انسحاب القوات الأمريكية.. مراوغة عسكرية تربك حسابات بغداد


٠٥ أبريل ٢٠٢٠

كتبت - دعاء عبدالنبي

في خطوات متلاحقة، بدأت القوات الأمريكية بالانسحاب من قواعدها العسكرية بالعراق تزامنًا مع تفشي جائحة كورونا والتهديدات المستمرة من قبل الميليشيات الموالية لإيران بعد مقتل "سليماني" في بغداد.. انسحابات متتالية تثير التساؤلات بشأن أسباب الانسحاب الأمريكي بعد أشهر من تصويت البرلمان العراقي على إخراج القوات الأجنبية، فهل تراجعت واشنطن وقررت الانسحاب من العراق؟ أم هناك مناورة خفية ظاهرها الانسحاب وباطنها تحصين قواعدها بصواريخ باترويت استعدادًا لشن حملة عسكرية أوسع؟

انسحابات متتالية

أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على سحب قواتها من ثلاث قواعد عسكرية في العراق، الأولى في قضاء القائم بمحافظة الأنبار، والثاني في قضاء القيارة بمحافظة نينوى، والثالثة بين العاصمة بغداد ومحافظة كركوك.

جاءت الخطوات الأمريكية بعد شهور من التهديدات والاستهدافات المتكررة مع مطالب عراقية رسمية وشعبية بإنهاء التواجد العسكري الأجنبي من البلاد.

وبحسب المختصين، فإن واشنطن تسعى لتحقيق هدفين في هذه المرحلة، الأول امتصاص بعض الغضب السياسي والشعبي العراقي ضدها، والهدف الثاني يتمثل بالعمل على تجميع وتركيز القوات الأمريكية في مواقع اكثر تحصينًا وأمانًا لتكون بمنأى عن صواريخ الجهات الرافضة  لوجودها في العراق.

وبرغم من أن هذه الخطوة يراها البعض أساسية لتصحيح مسار العلاقات بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية وفتح صفحة جديدة على ضوء المطالب الرسمية والشعبية العراقية لإنهاء التواجد الاجنبي من البلاد، رأى فيها البعض الآخر مجرد مناورات ومراوغات من قبل صناع القرار وساسة واشنطن لامتصاص الغضب العراقي وتمرير الأجندات والمشاريع المطلوبة بأدوات أخرى تتناسب مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها.

مراوغة أمريكية

من منطلق التحركات الأخيرة، فإن واشنطن لم تسحب قواتها نهائيًا من العراق وإنما نقلتها من مواقع معينة إلى مواقع أخرى لاعتبارات وضرورات أمنية وسياسية، أي انها قامت بعملية اعادة انتشار او ما يصح تسميته إعادة هيكلة لتلك القوات ليس إلا، أو كما يصفها البعض هروبًا الى الأمام.

وبحسب المصادر الإعلامية، فإن القوات الأمريكية التي تتمركز في أربع عشرة قاعدة عسكرية، هي عين الأسد والقيارة والحبانية وكي وان وبلد والتاجي والتون كوبري وفيكتوري والرطبة والقائم إلى جانب أربع قواعد في إقليم كردستان، واحدة في سنجار وأخرى في أتروش، واثنتان في حلبجة تقعان على مرمى حجر من الحدود العراقية-الإيرانية.

والمرجح حاليًا هو أن القوات الأمريكية ستنهي وجودها في القواعد العسكرية قرب بغداد والانبار وكركوك لتركزها في إقليم كردستان ونينوى، ومن ثم فإن الاستراتيجية الأمريكية تهدف إلى تعزيز التواجد العسكري في العراق وعموم المنطقة لمواجهة إيران، ولتعزيز الحماية للأطراف والقوى القريبة من واشنطن، وأي خطوات كما يقول المختصون خلاف ذلك فإنها لا تعدو أن تكون اجراءات تكتيكية مرحلية تصب في اطار تفعيل وتعزيز التوجهات الاستراتيجية بعيدة المدى.

تكتيكات تحدث عنها محللون عراقيون أكدوا مساعي واشنطن لتحصين نفسها في قواعد محددة بغطاء دفاعي من صواريخ باترويت وكافه الامكانيات الدفاعيه بدلًا من تشتيت تلك القوات في أماكن عديدة، وأيضًا لتلافي أي ضربات لقواعدها في حالت ردت فصائل المقاومة على اي خروقات امريكية محتملة بالفترة المقبلة.

مغامرة مُربكة

هذه التوجهات أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر فبراير الماضي، قائلًا: "إن أحد الأسباب وراء رغبتنا في الإبقاء على قواتنا في العراق هو أننا نريد مراقبة إيران على نحو ما، لأن إيران تمثل مشكلة حقيقية، وأريد أن أكون قادرًا على مراقبتها”.

وما يعزز حقيقة التوجهات الأمريكية، ما سربته صحيفة نيويورك تايمز من وجود نية لدى البنتاجون بإرسال ثلاثة آلاف جندي إلى العراق، إذ ذكرت الصحيفة في تقرير لها نشرته مؤخرًا، "إن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت توجيها الأسبوع الماضي للتحضير لحملة عسكرية في العراق تهدف لتدمير فصائل تدعمها إيران بعد أن هددت بشن ضربات ضد القوات الأمريكية".

وفي الوقت الذي أيد فيه وزير الخارجية مايك بومبيو وأعضاء في مجلس الأمن القومي هذه الخطوة، رأى فيها قادة عسكريون كبار في البنتاجون مغامرة خطيرة يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة، مثلما قال قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال روبرت وايت، من "أن خطوة كهذه قد تكون دموية وتسبب حربًا مع إيران".

 هذه الصورة المرتبكة والمضطربة والغامضة في ظل كابوس كورونا القاتل، والأرقام التصاعدية المرعبة للإصابات والوفيات في عموم الولايات الأمريكية، تعكس في جانب كبير منها تخبط واشنطن وفقدانها للبوصلة، وما يقوله ويتحدث به ترامب يوميًا يكفي دليلا على ذلك.

وبحسب المحللين، فهناك تبعات كثيرة سيخلفها الانسحاب الأمريكي من تلك القواعد التي تقع في منطقة الحضر جنوب غرب الموصل على الحدود العراقية السورية، والتي تعد مركزًا لانطلاق هجمات مقاتلي تنظيم داعش، ومن ثم فلن يكون للقوات الأمريكية وجود في هذه المنطقة إلى كل من الأنبار وصلاح الدين إضافة إلى الموصل وترابطها مع العمق السوري، وهذا ما قد يفاقم من هجمات التنظيم الذي قد يتحالف مع فصائل أخرى لاستهداف أكبر للقوات الأمريكية في العراق.







اضف تعليق