في كواليس "كورونا".. حرب خفية باردة بين واشنطن وبكين


٢٥ مارس ٢٠٢٠

كتبت - دعاء عبدالنبي

حرب خفية تدور في الكواليس بين الولايات المتحدة والصين على خلفية تفشي الفيروس القاتل كورونا (كوفيد-19)، ما بين اتهامات متبادلة عن حقيقة الفيروس والمتسبب في انتشاره، وصولًا إلى مساعي كل دولة للخروج من هذه الأزمة كقوة عظمى عبر تقديم المساعدات للدول الموبوءة مثل إيطاليا، والتنافس لإنتاج اللقاح المرتقب لعلاج الملايين حول العالم ، بالإضافة إلى الاستعدادات العسكرية لمواجهة أي نزاع قادم قد يؤثر بدوره على الزعامة الأمريكية التي امتدت لعقود.

حرب كلامية

عقب انتشار الفيروس القاتل، دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وصف فيروس كورونا بـ"الفيروس الصيني"، بينما أطلق عليه وزير خارجيته مايك بومبيو اسم "فيروس ووهان"، وازداد الهجوم على الصين لتقاعسها المزعوم في المراحل الأولى لانتشار الفيروس، الأمر الذي أدى إلى غضب واستياء بكين.

فيما تناولت صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية النظريات بشكل مختلف، بأن فيروس كورونا ربما نشأ في مختبر مرتبط ببرنامج الحرب البيولوجية في الصين. مزاعم استندت إلى شهادة ضابط مخابرات عسكري إسرائيلي سابق يدعى داني شوهام.

في غضون ذلك، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي في الصين شائعات فحواها أن برنامجًا أمريكيًا للحرب الجرثومية هو سبب انتشار الوباء، وهو ما أثار حفيظة عدد كبير من الصينيين، رغم أن العلماء أكدوا أن بنية الفيروس طبيعية تمامًا وليست مصنعة.

وبحسب تصريحات لمسؤولين صينيين، أشاروا إلى أن جنوداً أمريكيين شاركوا في دورة الألعاب العسكرية العالمية التي جرت في مدينة ووهان، وتنافس فيها 10 آلاف عسكري من مختلف أنحاء العالم في أكتوبر، هم الذين نقلوا الفيروس إلى هذه المدينة.

الأمر لم يتوقف عند حد الاتهامات والحرب الكلامية بين الصين والولايات المتحدة بل تعدت لتتجاوز مراحل أكثر خطورة، للتنافس على الخروج من هذه الأزمة كقوة عظمى.

حرب معلوماتية ودعائية

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، عندما أعلنت الولايات المتحدة أنها قررت إغلاق حدودها في وجه القادمين من عدة دول أوروبية، بما فيها إيطاليا، أعلنت الحكومة الصينية بأنها بصدد إرسال فرق طبية ومواد ضرورية إلى إيطاليا البلد الأوروبي الأكثر تأثرًا بالوباء. كما أرسلت الصين مساعدات إلى إيران وصربيا للغرض نفسه.

وبالرغم من القرار الأمريكي الأخير بإرسال عيادة طبية تابعة للقوات الجوية الأمريكية إلى إيطاليا لدعمها، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن الولايات المتحدة تخسر هذه الحرب بكل جدارة في الوقت الراهن على الأقل.

والسبب في ذلك أن المساعدات الصينية تعد أمرًا حيويًّا في محاربة الوباء، ومن الضروري مواصلة التعاون في تبادل الخبرات والمعلومات الطبية والسريرية. علاوة على ذلك، فالصين منتجة كبيرة للمعدات الطبية والمواد ذات الاستخدام الواحد مثل الكمامات والبدلات الوقائية، وهي مواد ضرورية للعناية بالمصابين الذين بلغت أعدادهم مستويات خيالية.

فبعد أن تصرفت بكين بدوافع الخوف من اندلاع احتجاجات محلية نتيجة نفيها وسوء ادارتها للأزمة في مراحلها الأولى، تشن الآن حملة إعلامية محلية ودولية كبيرة للترويج لسياستها المتشددة تجاه الوباء وللتقليل من دورها في نشره وللمقارنة بنجاح بين الجهود التي تبذلها والجهود التي تبذلها الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة.

