لوحات إدوارد هوبر.. الملصق الدعائي لثقافة الحجر الصحي


٠٦ أبريل ٢٠٢٠

أماني ربيع

من لم يسمع عن إدوارد هوبر أحد أشهر الفنانين المعاصرين في القرن العشرين، كان ريشة العزلة الوجه القبيح للتقدم في المدن الكبيرة، حيث تتقلص المسافات وتتمدد الوحدة، كانت لوحاته تصويرا للاغتراب الاجتماعي داخل المدينة، شخوص هذه اللوحات يعانون الوحدة حتى لو كانوا أزواجا أو ضمن جماعة.

حتى المطعم الذي قد يكون أكثر الأماكن ازدحاما وضجيجا نجده في لوحة Nighthawks، باردا وشبه فارغ، وكل شخص فيه شارد في عالمه الخاص، نرى مشهدًا يضم ثلاثة أشخاص - اثنان منهم يتناولان القهوة، أحدهما يجلس بمفرده، وفي الخلفية المدينة الفارغة، والصورة تجسد مطعما حقيقيا في حي ويست فيلدج في نيويورك.

في كتابها The Lonely City ، تحدثت الكاتبة أوليفيا لينج، عن حياتها في نيويورك، وقالت: "دهشت حين وجدت نفسي محاطة بعدد أكبر من الناس أكثر من أي وقت مضى، لكنني رغم ذلك، كنت وحيدة أكثر."


جعل هوبر الفنان المولود في نيويورك عام 1882، العزلة عمل حياته، وبينما كان سكوت فيتزجيرالد يؤرخ للإنسان كحيوان اجتماعي يقضي أوقاته في الحفلات في عصر الجاز، رسم هوبر أشخاصًا ربما لم يُدع أحدهم إلى حفلة في حياته.

هذه الوحدة المخيمة على لوحات أبطال هوبر رغم حياتهم الملونة، وانكشافهم أمام الضوء الذي يعري حالتي العزلة والاغتراب، قد تكون سببا رئيسيا في تقدير أعماله حول العالم، وتحقيقه لنجاح تجاري كبير خلال حياته، حيث تبدو لوحاته وكأنها تشريحا نفسيا للمواطن الأمريكي بين عشرينيات وخمسينيات القرن الماضي، الذي كان يعيش حبيسا لقلقه وهواجسه الخاصة.

عاد هوبر الذي مات قبل نصف قرن، وعاش في زمن مختلف تماما عن زمننا الحالي، إلى الواجهة مجددا خلال الفترة الماضية بعد اتجاه معظم مواطني دول العالم إلى البقاء في منازلهم ضمن الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، وشارك الآلاف لوحات هوبر، التي اعتبروها تنبؤا بشكل الحياة في العزل الصحي، حيث الأفراد موجودون في نفس المكان لكن بعيدون عن بعضهم البعض، والقرب من الآخر يشبه الانتحار.


في عالم هوبر لا يتطلب الأمر وباء لعزل الأرواح والأجساد، فالحياة غير الودية كافية تمامًا لهذا الغرض، حيث النوافذ الزجاجية الباردة، والمباني الحضرية الشاهقة يعيش بداخلها البشر في شقق مكتفية ذاتيا، وهكذا يصبح نسيج المدينة الحديثة آلة تفرز العزلة.

ربما كانت وجهة نظره، تمثل نظرته لأمريكا بين الحربين العالميتين، فقد عاش أوقاتا مضطربة من تاريخ العالم، بدءا من الحرب العالمية الأولى، ثم تفشي الإنفلونزا الإسبانية في جائحة مماثلة لما نعيشه الآن، وإن كانت أوسع انتشارا وأشد فتكا، بالإضافة إلى فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، وانتهاء بالحرب العالمية الثانية، التي بانتهائها بدى وكأن الإنسان قد فقد هويته، وفقد الإيمان بمعنى الحياة، بعدما عاش لسنوات مريرة في وجه الموت.

هذا العالم المخيف الذي عاش فيه هوبر، ربما أجبره على رسم تلك الشخصيات المنعزلة، التي فضلت الوحدة القلقة على الانزلاق في عالم لا يرحم.



وتعكس زيادة شعبية هوبر الأخيرة مأزقنا الحالي، بينما ننتظر أن يغادر هذا الضيف غير المرغوب فيه "كوفيد – 19". فيروسات التاجية" منازلنا، ويبدو عالمه الملون شبيها بشكل غريب بعالمنا الحالي، وهو ما نلاحظه في لوحات مثل: Automat" 1927" أو "Nighthawk" 1942 أو "Morning" 1952.



قبل شهرين أو أقل من الآن، كان الكثير منا يعيش ويعمل في عالم سريع خطواته محمومة مليئة بالكافيين والفرص التي لا نهاية لها، مسافرون وازدحام، والتصاق بالآخر في الشوارع والمواصلات وفي كل مكان، اليوم قد يكون العديد من الناس يمرون بتلك الأزمة بمفردهم، أو مع أسرهم، يمارسون حياتهم بـ "البيجاما"، ويفكرون في شرود بالمستقبل، وبدأت الحياة تدريجيًا تأخذ هذا التشابه مع لوحات هوبر مثل لوحة " Morning sun"، التي أكملها في عمر السبعين، وتجسد زوجته جو.

تبدو جو في اللوحة محاطة بهالة من الضوء الذهبي، منعزلة عن العالم الخارجي، ومثل كل شخصيات هوبر كانت عزلتها اختيارية تلجأ إليها كحاجز يقيها شرور مدينة كبيرة مخيفة، تجعلها شخصًا غير مهم، وفي وقتنا الحالي يتم تذكيرنا باستمرار عبر التحليلات الإحصائية، وبيانات السكان الضخمة، وترجمة الأرواح البشرية أو الوفيات إلى أرقام، بأننا غير مهمين.

وهكذا تبدو جو في اللوحة تمامًا، مثلنا الآن، مجرد أسماك صغيرة محاصرة في جائحة عالمية، نعيش تحت رحمة الطبيعة، التي لا يمكننا السيطرة عليها مطلقا.

إننا بعيدون جدا عن بعضنا البعض، نجلس وحيدين أمام نوافذنا، التي تطل على مدينة فارغة، تمام مثل جو، وهكذا يصبح من السهل جدا أن نرى أنفسنا في لوحات هوبر، ونشاركها عبر مواقع التواصل، خاصة وأنها تخبرنا أيضا، أننا جميعا في نفس القارب في غرفة مماثلة، نتأمل مستقبل الوجود البشري.



والوحدة سمة رئيسية في الحياة المعاصرة، خاصة في المدن الكبيرة،  وقد يكون هذا سببًا في تواجدنا المكثف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي نستخدمه كواجهة افتراضية لإخفاء القلق الكامن في نفوسنا، وطريقة للعثور على اتصال اجتماعي مع الغرباء لدرء وحش الوحدة.

قبل شهرين أو أقل من الآن، كنا نتمنى عودة البساطة في مواجهة المادية، والحياة البطيئة المتأنية في مواجهة السرعة، لكننا جميعا ننتظر اللحظة التي يمكننا فيها العودة إلى إيقاع حياتنا السريعة التي ترفع شعار الاستهلاك الذي كان سببا في الاحتباس الحراري والأزمات النفسية لدى العددين.

ربما نتعلم من لوحات هوبر، أننا غير قادرين على التحكم في فوضى العالم الخارجي حولنا، وأن أسلم شيء الآن هو الابتعاد عن الآخرين، ومحاولة سبر عوالمنا الداخلية، لإيجاد صوتنا الخاص.








اضف تعليق