فول المستوقد ومكامير المدمس.. لذة ليتها تعود


٠٦ أبريل ٢٠٢٠

كتب – هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

بعد أسبوعين يستقبل المسلمون شهر رمضان المعظم، أعاده الله على الجميع بالخير واليمن والبركات، ونسأل الله الشفاء من كل داء لكل البشر، نكاد نستقبل الشهر الفضيل ونتذكر ما يرتبط برمضان من روحانيات ووجبات دائمة وأطباق مستمرة على الموائد المصرية خاصة في وجبة السحور.

أشهرها طبق الفول المحبب لكل البيوت المصرية، ونتذكر ونسأل أين كانت تُعد قدر الفول وكيف كان يتم تجهيزها وتسويتها على النار وأشهر أماكن إعدادها منذ عشرات السنين، خاصة فول المستوقد اللذيذ، رؤية تجيب على تلك الأسئلة في السطور التالية..



أشهر مستوقد

هناك خلف أحد أشهر محال الكباب في القاهرة التاريخية، وفي شارع محمد علي والذي ينتهي إلى مسجد السلطان حسن وبالقرب من مدخل شارع المغربلين الشهير، يقع أحد أشهر مستوقدات الفول السابقة، أعلى أحد الحمامات الشعبية المنتشرة في مصر قديمًا، وفي منطقة لا تتعدى الـ 500 متر مربع، وقبل عشرات السنين كان يتم جمع قمامة القاهرة قديمًا ويتم حرقها في تلك المناطق خارج العمران، ويتم لف قدر الفول لتسويتها وتغطية فوهاتها بقطع من القماش والخيش السميك المبلل أسفل طبقة من الطين ويتم كمرها في نار المستوقد ومن هنا جاءت تسمية مستوقد الفول.

ولكن الناظر إلى هذا المستوقد وحاله الآن، يجد أنه يكاد يختفي بكل ما تبقى فيه من ملامح تاريخية، حيث تمرح فيه قطعان الكلاب الضالة وتعتليه القمامة وتنتشر في أرضيته الحشرات والقوارض رغم تسويره بقطع من المعدن إلا أن مدخنة المستوقد المصنوعة من الطوب اللبن والتي ترتفع لعشرات الأمتار تكاد تحتفي بعدما تساقط منها الكثير ومن الجائز أن تسقط نهائيًا بفعل الإهمال وعوامل الجو والزمن.


فول المستوقد

أطعم "فول مدمس" ينضج في "المستوقد"، وهو مكان يتم حرق القمامة فيه، حيث يتم دس قدر الفول بين أكوام القمامة التي يتم إحراقها بعد غلقها جيدًا بواسطة سدادة غالبًا تكون من القماش ثم وضع الطمي فوقها حتى لا يحترق القماش فتصبح القدرة مكتومة تمامًا، فلا ينفذ منها البخار مما يعطي الفول مذاقًا خاصًا يختلف عن مذاق الفول المُسوى بالطريقة العادية فوق النار، وكانت تستغل حرارة المستوقد الناتجة عنه في تسخين المياه في الحمامات الشعبية العامة، التي كانت تنتشر في مصر منذ قديم الزمان والتي كادت أن تختفي اليوم.

الفول المدمس

يقال إن مصدر كلمة مدمس هو أن أول من دس قدر الفول في القمامة المحترقة داخل مستوقد هو رجل يوناني يدعى ديموس وكان يمتلك حمامًا شعبيًا وخلفه المستوقد مصدر الطاقة لهذا الحمام ومن هنا اشتقت كلمة مدمس نسبة إلى ديموس اليوناني.

ويعود تاريخ الفول إلى العصر الحجري الحديث وقد بدأ استخدامه واستغلاله على نطاق واسع في الأمريكتين الشمالية والجنوبية من قديم الزمان وقد تعرف عليه كريستوفر كولومبس في جزر البهاماز حيث كانت تتم زراعة أنواعه بانتظام وبأساليب متطورة.

وكشفت الحفريات الأثرية الحديثة في فلسطين أن نبتة الفول كانت تستخدم قديمًا منذ 6500 سنة قبل الميلاد كما هو الحال مع بلاد ما بين النهرين لكن رحلتها استغرقت نحو 3000 سنة للوصول إلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا ومصر الفرعونية والسواحل الأوربية الجنوبية كاليونان وإسبانيا وايطاليا وغيرها كما استخدم الفول قديمًا من قبل سكان شمال الهند والصين وكان يقدم أيام الإمبراطورية الرومانية التي استغلت جميع أنواع الخضار والحبوب للحفاظ على قوتها.

مكامير برهيم


بدأ تصنيع الفول وتخزينه بمرحلة مكامير الفول وهو اللغز الذي حير العلماء والمكامير عبارة عن آبار في باطن الأرض تحفظ البقول ولو لمئة سنة لا يعطب ولا يدخله سوس وتعد قرية برهيم بمركز منوف التابعة لمحافظة المنوفية عاصمة تجارة الفول في مصر والوحيدة على مستوى العالم والفريدة والتي تتميز بمكامير الفول، وهي عبارة عن حفرة عميقة في باطن الأرض وفتحتها من أعلى قطرها متران وتمتد في العمق إلى عشرة أمتار وتتسع من وسطها إلى ثمانية أمتار.

وهي عبارة عن دائرة ويقوم الأهالي بتخزين الفول من العام إلى العام وهي مخصصة لحفظ الفول من التسوس وتساعد طريقة التخزين هذه إلى سرعة نضج الفول وكل أعمال التخزين تتم تحت رعاية مؤسسة كمر الفول بالقرية ويوجد مئات المكامير بالبلدة وهي تمتاز بعدم تسرب المياه إليها مع العلم أن المياه تمر على بعد أمتار منها، ولكن تلك المكامير أصبحت في حكم المنتهية بالقرية في الآونة الأخيرة.




اضف تعليق