كاتب: حسنًا فعلت جماعة الإخوان في التعامل السلبي مع كورونا


٠٢ أبريل ٢٠٢٠

رؤية

في مقاله على صحيفة العرب الدولية، قال الكاتب المصري، محمد أبو الفضل، المتابع عن كثب للشؤون المصرية وجماعات الإسلام السياسي، إنه لا وجود للوطن في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، وأن استغلالها لأزمة كورونا وما ترتب عليها من تداعيات، في محاولة للنيل من الدولة المصرية، أكد جملة من الأفكار التي طالما اتصلت بالجماعة منذ نشأتها، فأكد هذا التعامل الانتهازي أن الجماعة لا تقيم للوطن أي اعتبار، وأثبت أنها تضع مصالحها الأيديولوجية قبل كل المشاغل الوطنية الأخرى، وأقام الدليل ثالثا على أنها تصر على المرابطة في معاقلها المتحجرة التي تأبى كل مراجعة أو تقييم.

وجاء في مقاله: أكد طارق البشبيشي، القيادي السابق بجماعة الإخوان، أن تقرير مؤسسة ماعت الذي كشف استغلال جماعة الإخوان الإرهابية لأزمة الفيروس لترويج الأكاذيب ليس مستبعدًا عن هذه الشرذمة من البشر الذين فقدوا تمامًا أي شعور إنساني، بل على العكس تماما تدنوا إلى مستوى أكثر انحطاطا في توظيف الوباء العالمي لمصالحهم السياسية.

لا يزال بعض الكتاب العرب يحسنون الظن بجماعة الإخوان، فأحدهم عاتب قيادة الجماعة قبل أيام لأنها فوتت فرصة ثمينة للعودة إلى جادة الصواب، حيث كان بإمكانها الاستفادة من محنة فايروس كورونا وتحويلها إلى منحة، وتصحيح الأخطاء السياسية التي ارتكبتها في حق نفسها، والتكفير عن جرائم إرهابية فعلتها في حق دول كثيرة.

لم يدرك صاحبنا أن الجماعة لو فكرت بهذه الطريقة لتغيّرت أمور كثيرة، وما كانت هناك حاجة إلى فيروس الإخوان الذي تحّور منذ عقود حتى وصل إلينا بهذه الطبعة المَزيدة والمنقحة. نشأت الجماعة ونمت في كنف معتقدات خاطئة حول صورة الوطن، ووصلت إلى ما فيه الآن بعد أن حفلت نظرتها إلى المجتمع بالكذب والمناورة والانتهازية.

تبنّت حكمًا مسبقًا للأزمة يؤكد أن الجائحة مصدرها مصر، منها خرجت لتجتاح العالم، ومنها جاءت لتتعمد تدميره، شككت في المعلومات الرسمية وتجاهلت تقارير منظمة الصحة العالمية، وتوقفت فقط عند المشاهد المزيفة التي تبثها كاميرات كوادرها، والأخبار التي ترددها ليلًا ونهارًا عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التابعة لها، وأدمنت صياغة أجندتها بعيدًا عن العالم ونواميسه وطقوسه، وهي غير مكترثة بالعلم والمنطق والتفكير لأن هذه القيم من ألدّ الأعداء وأشد الخصوم.

لو لجأت إلى نشر هذه القيم النبيلة لفقدت دورها وبريقها ولم يلتحق بها أحد، فكل من يستخدم هذه الفضائل لا يمكث يوما في الجماعة، والانشقاقات التي حدثت في جسمها وضربت كيانها نجمت عن إعمال العقل الذي يرفض تصوراتها. كل من نبذوها كانت تهمتهم أنهم أعملوا فضيلة العقل، ووجهوا إلى قياداتها انتقادات نالت من سمعتهم السياسية والإنسانية، لأنهم يقودون جماعة لا تعرف سوى تفكير القطيع، تسعد بالأزمات، وتجيد اللعب على الأسطح ووسط الأوبئة، وإذا خرجت من هذه البيئة تتعرض لمزيد من الدمار والتفكيك.

حسنا فعلت الجماعة في توظيفها السلبي للأزمة، لأنها لو تصرفت بشكل إيجابي وأعادت ترتيب أوراقها من نقطة التفاعل الإنساني لكسبت أرضا سياسية، ومحت جزءا كبيرا من جرائمها السابقة، فالناس عاطفيون بطبعهم ويمكنهم قبول التسامح إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، لكن جماعة الإخوان سدّت الأبواب وأغلقت النوافذ التي يمكن أن تعبر إلى نهاية النفق، بالتالي تفقد إحدى أهم أدواتها في المتاجرة السياسية، وهي المظلومية التي تعد ورقتها الرابحة تاريخيا.

تعاملت الجماعة مع كورونا كأزمة يمكن أن تلصق التهم بالنظام المصري، بذريعة تهاونه في الحفاظ على حياة البشر، وكوسيلة يمكن أن تؤدي إلى الإفراج عن الكثير من أعضائها في السجون، ومدخل جديد لإحراج القاهرة أمام المجتمع الدولي، وأغمضت أعينها عن أن العالم تجاوز القرية الصغيرة وأصبح مفتوحا بحجم كف اليد من خلال موبايل، ولم تأخذ في حسبانها أن الشائعات التي تقوم بترويجها يمكن مواجهتها ودحضها سريعا.

