الأوقاف المصرية.. مبادرة جديدة نحو وعي ديني في زمن الابتلاءات والشائعات


٠٦ أبريل ٢٠٢٠

حسام السبكي

استكمالًا للدور الذي تلعبه المؤسسات الدينية بشكلٍ عام، في وقت المحن والأزمات، تصدرت وزارة الأوقاف المصرية المشهد مجددًا، بطرح مبادرة جديدة، تهدف لتزكية الوعي الثقافي والديني، بعيدًا عن مأرب الشر والسوء، التي تنتهجها بعض الفئات المحسوبة على الدين، والتي تسعى بشتى السبل والوسائل، إلى خدمة أهدافها وأغراضها السياسية، على حساب البسطاء، ضاربين بكل القواعد الشرعية والفقهية عُرض الحائط!.

في هذا السياق، أعلنت وزارة الأوقاف المصرية، عن إطلاق مبادرة حملت اسم " معًا لخطاب ديني مستنير"، بغية تكثيف الرسائل الدعوية لعموم الناس داخل القطر المصري، وحتى خارجه، في زمن عج بالشائعات والأكاذيب التي كرست نفسها لتهويل المواطنين وبث الذعر في نفوسهم، على خطة الأزمة الحالية "كورونا"، ووصل الحال إلى إحباط العمل الشرعي، وإسقاط الثواب المتحقق من أداء الفرائض والأركان، بفتاوى أقل ما توصف به بـ "المضللة".

معًا لخطاب ديني مستنير


تناقلت وسائل الإعلام المصرية، في الساعات القليلة الماضية، نبأ تدشين وزارة الأوقاف المصرية، مبادرة "معًا لخطاب ديني مستنير"، والتي تتزامن مع الحملات والرسائل الدعوية المكثفة التي تبثها عبر عدد من البرامج التلفزيونية والإذاعية والمواقع الإلكترونية، ومن خلال بوابة الوزارة العريقة على الشبكة العنكبوتية.

في هذا السياق، أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، في تصريح له، أن المبادرة تأتي في إطار تكثيف جهود الوزارة ورسالتها الدعوية، ودورها التجديدي، وحرصها على نشر الفكر الوسطي المستنير، والتعامل مع قضايا الواقع ومستجداته بروح تتسق وما يقتضيه فقه الواقع، في إطار الحفاظ على الثوابت الشرعية في ضوء فهم المقاصد العامة لديننا السمح.

الوزير أضاف في تصريحاته، أن المبادرة تأتي في إطار تعاونها مع سائر المؤسسات الإعلامية الوطنية، مؤكدًا استعداد الوزارة للتعاون الكامل مع كافة المحطات التلفزيونية والإذاعية والصحف والمواقع الإلكترونية، ومختلف المؤسسات الوطنية الراغبة في المشاركة بالمبادرة التي تهدف إلى نشر الثقافة الدينية الرشيدة على نطاق واسع، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن ديننا السمح، مع تعزيز روح التسامح الديني والانتماء الوطني، والأخذ بروح العلم والإيمان معًا، وبيان أن الأديان إنما جاءت لصالح العباد والبلاد، وأنه حيث تكون المصلحة المعتبرة فثمة شرع الله عز وجل.

واختتم الوزير السابع عشر لوزارة الأوقاف، تصريحاته بالتأكيد على أن المبادرة تأتي أيضا في إطار عمارة الدنيا بفهم صحيح الدين وليس تخريبها أو تعطيل مصالح البلاد والعباد باسم الدين، إما جهلًا وتحجرًا وسوء فهم للدين وإما متاجرة به.

ولفت جمعة، إلى أنه قام بتكليف الدكتور هشام عبد العزيز أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بأن يكون منسقًا عامًا للمبادرة، ويعاونه في ذلك فريق من شباب علماء الوزارة.

الواعظات أول المشاركين


فور إعلان الأوقاف إطلاق المبادرة، وعقب تلقيه التكليف بمهمة المنسق العام لها، صرح الدكتور هشام عبد العزيز أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بأن واعظات الأوقاف سيشاركن بقوة في مبادرة معًا لخطاب ديني مستنير.

وأوضح عبد العزيز، أن آليات مشاركة واعظات الأوقاف في المبادرة، تتمثل في إسهامهن الدعوي في المبادرة أو من خلال صفحاتهن الخاصة، قصد نشر الفكر الوسطي المستنير، و كذلك عبر البرامج التليفزيونية والإذاعية والمواقع الإلكترونية وبوابة الأوقاف الإلكترونية ومن خلال استخدام الوسائل الإلكترونية المتعددة.

