برعاية الكورونا .. السياسية الإسرائيلية تحت جهاز التنفس الاصطناعي


٢٤ مارس ٢٠٢٠ - ١٠:٥٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - د. محمد عبدالدايم

مع ارتفاع عدد المصابين بالفيروس في إسرائيل لأكثر من ألف، وبعد ثلاثة أسابيع على انتخابات الكنيست الـ 23، الثالثة في أقل من عام، تعاني الدولة التي تتشدق بشعار "الديمقراطية الوحيدة في الديمقراطية".

ثمة مشاهد مصورة من أنحاء العالم تُظهر نوعين من الصراع مع الوباء المستشري، أولها مشاهد الخوف والجزع، صراع الأطباء مع المرض، وتعداد الموتى، والنوع الثاني يتمثل في استهانة بعض فئات الشعوب بالتحذيرات الحكومية، وتحديهم لأوامر حظر التجوال، أو تقييد الحركة، رفضًا منهم لسلطوية الدولة، أو تحديًا لهذا القاتل غير المنظور.



بلا حكومة في مواجهة الوباء

الأمر في إسرائيل لا يختلف عن العالم، حيث نقلت وسائل الإعلام بشكل مكثف خبر موت الضحية الأولى من ضحايا الفيروس، رجل يبلغ من عمره 88 عامًا، وسط تحذيرات من العاملين في المجال الصحي والوقائي، بينما على الجانب الآخر انتهز المئات من المواطنين في إسرائيل سطوع الشمس لبعض الوقت نهارًا، ليخرجوا إلى المتنزهات والحدائق والشواطئ في تل أبيب، ليمارسوا الرياضة، ويتحدوا الوباء، وهو مشهد الاستهتار ذاته الذي تكرر سابقًا في إيطاليا وإسبانيا، بل وفي ميامي بالولايات المتحدة، وفي مصر كذلك، ولكن الفارق بين هذه الدول وبين إسرائيل أن الأخيرة لا تملك حكومة منتخبة، بعد عام من الشلل السياسي التام، والاستقطاب الشديد، والنتيجة: تظاهرات إلكترونية تدعو لرحيل نتنياهو ويولي إدلشطاين رئيس الكنيست، وفي الوقت نفسه ارتفاع عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها بيبي وحزبه هاليكود إذا ما حدث سيناريو "الانتخابات الرابعة".

على مدى أسابيع تستمر حملات مكافحة انتشار عدوى الكورونا، مع التأكيد على عدم المخالطة، بأن يعتبر الفرد نفسه حاملًا للفيروس، فلا يقترب من الآخرين، وفي الوقت نفسه يعتبر الآخرين حاملين للفيروس فلا يقترب منهم، وهذا الاحتراز من تفشي العدوى أصبح مؤخرًا عنوان السياسة الإسرائيلية.

إغلاق الكنيست "الجديد"

في الأسبوع المنصرم أعلن يولي إدلشطاين رئيس الكنيست "المنتهية ولايته" (عن حزب هاليكود) عن تعليق عمل الكنيست الجديد، بعد حلف اليمين القانونية مباشرة، وتعليق تقسيم لجان العمل فيه، بحجة "منع التجمعات" خوفًا من انتشار الفيروس، في الوقت الذي يعمل تكتل كاحول لافان على إزاحته عن رئاسة الكنيست، ولكنه يرفض تمامًا ترك كرسي الرئاسة، ويهدد بأن تغييره يعني "انتخابات رابعة" في إسرائيل، لذا علق المناقشات، حتى لا يتقدم كاحول لافان بطلب تصويت على تغييره، أو مشروع قانون منع المتهمين من تولي مناصب وزارية، وهو مشروع القانون المعني بحالة نتنياهو.



ليس هذا فحسب؛ بل إن نتنياهو اتهم، علنًا، كاحول لافان بأنه يسعى لـ"اختطاف" الكنيست، بعدما اتهمه بعيد الانتخابات بسرقتها، الرجل الذي أحكم قبضته على المؤسسة التشريعية بإغلاقها، يتهم منافسيه الآن بأن يسرقونها لتحقيق "أغراض سياسية"، مع أن المنطقي أن الكنيست، وأي مؤسسة تشريعية في ديمقراطيات العالم الحديث، ما هي إلا ساحات عمل سياسية، للمداولات، وتدشين لجان العمل، وتقديم مشاريع القوانين، وقبل هذا كله لإقامة حكومات وإسقاط غيرها، انطلاقًا من رغبات الجماهير، لكن نتنياهو يرفض هذا كله، فأطلق رجله، إدلشطاين، ليعمل "كلب حراسة" على باب الكنيست، ويمنع، يوم الأربعاء الماضي، دخوله بحجة مواجهة الكورونا.

