من بيروت إلى واشنطن.. كواليس هروب "جزار الخيام" عامر الفاخوري


٢٣ مارس ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

بينما العالم مشغول بأزمة انتشار فيروس كورونا المستجد، كان تحت سماء بيروت، من يخطط لمساعدة "جزار الخيام" على الفرار إلى خارج البلاد، استقل عامر الفاخوري مروحية حطت في مقر السفارة الأمريكية الخميس الماضي، ليعلن ترامب بعدها بساعات قليلة عودته سالمًا إلى الولايات المتحدة، في مشهد أعاد لذاكرة العديد من اللبنانيين والفلسطينيين مشاهد دامية للتعذيب والقتل داخل معتقلات "جيش لحد"، وأثار عاصفة من الاتهامات المتبادلة بين الساسة وقيادات الأحزاب بشأن المسؤولية عن إفلات الفاخوري من الملاحقة القضائية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجه الشكر للحكومة اللبنانية على جهودها في إطلاق سراح الفاخوري، مشددًا على أن أولوية إدارته هي حماية مواطنيها.. شكر ترامب أحرج القيادات اللبنانية التي تحركت سريعًا لتبرئة ساحتها أمام الرأي العام.

الكل يتنصل من المسؤولية
في اليوم التالي وتحديدًا الجمعة 20 مارس، غرد رئيس الحكومة حسان دياب قائلًا: لا يمكن أن ننسى جريمة العمالة للعدو الإسرائيلي، حقوق الشهداء والأسرى المحررين لا تسقط في عدالة السماء بمرور الزمن.

فيما استدعى وزير الخارجية نايف حتى، السفيرة الأمريكية في بيروت دوروثي شيه، للاستفهام عن ظروف إخراج الفاخوري من سفارتها إلى خارج الأراضي اللبنانية.

صباح الجمعة أيضًا، أعلن رئيس المحكمة العسكرية العميد حسين عبدالله استقالته من منصبه، فاتحًا الباب أمام الجدل حول استقلالية القضاء في دولة رغم جغرافيتها الصغيرة القرار السياسي فيها يأتي من خارج الحدود، العميد حسين هو المسؤول الأول عن قرار إسقاط التهم عن الفاخوري، ففي جلسة سرية عقدت في ١٥ مارس الجاري، جاء قرار المحكمة العسكرية كالآتي: الجرائم المسندة إلى عامر الفاخوري فيما يتعلق بتعذيب سجناء في العام ١٩٩٨ قد سقطت بمرور أكثر من 10 أعوام على وقوعها، وقررنا إطلاق سراحه فورًا ما لم يكن موقوفًا بقضية أخرى.. قرار كان بمثابة ورقة توت لجزار الخيام.

استقالة العميد حسين -المحسوب على حركة أمل- التي سبقت خطابًا للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بساعات قليلة، اعتبرها البعض جاءت بطلب مباشر من حزب الله، لتبييض وجه السيد نصرالله أمام جمهوره في الجنوب الذي يعتبر قضية العميل الفاخوري قضية ثأر لا تسقط بالتقادم.

نفى نصرالله في خطابه مساء الجمعة 20 مارس، أن يكون إطلاق الفاخوري جاء ضمن صفقة حكومية مع الحزب وحركة أمل قائلًا: نحن لا علم لنا بوجود صفقة خلف إطلاق سراح العميل الفاخوري، البعض طرح تساؤلات عن إمكانية عقد صفقة مع الثنائي الشيعي، وانا أجزم أن حركة أمل لم تعلم بذلك كما نحن لم نعلم إلا من الإعلام.

نصرالله زعم في خطابه أن وجود أصدقاء ووزراء للحزب بالحكومة لا يعني أنهم تابعين لإرادته، وأضاف في الداخل اللبناني، هناك قوى سياسية تأثيرها أكبر من تأثير حزب الله.

 وكعادته خلط شيئا من الحقيقة بخطابه، فقال: الضغوط الأمريكية بدأت منذ وصول الفاخوري إلى لبنان على معظم المسؤولين.

 هروب الفاخوري المعترف بالعمالة لإسرائيل على متن مروحية أمريكية، ورّط بشكل مباشر الحكومة اللبنانية وحتى الرئيس العماد ميشيل عون، فخرجت بعض أصوات التيار الوطني الحر للدفاع بالقول: يُسأل عن إفلات "جزار الخيام" حزب الله أولًا، فيما قال التيار -في بيان رسمي دفاعًا عن رئيسه جبران باسيل "صهر الرئيس"- إن سياسة تلقي الأوامر من السفارات ليست سياستنا بل سياسة من يتّهمنا، خلافًا لكثيرين بدّلوا قناعاتهم وولاءاتهم بحسب المصالح، يبقى التيار على ثوابته في الدفاع عن استقلالية القرار اللبناني وممارستها في أفعاله السياسية، وفي جعل مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.

