نحو عبور تحدي كورونا الاستثنائي.. الإمارات نموذجًا


٣١ مارس ٢٠٢٠

كتب - حسام عيد

وسط الأزمات والظروف الاستثنائية، لطالما وجدنا الإمارات وطنًا شامخًا قادرًا على خلق فرص نجاح غير مسبوقة من قلبها، وهذا ما نراه اليوم في الإدارة الحكيمة لتحدي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

ويبدو أن فيروس كورونا؛ يمثل خطرًا كبيرًا على القطاعات الصحية، الاجتماعية، والاقتصادية، وحتى سياسيًا أيضًا مع تسلله إلى مراكز صنع القرار العالمية، لكن فرص تجاوزه كبيرة للغاية في دولة الإمارات، وهذا بفضل بنية تحتية صحية قوية، وفريق وطني يعمل على مدار الساعة، إضافة إلى كونها إحدى الدول القلائل بالعالم التي اعتمدت نهج استباقي منذ ما يقرب من 10 سنوات، وهو بناء الدولة الذكية.

لذلك ليس من الغريب أن تشيد منظمة الصحة العالمية بجهود دولة الإمارات ممثلة في وزارة الصحة ووقاية المجتمع والهيئات الصحية المحلية لأنها على استعداد تام واستجابة عالية في مواجهة فيروس كورونا الوبائي، عبر إجراءاتها الوقائية الصارمة والذكية، فهي تظل درع الوطن الذي يحمي صحة المجتمع وسلامته.







نهج الدولة الذكية في مواجهة الأزمات

على مدار 10 سنوات تعتمد دولة الإمارات العربية المتحدة نهج بناء الدولة الذكية، من خلال الاستثمار في التعلم الذكي، وفي الخدمات الإلكترونية والذكية، وفي تعزير الجاهزية لحالات الطوارئ والكوارث، وها هي اليوم تجني الثمرة عبر استمرارية العملية التعليمية والخدمات الحكومية الأساسية والاستباقية في التعامل مع الطروف الصحية العالمية.

كما أن البنية التحتية الصحية لدولة الإمارات قادرة على التعامل مع أسوأ الظروف والاحتمالات، وهو أمر إيجابي في غاية الأهمية، لأنه سينعكس على حماية صحة المجتمع ومن ثم حماية الاقتصاد وعبور أزمة كورونا العالمية أو أي أزمة أخرى.

ومنذ أن تحوّل الفيروس إلى مصدر خوف عالمي أظهرت دولة الإمارات مستوى من الاحترافية والابتكار في مواجهة هذ التهديد.

بدوره، طمأن دكتور "راكيش سوري"، المدير التنفيذي لمستشفى كليفلاند، وهي أرقى مستشفى في أبو ظبي وواحدة من أحدث المنشآت الطبية في العالم، السكان بأن البنية التحتية الطبية في الإمارات جاهزة للتعامل مع الفيروس.

في الواقع، استعدت دولة الإمارات منذ زمن طويل لهذا النوع من الطوارئ وذلك بالنظر إلى مكانتها الدولية. لقد تواصلت مع أبرز مُقدمي الخدمات الصحية والمختبرات في العالم لضمان التعرّف على طرق الاختبار الكافية والحصول بسرعة على اللقاحات فور تطويرها.





منظومة صحية رائدة

كما بدأت الإمارات في بناء منشأة طبية جديدة لاستقبال مرضى الحجر الصحي في حال انتشر الفيروس بصورة غير متوقعة.

ومن جانبه، صرّح عبد الرحمن بن محمد العويس، وزير الصحة ووقاية المجتمع، أن المنشأة ستقع بعيدًا عن المناطق السكنية للحدّ من خطر انتقال العدوى، وأضاف العويس أن هذه الإجراءات الدقيقة للحجر الصحي هي الأخيرة في سلسلة "إجراءات حازمة" اتخذتها السلطات لضمان سلامة الجمهور.

إن المسؤولين جاهزون للتعامل مع أسوأ السيناريوهات. منذ الأيام الأولى لتفشي الوباء، جرى إطلاع العاملين في القطاع الطبي على طريقة العناية بمرضى فيروس كورونا والتعامل مع الأعداد الكبيرة للمصابين.

