحق أنفسهم في سبيل فحص العينات حسب وصف فاتوني، فمنهم من ترك أولاده وزوجته منذ بداية الأزمة للتفرغ للعمل لساعات طويلة، كما أنهم معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بالفيروس لأنهم يتعاملون مع عينات يحتمل أنها تحمل الفيروس.


وتروي أمل عامر من مدينة طولكرم زميلة فاتوني بالمختبر تفاصيل يوم الكشف عن أول حالات للإصابة بالفيروس: "كان ليلتها يناوب بالمختبر رئيس القسم عيسى اشتية وعدد العينات الموجودة لديه قليل، وعندما جئنا صباحاً للمختبر أخبرنا أن هناك عينات إيجابية ظهرت، أصبت بالخوف الشديد، وبدأت أفكر كيف سنتعامل مع هذا الواقع وإلى أين سيسير بنا هذا الوباء، كانت لحظات صعبة جداً".

وتضيف عامر التي ترى أن هذه الفترة هي الأصعب منذ التحاقها بوزارة الصحة منذ 8 سنوات: "نعمل في ظرف استثنائي فيه مخاطرة عالية جداً، ونتبع نظاماً معيناً من أجل التأكيد من نتيجة العينات في حال كانت إيجابية، حيث أرسلنا العينات الإيجابية الأولى إلى الجانب الإسرائيلي من أجل التأكد أكثر رغم أننا نملك الأدوات الكافية، ولكن بعد ذلك أصبحنا نعتمد على أنفسنا في إخراج النتائج".

أصيبت عامر بالصدمة عندما ظهرت أول حالة في مسقط رأسها كونها اضطرت إلى ترك أبنائها وعائلتها هناك: "كنا نتمنى أن ينحصر الوباء في منطقة معينة، ولكن عندما ظهر في طولكرم أصبح الأمر يعني أنه من الممكن أن ينتقل إلى منطقة ثالثة ورابعة، فيما تصبح عملية حصره أصعب وأكثر عبئاً على طواقم وزارة الصحة".




اضف تعليق