النائب بطرس حرب قال في تصريحات لـ"الشرق الأوسط": الرئيس الأمريكي كان واضحًا بكلامه عندما شكر الحكومة اللبنانية، وضمنيًّا هو شكر للوزارات المعنية بقضية الفاخوري، من العدل إلى الدفاع، إضافة طبعًا إلى رئاسة الجمهورية، كما لا يمكن لأي جهة في لبنان أن تقوم بخطوة أو اتخاذ قرار كالإفراج عن الفاخوري من دون معرفة أو غض طرف من قبل "حزب الله".

فضيحة وتاريخ ملوث بالدم
الفاخوري كان قياديًّا في "جيش لبنان الجنوبي" أو "جيش لحد"، وهي ميليشيا تعاونت مع  الجيش الإسرائيلي أثناء احتلاله جنوب لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إثر انشقاق عناصرها عن الجيش اللبناني عام ١٩٧٦ خلال الحرب الأهلية، وكان يتزعمها  الضابط السابق سعد حداد، وخلفه أنطوان لحد، وكانت مهمتها هي قتال التنظيمات الفلسطينية واليسارية تحديدًا حركة أمل والحزب الشيوعي وحركة "المرابطين"، وتولت إدارة المنطقة لحساب إسرائيل، الفاخوري تولى وقتها منصب القائد العسكري السابق لـ"سجن الخيام" وهو معتقل يقع على تل ببلدة الخيام ويطل على شمال فلسطين من جهة وعلى مرتفعات الجولان السورية من جهة ثانية.

الفاخوري تورط في سجن وتعذيب المئات من اللبنانيين والفلسطينيين وقتل العشرات منهم في هذا المعتقل، أثناء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب والذي استمر على مدى ٢٢ عامًا، وفرّ من لبنان عام ١٩٩٨ قبل عامين من الانسحاب الإسرائيلي، وفي العام ذاته صدر حكم غيابي بحقه بالسجن لمدة ١٥ عاما مع الأشغال الشاقة لاتهامه بالعمالة لإسرائيل.

الفاخوري اعترف -خلال التحقيقات معه من قبل السلطات اللبنانية فور عودته إلى البلاد العام الماضي- بتعامله مع "إسرائيل"، وبحصوله عام 1998 على جواز سفر إسرائيلي، غادر به المنطقة، ليستقر في الولايات المتحدة، وهناك حصل على الجنسية الأمريكية، وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن الفاخوري عمل في فترة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي لحساب جهاز الأمن التابع مباشرة للموساد، وكان يتولى مراقبة أهالي الجنوب واعتقال من يشتبه به، إضافة إلى تجنيد العملاء في المناطق المحررة.

خلاصة الأمر لن تجدي ورقة التوت مع الحكومة أو الأحزاب السياسية في لبنان للتنصل من المسؤولية عن هرب الفاخوري، فالرجل هرب من قلب السفارة الأمريكية ودون علم الأمن اللبناني، رغم أنه ملاحق قضائيًّا على ذمة قضايا رفعها عدد من المعتقلين السابقين في "سجن الخيام" بتهمة اعتقالهم وتعذيبهم، فضلا عن طعن المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات، على قرار إطلاق سراحه الصادر عن المحكمة العسكرية وإصداره مذكرة توقيف بحقه، لمحاكمته من جديد بالجرائم المنسوبة إليه في قضية "معتقل الخيام" والعمالة لإسرائيل.

وتشير الكثير من المصادر إلى أن هروب الفاخوري كان بتهديدات مباشرة من واشنطن للقيادات اللبنانية، بزيادة العقوبات على الاقتصاد وإدراج شخصيات لبنانية جديدة على قائمة العقوبات الأمريكية، في حال عدم الإفراج عن الفاخوري باعتباره مواطن أمريكي، وسيشكل موته في السجن بسبب إصابته بالسرطان حرجًا للبيت الأبيض، بل إن البعض تحدث عن أن الدولة اللبنانية قد تكون حصلت في مقابل إسقاط التهم عن جزار الخيام على وعود أمريكية بالضغط على دائنيها، خاصة بعد قرارها بالتخلف عن سداد الديون المتعلقة بسنداتها الأجنبية "1.2 مليار دولار" في التاسع من مارس الجاري، ودخولها في مشاورات لإعادة هيكلتها. 



 

 

اضف تعليق