كما جرى تجهيز كميات كبيرة من المعدات والأدوية أيضًا. ووفقًا لمسئولي وزارة الصحة، فإن مخزونات الدواء كافية للتعامل مع أي تفشي للفيروس، كما أنشأ المسئولون أيضًا فريق استجابة مكوّنًا من 535 عامل يعملون بالفعل على مدار الساعة لوضع الخطط والتعامل مع أي وضع طارئ.

وأشار وزير الصحة إلى أن الإمارات كانت من بين الدول الأولى التي خزّنت كميات كافية من المواد اللازمة لإجراء فحوصات متطورة للغاية لكشف فيروس كورونا المستجد، وما تزال حالات الإصابة بفيروس كورونا متدنية نسبيًّا، وبلغت 664 حالة معظمها لجنسيات مختلفة ومخالطين لمن كانوا خارج البلاد، وذلك حتى مساء الثلاثاء الموافق 31 مارس 2020، مع تسجيل 6 حالات وفاة.

وتعود الحالات الجديدة لجنسيات مختلفة شملت شخصا من كل من الجزائر، لبنان، باكستان، إيران، الكويت، سويسرا، تركيا، الفلبين، إيطاليا، فرنسا، أمريكا وشخصين من مصر، نيبال، وثلاثة أشخاص من بريطانيا وأربعة أشخاص من الإمارات "وواحدا وثلاثين" شخصا من الهند وجميع الحالات مستقرة وتخضع للرعاية الصحية اللازمة.

شفافية وإجراءات وقائية استباقية وذكية

اتسمت الإمارات بالشفافية الكبيرة في التعامل مع فيروس كورونا منذ رصد أول حالة مصابة به، لتتبعها سلسلة من الإجراءات الاحترازية في التعامل مع الفيروس المستجد الملقب بـ كوفيد 19.

فمنذ بداية انتشار الفيروس، حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على حماية مواطينيها وجميع المقيمين بها من هذا الفيروس المستجد، بنشر الوعي عن تدابير السلامة والوقاية التي يجب على الناس إتباعها لحماية أنفسهم.

ومن أول القرارات التي اعتمدتها الدولة هو إنشاء واستخدام تقنية "الدراسة عن بعد" لحماية طلاب المدارس.

وتم أيضاً تطبيق "العمل عن بعد" في المراكز الحكومية وتوفير الخدمات الذكية التي يمكن أن يستخدمها الجميع عبر تطبيقات الأجهزة الإلكترونية.

هذا وقد قامت الدولة بتوفير مراكز للرعاية الصحية التابعة لوزارة الصحة التي تكون متاحة على مدار الـ24 ساعة. وتوفير خط ساخن للإجابة على جميع الإستفسارات الطبية التي قد يحتاجها أي شخص.

وقد أطلقت الدولة مبادرة وطنية أطلق عليها "معًا نحصن الوطن" وهي مبادرة تفتح الفرصة للدعم من أي شخص يستطيع المساعدة في محاربة فيروس كورونا.

هذا وقد بدأت الدولة في مبادرة "خلك في البيت" التي تدعوا الجميع إلى الإلتزام فبيوتهم حفاظاً على سلامتهم وسلامة الجميع. والتي بدأ بها الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم والذي وجه رسالة للجميع على أهمية تعاون أبناء مجتمع الإمارات لمحاربة فيروس كورونا. وهذا من بعد أن أعلنت الدولة عن إغلاق مجالها الجوي لفترة معينة للحد من الإختلاط مع القاديمين من الخارج، وهذا بعد التأكد أن معظم الحالات المسجلة بالدولة هي من المخالطين لمن كانوا بالخارج.

ومن أهم الإجراءات التي يتم تنفيذها في الوقت الحالي هو "برنامج التعقيم الوطني" التي أعلنت عنه وبدأته الدولة يوم الخميس الموافق 26 مارس والذي سيستمر لتاريخ 5 أبريل.

ويعتمد هذا البرنامج على تعقيم وتطهير جميع الشوارع والأماكن العامة في أرجاء الدولة ،منع الحركة المرورية و الخروج من المنزل من الساعة الـ8 مساءاً إلى الساعة ال6 صباحاً. وهذا حرصاً على سلامة الناس، ولعدم إعاقة عمل القائيمين على التعقيم.