تصدي للأفكار الهدامة في زمن الفتن


تتعدد وتتنوع، المواقف التاريخية للمؤسسات الدينية المصرية، على مدار تاريخها العريق، وفي القلب منها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، وربما لا يتسع المقام هنا لسردها على نحوٍ تفصيلي، ولكننا بالإمكان الاستعانة فقط بموقف فريد وقوي، معهود على الوزارة منذ إنشائها في عام 1835م في عهد محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة.

فقبل أيام، وفي آخر تعليقات الوزارة المصرية العتيقة، ومع الانتشار الواسع مع الأسف للفتاوى المضللة والمخربة للعقول، اضطرت على أثرها الأوقاف للرد بالحجة والبرهان على من يرددون بعدم جواز إغلاق المساجد، برغم الشدة والمحنة الحالية، التي دفعت بلاد الحرمين بقيادتها وقامتها الدينية الرفيعة لإغلاق مهد الرسالة الخاتمة في كلٍ من مكة المكرمة والمدينة المنورة.

فذكر الدكتور محمد مختار جمعة، في حديثه بهذا الشأن، أن للأحوال العادية أحكامها، وللنوازل أحكامها، والطامة الكبرى في انسداد أفق من لا حظَّ لهم من العلم النافع، ممن جمدت عقولهم عند حفظ بعض المسائل أو الأحكام الجزئية دون أن يلموا بشيء من فقه الأولويات أو فقه النوازل، ولم يفقهوا شيئًا من قضايا الاستحسان والاستحباب، أو المصالح المرسلة، ودون أن يحسنوا ترتيب الكليات أو المقاصد الضرورية، ولم يفقهوا مراد الشارع منها، إنما جعلوا عمدتهم ورائدهم في كل شيء بعض ما حفظوه من بطون الكتب أو ما أخذوه على يد كبيرهم في الجماعة أو التنظيم، فيحفظونه وكأنه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل إن أحدهم يجادلك في فهم النص القرآني المقدس ولا يسمح لك أن تراجعه أو تناقشه في كلام شيخه ومرجعه، لأن الولاءات التراتبية في هذه الجماعات لا تسمح بالنقاش أو المراجعة أو الحوار العقلي.

ولذا كان الإجماع بالمناسبة، من علماء الأمة الثقات، على مر العصور، على رفض التحزب والجماعات على الإطلاق.

وأضاف وزير الاوقاف في مقال له عبر "صفحته الرسمية" قائلا: للأسف الشديد لا يزال هناك متحجرون يقفون عند ظواهر النصوص لا يتجاوزون الظاهر الحرفي لها إلى فهم مقاصدها ومراميها، مؤكدًا أن العلماء والفقهاء والأصوليون على أهمية فهم المقاصد العامة للتشريع, فهي الميزان الدقيق الذي تنضبط به الفتوى ومسيرة تجديد الخطاب الديني معا.

وأوضح جمعة، الذي لا خلاف فيه أن الحفاظ على النفس البشرية أحد أهم المقاصد الضرورية التي حث الشارع الحنيف على المحافظة عليها، فأباح للمضطر أن يأكل من الميتة المحرمة شرعًا بما يحفظ به أصل النفس، وكذلك لو أشرف على الهلاك ولم يجد سوى رشفة خمر لا تحفظ حياته إلا بها، وكذلك من أكره على الكفر وخشي على نفسه الهلاك وقلبه مطمئن بالإيمان، حيث يقول الحق سبحانه : "إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ "(النحل : 106) .

وفي ضوء هذه المعاني مجتمعة كان قرار إغلاق المساجد وقت انتشار أي وباء حفاظًا على نفس الساجد، وكان إلغاء أي بعثة حج على نفقة وزارة الأوقاف هذا العام، وتوجيه ما كان مخصصًا لذلك للمتضررين من آثار فيروس كورونا وللأسر الأولى بالرعاية، ولا سيما من فقدوا فرصة عملهم من العمالة غير المنتظمة من عمال اليومية ومن في حكمهم من العاملين بالمجالات التي تأثرت بالظروف الحالية، لأن الحفاظ على النفس البشرية وحفظ كرامتها وإنسانيتها مقدم على حج النافلة أو أداء العمرة.


اضف تعليق