تكميم "فردوس" الديمقراطية

أصبحت قرارات منع الحشود والتجمعات تجنبًا لتفشي كورونا منطبقة على السياسة الإسرائيلية التي يسيطر عليها نفر قليل، يحكمون على الباقين بمنع التجمع، بهدف انعزال رجل واحد، هو نتنياهو، بالسلطة المطلقة، ليملك الملك بيبي المتهم السلطة التشريعية ممثلة في الكنيست، بعدما وضع مؤخرًا يده الملوثة بالرشوة والاحتيال على السلطة القضائية، ولا يبدو أنه ينوي إرخاء أي من يديه بسهولة.



الكورونا تضرب العالم كله، الكابوس يتحقق، ومشاهد أفلام الديستوبيا أصبحت حقيقة واقعة أمام المشاهدين، يقدر الخبراء بأن أعداد الضحايا على مستوى العالم ستصل إلى مئات الآلاف، وربما أكثر، وتعداد الضحايا في إيطاليا شاهد، ويرتفع يوميًا عدد المصابين في دولة إسرائيل الصغيرة التي لا يزيد تعدادها عن 10 ملايين نسمة، وبالنظر لدول العالم كافة، فإنه ليست هناك واحدة تحاصر كلا من الكورونا والبرلمان معًا، سوى الدولة ذات "الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة"، لم يتجرأ رئيس برلمان على سك الأبواب، ووقف تشكيل اللجان، ومنع الأعضاء من اختيار رئيس لهم، لم يتجرأ أحد على استغلال جائحة الكورونا كرافعة إنقاذ لزعيمه، مثلما فعل يولي إدلشطاين من أجل بنيامين نتنياهو. 

بحجة المواجهة؛ أغلق أمير أوحانا، وزير القضاء عن هاليكود، أبواب المحاكم، وعلى تويترغردت طاليا أينهورن، الأكاديمية القانونية المعروفة بتوجهها اليميني، داعية لاستغلال الفرصة وإغلاق المحكمة العليا الإسرائيلية الآن، في الوقت الذي يظهر نتنياهو كثيرًا، وبشكل شبه يومي، أمام وسائل الإعلام، ليتحدث عن خطر الكورونا، وضرورة مواجهته بحزم، وعلى رأس خطوات المواجهة تخصيص مزيد من الأموال لميزانية "طوارئ"، وهذه الخطوة تستلزم وجود وزارة مالية تابعة لحكومة "منتخبة" خصوصًا مع تكليف الشاباك بتتبع الحالات المشتبه في إصابتها والمعافاة، وتكليف الجيش بتصنيع أقنعة واقية وكمامات، فلا سبيل، وفقًا له" سوى تشكيل حكومة "طوارئ" يكون هو على رأسها لمواجهة الوباء الذي تخطى عدد ضحاياه من الإسرائيليين الألف الأولى.

جانتس: المُكلَف المُحاصَر

في المقابل، يحمل بيني جانتس التكليف بتشكيل الحكومة، ويجلس مرتبكًا في ملعب الخصم، ليس بمقدوره "حتى الآن" تشكيل حكومة سوى بمشاركة هاليكود، ونتنياهو يصر على أن تكون له الأولوية، ولمدة عامين، وهذا ما يرفضه تمامًا رجال جانتس، لابيد وموشيه يعلون على وجه الخصوص، وربما تكون هذه الفرصة الوحيدة والأخيرة لجانتس كي يكون رئيس حكومة، ولو لمدة سنتين بعد نتنياهو، لأن فشله، أو رفضه الاتحاد مع هاليكود يدفع نحو انتخابات رابعة، سيدخلها وهو يرفع شعار "الرجل الذي فشل في تشكيل حكومته الأولى".



في مقاله الأخير بصحيفة هآرتس، وجه الكاتب اليساري جدعون ليفي سؤالًا لبيني جانتس، قال فيه: "متى يتحلى بالشجاعة ويعلن انضمامه إلى نتنياهو".

من بعيد ما زال أفيجادور ليبرمان على دأبه، الدب الروسي صاحب حزب يسرائيل بيتينو يستعد لتقديم مشروع قانون منع نتنياهو من البقاء في الحكومة، ويمضي وسط مخاوف الوباء، في محاولة لتأكيد هدفه بإسقاط صديقه القديم.

أداء مسرحي لتجميد الموقف

حضرت الكمامات الطبية والقفازات في مشهد أداء الحكومة السلوفاكية الجديدة لليمين الدستورية، حيث ظهرت رئيسة البلاد زوزانا كابوتوفا وأمامها الحكومة الجديدة تقسم باليمين، لكن نتنياهو حتى الآن بلا كمامة، لكنه يتلفع بإغلاق المؤسسات، ويتحنن أمام الجمهور الإسرائيلي، بحجة أن الوضع "خطير وقابل للانهيار"، ويرفع الرجل العلماني يديه في أداء مسرحي أثار سخرية الجميع، ليقول إنه "يجب أن نتضرع لخالق العالم ونطلب عونه".



الكلمات الدلالية بنيامين نتنياهو

اضف تعليق