فيما قررت اللجنة العليا لإدارة الأزمات والكوارث تكثيف التدابير الاحترازية في منطقة الراس بإمارة دبي من أجل تسريع وتيرة انجاز عمليات التعقيم الجارية هناك وذلك نظرًا للكثافة السكانية العالية حيث تقرر تقييد الحركة في المنطقة على مدار اليوم بصورة مؤقتة لمدة الأسبوعين القادمين اعتبارًا من يوم الثلاثاء الموافق 31 مارس.

وضمن التدابير والإجراءات الوقائية المتواصلة التي تسعى قيادة الإمارات الرشيدة إلى تعزيزها وتطويرها للحد من انتشار الفيروس، افتتح الشيخ محمد بن زايد "مركز الفحص من المركبة" الذي أقامته دائرة الصحة في أبوظبي، للأفراد، للكشف عن فيروس كورونا، ووجه ولي عهد أبوظبي بتعميم ذلك النموذج على مستوى الدولة.











مختبر فريد للتشخيص بتقنيات الذكاء الاصطناعي

وعلى مسار تلبية احتياجات فحص وتشخيص الإصابة بفيروس كورونا المستجد"كوفيد-19" في دولة الإمارات العربية المتحدة، أطلقت مجموعة "جي 42" الرائدة في مجال مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتي تتخذ من أبوظبي مقراً لها، ومجموعة "بي.جي.آي" الرائدة عالمياً في مجال حلول الجينوم، مختبر حديث بقدرات معالجة فائقة لإجراء عشرات آلاف الاختبارات بتقنية RT-PCR /تقنية تفاعل البوليمرز المتسلسل اللحظي/ يومياً.

ويعد المختبر أول مختبر بهذا الحجم في العالم يتم تشغيله خارج الصين، ويأتي تأكيداً على التزام الطرفين بدعم جهود القيادة الرشيدة لتوفير أفضل الخدمات للمواطنين والمقيمين لمكافحة وباء كورونا المستجد "كوفيد-19".

يقع المختبر في مدينة مصدر بإمارة أبوظبي، وقامت المجموعتان بتشييده وتشغيله خلال 14 يومًا فقط.

ومن شأن قدرات التشخيص الجديدة أن تساعد على تسريع وتيرة الاستجابة واحتواء وباء "كوفيد-19" ومنع انتشاره، وذلك عبر تسريع عمليات التشخيص والكشف عن الحالات المشتبه بإصابتها وتخريج المرضى المتماثلين للشفاء، وفحص المخالطين والمجموعات الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى.



حزم وتسهيلات اقتصادية

لا تنفك القيادة الرشيدة لدولة الإمارات العربية المتحدة عن اتخاذ التدابير الحكيمة واللازمة لاحتواء تداعيات فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وتحصين كافة مفاصل الاقتصاد، لذلك أقرت حتى الآن حزم تحفيز اقتصادية بإجمالي 126 مليار درهم.

إضافة إلى إطلاق القطاع المصرفي في إمارة دبي مبادرة تشمل جملة من الإجراءات والتدابير والمميزات غير المسبوقة، الممنوحة لعملائه في الفترة الراهنة بهدف التخفيف من الضغوطات الاقتصادية الراهنة حتى 30 يونيو 2020.

وكذلك طرح مركز دبي المالي سلسلة من التسهيلات المالية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة والتي تمتد ابتداء من غد ولغاية 30 يونيو المقبل، والتي تساعد قطاع الخدمات المالية وجميع الشركات العاملة في المركز على حمايتها من هذه الأزمة على المستوى التمويلي.

الغذاء والدواء خط أحمر

منذ بدء تحول فيروس كورونا لأزمة عالمية، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان يؤكد مرارًا وتكرارًا أن الدواء والغذاء لدى دولة الإمارات العربية المتحدة بمثابة خط أحمر، لا يمكن التهاون تجاهه، لذلك صدر قانون المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية كخطوة ذات بعد استراتيجي لتعزيز منظومة الأمن الغذائي في الدولة من الناحية التشريعية ووضع الإجراءات القانونية لرفع اكتفاء الدولة من احتياطي السلع الغذائية الرئيسية في مختلف الظروف، بما فيها حالات الأزمات والطوارئ والكوارث وغيرها.