تعزيز القوة العسكرية

برغم من أزمة الفيروس، فإن البلدين سائران قدمًا في تعزيز قدراتهما العسكرية، استعدادًا لصراع عسكري محتمل في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. في غضون ذلك، برزت الصين كقوة عسكرية عظمى، على المستوى الإقليمي، والآن تسعى الصين إلى تبوؤ الموقع القيادي الذي تعتقد أنها تستحقه.

وما يدعم هذا الاتجاه، خلاصة التقرير الذي أعدته مجموعة "نورثروب جرومان" الأمريكية، والذي أوضح أن الجيش الصيني يولي أهمية كبيرة لـ"حرب المعلومات، وأن خبراء الجيش الصيني يحددون بطريقة منهجية البنى التحتية اللوجستية وانظمة القيادة والمراقبة ومراكز الثقل للولايات المتحدة الذين سيهاجمونها بطريقة شبه أكيدة في حال نشوب نزاع.

من جانبها عمدت الولايات المتحدة لعدة تحركات بهدف قطع الطريق أمام الصعود الصيني كان منها التحالف مع الهند بهدف جعل الاخيرة قوة كبرى قادرة على موازنة الصين في شرق آسيا، بالإضافة لجهود واشنطن في تطويق الصين بقواعد عسكرية في كل من بحر الصين وتايوان واليابان إلى بحر قزوين وجمهوريات اسيا الوسطى.

وفي حالة إعلان أي دولة النصر على الفيروس، سيكون لتعافي الاقتصاد الصيني دور حيوي ومهم في عملية إعادة تأهيل الاقتصاد العالمي المنهار.

زعامة العالم

‎وبالنظر إلى حالة الانتشار السريع لوباء كورونا في الولايات المتحدة وما قد ينجم عن ذلك من انهيار اقتصادي ومالي سيؤدّي بالنتيجة إلى حالة تضخم اقتصادي غير مسبوقة، وصولاً إلى المجاعة، وحصول فوضى عارمة، قد تصل إلى حدّ الحرب الأهلية، ما يهدّد وجود الولايات المتحدة الأمريكية كدولة بحسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين في الآونة الأخيرة.

إدارة ترامب أخفقت في تقبل خطورة الأزمة، ونظرت إليها بمنظار أنها فرصة جديدة لتأكيد سياستها المتلخصة في عبارة: "أمريكا أولا" وإثبات تفوقها المزعوم على باقي دول العالم. ولكن الأمر الذي على المحك الآن هو زعامة العالم.

ويرى الخبراء، أن موقع الولايات المتحدة في العالم لم يبن على أسس الثراء والقوة العسكرية فقط، ولكن بني أيضًا على أساس الشرعية من أسلوب الحكم الداخلي في البلاد وقدرتها على توفير الموارد والسلع على النطاق العالمي وقدرتها ورغبتها في حشد الردود الدولية للكوارث والأزمات.

ففي الوقت الذي أخفقت فيه واشنطن في إدارة الأزمة، تحركت الصين وبسرعة وحنكة للاستفادة من الفرصة التي أتيحت بفضل الأخطاء التي ارتكبها الأمريكيون، فالصين تقوم اليوم بملء الفراغ، وتصور نفسها على أنها زعيمة العالم فيما يتعلق بالرد على انتشار الوباء.

وهنا يشكك البعض ويعبرون عن استغرابهم من استغلال الصين لهذه الأزمة لمنفعتها، وخصوصا وأن الوباء بدأ انتشاره فيها. فقد كان رد بكين على الأزمة في ووهان يتسم بالسرية أول الأمر، ولكن منذ ذلك الحين جندت بكين مواردها الهائلة بشكل فعال ومثير للإعجاب.. فهل تقف إدارة ترامب مكتوفة الأيدي؟ في ظل التكهنات بتحضير لانقلاب عسكري وتجنيد القدرات الأمريكية لمواجهة الصين وحلفاءها في حال وصلت لمرحلة الانهيار بسبب الوباء.


اضف تعليق