في معركة المصير.. إرادة الحياة في مواجهة ثقافة الموت


٣٠ مارس ٢٠٢٠

كتبت - علياء عصام الدين

خائفون نحن من المصير المجهول الذي لم يعد مصير فرد أو مجموعة بل مصير الإنسانية كلها، نرتعد خوفًا ونحن نراقب إنجازاتنا وتطورنا ومجهوداتنا البشرية على مدار قرون تذروها الرياح أو تكاد، في مواجهة فيروس متناهي الصغر عازم فيما ما يبدو على الفتك بكل البشر دون تمييز بين لون أو جنس أو طائفة أو جنسية أو دين.

إن العاصفة هذه المرة شرسة فتاكة ولن ترحم أحدًا، ستأكل الغني والفقير، والأخضر واليابس، وسيقف التاريخ شاهدًا حائرًا في تفسير مواقف كثيرة من هذه الأزمة الكونية التي تواجه البشر في ظل اجتياح كوفيد19 للكرة الأرضية.

إننا في حرب شعواء مع طرف ما يزال مجهولًا، يهدد بتمزيقنا إربًا لو سمحنا له بذلك، جائحة تشهد تسارعًا مرعبًا دون بروتكولات أو نظام محدد بل بفوضوية تثير الرعب، فلا وجود لنسق يمكن التقاطه أو رصده حتى يمكن تفكيكه أو مواجهته، فالمعطيات حول طبيعة العدو ما تزال قليلة إن لم تكن مضطربة وغير ثابتة ومتغيرة في أحيان كثيرة.

لقد استغرق تسجيل أول 100 ألف حالة أكثر من 60 يومًا، فيما لم تستغرق المئة ألف الثانية الـ11 يومًا، والثالثة 4 أيام، والرابعة استغرقت يومان فقط، هنا تكمن الخطورة إن لم تتحد كل الجهود الإنسانية سويًّا لدحر هذا الخطر -ونحن مازلنا في البداية- فإننا لن نتمكن من معرفة كافة التداعيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لهذه المعركة إلا بعد فوات الآوان.

فهل سنخسر معركتنا الوحيدة التي أمامها نكتشف مدى ضآلة كل المعارك التي خضناها سابقًا؟

هل سيأتي اليوم الذي يقال فيه إن الإنسان أضحى عاجزًا في الدفاع عن حقه في الحياة؟

إن كل ما نعرفه أن الملايين من الناس سوف "تموت" نعم سوف تختفي من على وجه الأرض في خضم أزمة كبرى تقتضي استجابة عالمية لا تتعلق بالحكومات والدول فحسب بل بالجماعات والأفراد فردًا فردًا.

إن الثمن الذي سندفعه إذا اختل ميزان وَعْيِنَا الآن وتعاملنا واستجابتنا في هذا التوقيت بالتحديد سيكون غاليًا جدًّا، وهو ثمن سيظل وصمة عار على جبين الإنسان حتى يرث الله الأرض وما عليها.

إن هذا الثمن الذي سوف نتكبده مرهون بكل الخيارات التي سنتخذها اليوم، فالقتال اليوم فرض عين، والجهاد في سبيل الحفاظ على الحياة على الأرض أسمى معاني الإنسانية.

فالبشرية في معركتها مع الفيروس لا تدافع عن الناس وحدهم بل عن القيم الإنسانية ككل التي ناضلوا من أجل إعلائها لسنوات، فالتحام العلماء والاقتصاديين والمفكرين والأطباء وحتى الأفراد العاديين في تركيبة واحدة وفي صف واحد هو المصل الأول للدفاع عن الوجود البشري باعتباره إنجازًا حضاريًّا يستحق النضال من أجله.

وفي هذا التوقيت نحتاج لطريقة صارمة ودقيقة لقراءة كل ما توصل إليه البشر عبر التاريخ بالاحتكام للعقل والمنطق والحقائق ولا يوجد مجال لترك الاتكال والتخاذل والتباطؤ والتلكؤ يتسلل من أبوابنا الخلفية.

لا يمكن للخرافات أو الأساطير أن تقف أمام هذا الفيروس القاتل، فهو لا يعترف بها ولا يراها بل يرانا "نحن"، نحن الفريسة التي يجب أن تهرب بشتى الطرق من بين أنياب الصياد، إن نجاتنا الوحيدة الآن ستكون فقط بالركون إلى الخبرة الإنسانية في شتى المجالات، الخبرة التي ستظل هي الضامن الوحيد لانتشال البشرية من جحيم مرتقب حال استسلم الإنسان وأصبح فريسة سهلة.

وفي معركة المصير التي نواجهها تظهر ثقافتان مختلفتان تهدد إحداهما بتدمير كل شيء.

فهناك من قرروا بكل "وقاحة" أن يتركوا المعركة الأساسية جانبًا ويستكملوا حروبهم الداخلية، غير عابئين بالمصير المظلم الذي ينتظر العالم، هؤلاء من يعززون ثقافة الموت بعد أن صار واضحًا أن مجابهة هذه المحنة تقتضي التخلي عن المصالح والأجندات والخرافات التي يروجها المحتالون والجهلاء ومزوري العقائد.

إن محنة كورونا تكشف لنا حقيقة كل جوانب أولئك الذين نحوا خلافاتهم السياسية جانبًا في سبيل هدف إنساني عام في مواجهة من لا يقيمون اعتبارًا للحياة من الأساس.

أوقفوا حروبكم قاتلوا بضراوة، التفتوا لعدوكم الحقيقي، حاصد الأرواح الأعمى الذي لا يفرق بين فريق وآخر، حافظوا على أرزاقكم واقتصاداتكم، ألا قاتلوا وكأن حياتكم كلها تتوقف على هذه المعركة، توحدوا، اتركوا خلافاتكم جانبًا، لم يعد هناك خيارات بل هو نداء الواجب.

إنه الدرس الذي يجب أن يفهم وبسرعة، قد نختلف جميعًا في العقائد والأفكار والتوجهات والمناهج والطرق والأساليب، قد نختلف في كل شيء لكن يجب أن نتفق على إرادة الحياة.



اضف تعليق