وتملك دولة الإمارات مخزونًا كافيًا من الغذاء لمدة زمنية تتجاوز الحدود المتعارف عليها دولياً، وتتوفر السلع الاستراتيجية والمواد التموينية بشكل كبير، إذ تملك االبلاد مخازن استراتيجية كبرى منتشرة في مختلف إمارات الدولة.

وتوضح بيانات أن السوق المحلية لديها بدائل وخيارات متعددة، وسلاسل الاستيراد تعمل بكفاءة عالية، والسلع الغذائية متوفرة في جميع منافذ البيع بشكل كبير لتلبية احتياجات المواطنين والمقيمين، وبأسعار مستقرة.

وفيما يتعلق بالمخزون الطبي، حرصت دولة الإمارات على توفير مخزون استراتيجي من المستلزمات الطبية الأساسية، اللازمة للفحص المتقدم لاكتشاف الفيروس، وحتى يوم 29 مارس الجاري، كانت وزارة الصحة ووقاية المجتمع أعلنت إجرائها أكثر من 220 ألف فحص مخبري في الدولة للكشف عن المصابين بفيروس كورونا المستجد "كوفيد19"، وهو من أعلى الأقام على مستوى العالم.


الدعوة لتكاتف دولي

وعبر مشاركة الإمارات في الاجتماع الاستثنائي لمجموعة العشرين للتجارة والاستثمار على المستوى الوزاري، الذي عقد افتراضيًا يوم الثلاثاء الموافق 31 مارس 2020، عبر الاتصال المرئي بحضور وزراء التجارة والاقتصاد والاستثمار في دول المجموعة وممثلي عدد من المنظمات العالمية المعنية.

شدد وزير الاقتصاد سلطان بن سعيد المنصوري -خلال مداخلته- على أهمية تعاون دول المجموعة في هذه المرحلة لضمان سلامة التجارة واستمرارية أنشطتها باعتبارها شريانا لتوفير احتياجات الناس في مختلف مناطق العالم ومحركا لعودة الانتعاش الاقتصادي.

وأوضح أنه لن يتم الوصول إلى المستلزمات الطبية بدون تجارة، وخلال الأزمة الحالية المتعددة الأبعاد، صحيًا وإنسانيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، يعد ضمان التدفق السلس للتجارة عبر الحدود وكفاءة سلاسل التوريد للسلع الأساسية أمرًا بالغ الأهمية، والتعاون اليوم في تيسير التجارة عبر الحدود هو أمر جوهري، ويعد تطبيق قواعد التجارة "المريحة" من المكونات الرئيسية لتسهيل حركة البضائع.

ودعا الجميع إلى التعهد للتعاون على نطاق دولي بأكثر الأساليب صدقًا وشفافية من أجل حماية الاقتصادات وتحقيق النمو للمجتمعات.

وانطلاقًا من دورها الإنساني، فزعت دولة الإمارات عبر دبلوماسيتها الناعمة الحكيمة لرفع الضرر عن الدول التي تفشى بها الوباء بشكل بالغ منذ ظهوره، مثل إيران والصين وأفغانستان، وذلك عبر تسيير جسر غوث جوي يحمل مساعدات ومستلزمات طبية، قفازات، وكمامات وقائية.


مؤشرات وأرقام ومبادرات وسياسات، جميعها تظهر مدى كفاءة وقدرات منظومة العمل الوطنية الإماراتية، وتؤكد جاهزيتها الفائقة للتعامل مع فيروس كورونا المستجد.

ومثلما قال الشيخ محمد بن زايد، هذا الوقت سيمضي بالصبر والجهد والوقاية والتكاتف والإيجابية وروح التفاؤل، فجميعها دروس يستقيها الإماراتيون من الوالد المؤسس الشيخ زايد، وعبر الاقتداء بها سيخلقون من تحدي كورونا نموذجًا رائدًا لتجاوزه، وسيظل محفورًا بذاكرة الوطن.



اضف تعليق