حسنا فعلت الجماعة في توظيفها السلبي للأزمة، لأنها لو تصرفت بشكل إيجابي لكسبت أرضا سياسية، ومحت جزءا كبيرا من جرائمها السابقة

حصرت مشكلة المسجونين في أعضائها وكفى، وسعت للضغط بهذه الأداة للحصول على تعاطف حقوقي جديد، ولم تعبأ بأن نسبة كبيرة في العالم تعيش داخل سجون – بيوت مغلقة، لكن الجماعة كان جُل همها أن تحشر قضيتها دون أن تبحث عن وسيلة لتفريج الهموم الوطنية.

ركزت الصورة على المقاطع القاتمة وما تقع فيه الحكومات المناوئة لها من أخطاء، مع أن كل الحكومات تقريبا في الدول الغنية والفقيرة لم تهمل مواجهة كورونا، وتعاملت معه باعتباره فايروسا يمكن أن يقضي على الأخضر واليابس، ومن الضروري التصدي له.

طربت جماعة الإخوان لما يحققه كورونا من تدمير، فقد يعيد صياغة المنظومة السياسية العالمية، ويخلق أوضاعا تسمح بتحركها بدرجة عالية من الحرية، على أساس أن الانشغال بالمكافحة يمكن أن يتسبب في عدم الاكتراث بتحركات الإخوان، ويسمح بتسلل أنصارها إلى قاع المجتمع، والبناء على تداعيات الأزمة في استرداد الحواضن السياسية مرة أخرى.

شكرا لقيادات الجماعة التي حافظت على نهجها، فلو غيرت أسلوبها وتفاعلت مع الأزمة بإيجابية وأخذتها فرصة للمراجعة والتقييم لأحدثت انقساما في صفوف خصومها، ومنحت من يدعمون فكرة المصالحة السياسية أملا يجددون به نشاطهم الذي خمل بعد إصرار الجماعة على جرائمها وفشلها في تقديم رؤية تتناسب مع التطورات، فلا تزال هناك كوادر تردد شعارها الأثير "بُكره العصر مرسي راجع القصر"، دون أدنى اهتمام بأن الرئيس الإخواني محمد مرسي، خرج من القصر منذ سبعة أعوام، وتوفاه الله منذ نحو عام.

حافظت جماعة الإخوان على أدبياتها التواكلية، وردد أنصارها أدعية على فايروس كورونا، وواظبوا على الترويج لمقولة أن كورونا غضب من الله على النظام المصري وحده، متناسية أن الجائحة جابت العالم شرقا وغربا، وكبدت دولا كبرى خسائر فادحة، ولو تعاملت معها حسب المعطيات الحقيقية للأزمة والمكونات العلمية التي تنطوي عليها لتمكنت من توسيع دائرة التأثير، وضاعفت أعداد المغرمين بها، غير أنها مصرة على التمسك بالعدد المحدود المتيّم بها، لأن الكثافة لا تهم بقدر ما تهم الانتقائية والطاعة العمياء.

غلّبت الجماعة العناصر الذاتية على العناصر العامة كعادتها ورفضت أن تفكر خارج الصندوق، وتتخذ من الأزمة قاعدة جديدة للانطلاق، تمسكت بالثوابت التي تدفعها إلى التعامل مع المحنة من منطلق ما تجنيه من مكاسب مباشرة، أو ما تقلله من خسائر غير مباشرة، لذلك قفزت على الكثير من المشاهد الإنسانية المؤثرة، ووضعت كورونا في بوتقة ضيقة من النواحي السياسية، لم تعبأ بمصابين أو أموات، حتى تتمنى أن يواصل الفايروس انتشاره لأكبر فترة ممكنة.

بل كانت تعتقد أن وجوده يغطي على إخفاقاتها السابقة، ويؤدي إلى تهيئة الفرصة للقبض على زمام الأوضاع من خلال إعادة إحياء تغلغلها في القواعد الشعبية عبر سلاح المساعدات، بعد الدمار الذي خلفته الجائحة لعدد كبير من الوظائف.

تغافلت عن أن الأجواء العامة في مصر تغيرت، وتحركها وسط البسطاء جرى تحجيمه وتطويقه، وتوقفت هيمنتها الدائمة على الزوايا الدينية والمساجد، وجرى سد غالبية المنافذ التي نجحت الجماعة من خلالها في الوصول إلى شرائح كبيرة من الناس، وبدأت مؤسسات الدولة تقوم بدورها، وجاء كورونا ليعزز هذه الأدوار.

حسنا فعلت الجماعة في التعاطي بصورة قاتمة مع كورونا، لأنها لو تظاهرت بالتفاعل الإيجابي وأظهرت قدرا من حسن النوايا لخففت حدة النقمة عليها، وأوقفت مسيرة استهدافها وتجفيف منابعها، وربما فرضت إعادة النظر في وضعها على قوائم الجماعات الإرهابية في دول كثيرة، ووفرت غطاء سياسيا لغيرها من التيارات الإسلامية.

حسنا فعلت أيضا، فلو تعاملت برشد مع كورونا لتمكنت من جمع شمل الحركات المتطرفة حولها، وحدّت من درجة التكاتف الإقليمي الصاعد ضد الجماعات التي تمارس العنف في المنطقة، وخلقت أمام أنصارها في دول مختلفة مجالا لضخ دماء تساعدها على تخطي حزمة كبيرة من الحواجز السياسية والأمنية. وشكرا لأنها لم تخيب ظن الكثيرين في إدمان الفشل.


اضف تعليق