تحت اختبار "كورونا".. مستقبل غامض للاتحاد الأوروبي


٢٤ مارس ٢٠٢٠

كتب – محمود طلعت

تعيش أوروبا هذه الأيام مرحلة عصيبة غير مسبوقة في تاريخها الحديث في ظل تفشي وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد – 19" والذي أربك جميع الحسابات وأودى بحياة الآلاف في القارة العجوز.

ضعف التضـــــامن

وأظهرت أزمة كورونا، التي انتشرت بشكل كبير في دول أوروبا، ضعفًا في مبدأ التضامن الذي يشكّل أساس الاتحاد الأوروبي، كما أظهرت مؤسسات الاتحاد عدم فعالية، في حل هذه الأزمة الخطيرة.

انتقادات كثيرة وجهت إلى مؤسسات الاتحاد وأبرزها من إيطاليا، خصوصاً أن أبرز المساعدات الطبية إلى إيطاليا قدّمت من الصين وروسيا وحتى من كوبا المحاصرة.

ونتيجة هذه الأزمة بدأ الإيطاليون باستبدال أعلام الاتحاد الأوروبي بأعلام روسيا والصين. كما انتشر على مواقع التواصل فيديو لمواطن إيطالي يقوم بنزع العلم الأوروبي ثم يدخل إلى أحد الأبنية ويخرج حاملاً علم روسيا ثم في نهاية الفيديو يحمل ورقة كُتب عليها، شكراً بوتين، شكراً روسيا.



هشاشة غير مسبوقة

أزمة كورونا كشفت عن هشاشة لم تعرفها دول الاتحاد الأوروبي من قبل، فإضافةً إلى إغلاق الحدود، تبيّن أن التكامل الاقتصادي الذي صمد لفترة طويلة قد ينهار أمام عمق الأزمة الحالية.

ومما لا يدع مجالا للشك فقد عاشت دول الاتحاد الأوروبي فترة من الزمن في تكامل اقتصادي، فالبضائع المصنّعة في أي دولة من دوله، وبسبب انعدام التعريفات الجمركية، لم تعد تحتاج إلى تصنيع في بلدان أخرى.

قيـود على التصديـر

لكن الأزمة المستجدة كشفت أن ما يصحّ خلال فترة السلم قد لا يكون متوافرًا خلال الأزمات، فقد وضعت بعض الدول الأوروبية قيودًا على التصدير، فمنعت تصدير المستلزمات الطبية والأدوية والأقنعة إلى الخارج.

ومثال ذلك رفضت برلين تسليم شركة استيراد سويسرية 240 ألف قناع طبي، ورفضت باريس تسليم لندن أدوات طبية بموجب عقود سابقة.
 


المشــاكل الهيـــكلية

مؤخرا نشرت صحيفة "الكافي جيوبوليتيكو" الإيطالية تقريرا عن المشاكل الهيكلية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، والتي عادت للواجهة بسبب أزمة كورونا.

وقالت الصحيفة، إنه منذ اندلاع أزمة طوارئ فيروس كورونا عادت الهشاشة الأوروبية إلى البروز انطلاقا من القضايا الحاسمة المتعلقة بعدم اكتمال الاتحاد وانعدام التضامن وصولا إلى التنسيق بين أعضائه.

وأوضحت أن هناك ثلاثة عوامل تؤثر بشكل كبير على القدرة على الاستجابة وإدارة الأزمة؛ مدى شدّتها، وحجم الأزمات التي تظهر في فترة زمنية محدودة، وتقلب الأسواق الدولية.

وعلى الرغم من الدعم الكبير الذي قدمته رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، إلا أن العديد من الدول الأعضاء تعاملت مع تفشي العدوى في إيطاليا كذريعة لعزلها وليس كحليف لابد من تقديم المساعدة والدعم له بعد أن أغلقت الحدود وفرضت القيود على تصدير الأقنعة ومعدات الحماية الشخصية.

ومن الواضح أن هذا الأمر سيؤدي إلى خسائر بشرية واقتصادية فادحة وواسعة النطاق إلى درجة أن المفوضية الأوروبية قالت إنها تتوقع ركودًا كاملا في الاتحاد الأوروبي.

دروس مســتخلصة

وبحسب خبراء، فإن الدروس المستخلصة من أزمة وباء كورونا التي ضربت العالم، ومعه الاتحاد الأوروبي، ستدفع حكومات الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة شاملة لمبدأ "التكامل الوظيفي" الذي اعتمده الاتحاد خلال تأسيسه وتطوره.

ويتوقع أن تشهد أوروبا مزيداً من التوجهات اليمينية والسياسات "الوطنية"، وسيكون السؤال الأكثر جوهرية لدى المواطنين: لماذا أحتاج إلى الاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن أن تدفع أزمة كورونا إلى تغيير جذري في تركيبة الاتحاد الأوروبي برمته؟.


بوادر أمل في الأفق

رغم كل هذه التحديات يمكن رؤية بعض بوادر الأمل التي تلوح في الأفق. فبعد الخروج غير الحذر لرئيسة البنك المركزي الأوروبي لاغارد، أكدت المفوضية الأوروبية بقيادة فون دير لاين أنها ستتخذ جميع التدابير اللازمة لدعم الدول الأعضاء واقتصاداتها والنظم الصحية.

كما تستعد المؤسسات الأوروبية لإجراء سلسلة من التدخلات لمجابهة تأثير الوباء على الاتحاد الأوروبي بما في ذلك اقتراح حظر الرحلات الجوية "غير الضرورية" إلى أوروبا.

وفي الختام، يمكن القول بأن الأيام القادمة تمثل اختبارا حقيقيا لنضج الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الذي سينتهي إما بعودتها القوية إلى الساحة الدولية من خلال لعب دور رئيسي، أو مواصلة الانحدار الذي يستمر منذ سنوات.


اضف تعليق