الجوع أو الجائحة .. الفلسطينيون يخشون "عمالهم" ويخشون عليهم‎


٠٦ أبريل ٢٠٢٠

رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - غدًا وبعد غد عشية عيد الفصح اليهودي، يبدأ اكثر من  50 ألف عامل فلسطيني بالعودة الى بيوتهم في الضفة الغربية المحتلة، من أماكن عملهم في الداخل الفلسطيني المحتل، وسط مخاوف جدية من تفشي الكورونا في صفوفهم، وهو ما سيؤدي إلى كارثة طبية واجتماعية في المجتمع الفلسطيني، وسط صعف الإمكانيات.

"إذا التزم العمال بالفحص وعدم الاختلاط بالآخرين، وعدم العودة إلى العمل نقدر أن محاصرة الفايروس ستتم خلال 3 أسابيع"، تلك هي تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية.

الحكومة الفلسطينية في وضع حرج

الحكومة الفلسطينية في وضع لا تُحسد عليه، فهي من جهة تخشى على حياة عشرات آلاف العمال ومن جهة اخرى تخشى منهم بأن يدخلوا البلاد في متوالية عدوى للفيروس يتحول معها الوضع إلى كارثة مرعبة، ويعتبر احتكاك العمال الفلسطينيين مع الإسرائيليين أكبر التحديات التي تواجهها الحكومة الفلسطينية في محاربة جائحة الكورونا.

وقال رئيس الوزراء محمد أشتية قبل أيام، إن الثغرة الحقيقية في معركة الفلسطينيين ضد تفشي فيروس كورونا، هي الاحتلال ومستوطناته وحواجزه، وكل إجراءاته التي تحاول إفشال جهودنا لحماية أبناء شعبنا ووقف تفشي الوباء.

وأضاف عقب تسجيل إصابة 15 فلسطينيًا بفيروس كورونا، لعمّال كانوا يعملون في أحد مصانع مستوطنة "عطروت" المقامة على أراضي شمال القدس، أناستمرار تنقل العمّال، بتسهيلات إسرائيلية، بين مدنهم وقراهم وأماكن عملهم سواء داخل الخط الأخضر أو في المستوطنات، يشكّل ضربة لكل جهودنا التي اتخذناها بشكل مبكر لوقف انتشار المرض.

وتابع إننا نرى في استمرار السماح للعمّال بالتوجه إلى أماكن عملهم محاولة لحماية الاقتصاد الإسرائيلي على حساب أرواح العمّال، لكن اقتصاد إسرائيل ليس أغلى من أرواح أبنائنا.

ويشير تصريح أشتية إلى نيته اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً لمنع العمالة في إسرائيل في هذا الوقت؛ إذ أصبح العمال الفلسطينيون غير الملتزمين بقرارات السلطة منع التنقل بين الجانبين، يشكلون مصدر قلق كبير للفلسطينيين الذين يبدو أنهم سيغيّرون لغتهم المتحفظة إلى إجراءات أكثر تشدداً.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، دعت السلطة العمال إلى التوقف عن الذهاب إلى أعمالهم في إسرائيل، لكنها في الأيام الأخيرة نشرت الكثير من القوات الأمنية على مداخل المدن والقرى والبلدات التي يعبر من خلالها العمال إلى إسرائيل، من أجل ثنيهم عن العمل هناك، أو أخذهم مباشرة للفحوص الطبية في حال كانوا عائدين.

وعلى الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها السلطة لمواجهة تفشي الوباء، جلب بعض العمال معهم الفيروسات إلى رام الله وبيت لحم وقرى القدس. وتسبب العمال في إصابة أعداد لا بأس بها من المخالطين ورفعوا الأرقام بشكل كبير حتى من دون أن يعودوا جميعاً إلى الأراضي الفلسطينية.
 
ويقدر عدد العاملين الفلسطينيين في إسرائيل بحوالي ربع مليون عامل، تعمل الأجهزة الأمنية على احتواء العمال ومراقبتهم لاحقاً.

الاحتلال يتعمد ادخال العمال بدون فحصهم

قرب حدود القدس المحتلة على أطراف مدينة رام الله وقبل ثلاث ليالي شوهدت شاحنة تابعة لمستوطنين بحراسة جنود الاحتلال الإسرائيلي تنزل عمالًا فلسطينيين قرب السياج الأمني لمستوطنة كوخاف يعقوب شرق مدينة البيرة، قبلها وعلى طوال الجدار الفصل والضم العنصري وتحت جناح الليل يواصل جيش الاحتلال فتح بواباته للعمال حتى يتسللوا إلى مناطق الضفة بدون فحص، دون الخضوع للحجر الصحي الوقائي من جائحة كورونا.

وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد حذرت السبت من أن المستوطنات تحولت إلى بؤر ناقلة لوباء كورونا إلى المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، محذرة من استغلال المستوطنين حالة الطوارئ لزيادة انتهاكاتهم.

العامل بين خياري الجوع أو الجائحة

وفي منتصف الشهر الماضي دخل هؤلاء العمال ضمن اتفاق ينص على بقائهم في الداخل المحتل لمدة شهرين على الأقل، مرغمين بفعل الحجر الصحي الذي سيفرض في فلسطين المحتلة وفي كيان الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الصهاينة سرعان ما أخلفوا العهد والاتفاق.

لم تكن الورش وأماكن العمل، ضمن الحد الأدنى المقبول للحياة إذ إن المقاول الإسرائيلي بالكاد وفّر لهم فراشا وأغطية داخل غرف مهجورة في الورشة من دون مطبخ أو حمامات.

دعوات السلطة للعمال بالتوقف عن الذهاب للمستوطنات أو إسرائيل ليست الأولى من نوعها، ولم تلق آذاناً صاغية في الماضي، لكنها تكتسب أهمية خاصة هذه المرة؛ كونها تأتي مع تفشي فيروس كورونا.

وأطلقت السلطة حملة مكثفة عام 2010 من أجل وقف التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية بالحد الأدنى، لكنها لم تكلل بالنجاح. ولم يوافق كثير من العمال الفلسطينيين في إسرائيل على خطط السلطة الفلسطينية لمنع العمل نهائياً في إسرائيل. ويطالب العمال ببديل لهم في حال أجبرتهم السلطة على التوقف.

وتظهر فاتورة العمال الشهرية رقماً مهولاً يفوق الرقم الذي تدفعه السلطة لموظفيها، وتقدر سلطة النقد أجور العمال الفلسطينيين ممن يعملون بتصاريح عمل رسمية داخل المستوطنات والخط الأخضر بـ800 مليون شيقل (230 مليون دولار) شهرياً، بينما يقدر متوسط أجورهم السنوية كمجموع العمال كافة، بنحو 9 مليارات شيقل (2.5 مليار دولار) سنوياً، أما فاتورة رواتب موظفي السلطة الشهرية فتبلغ نحو 560 مليون شيقل شهرياً نحو (160 مليون دولار).

ويخشى اقتصاديون من أن إغلاق إسرائيل بشكل كامل أو توقف العمال عن الذهاب إليها، سيضاعف بشكل غير مسبوق من الأعباء الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، لكن السلطة ترى أنه لا بد من مواجهة الجائحة ولو بأصعب القرارات.

من يمرض يلقى على قارعة الطريق دون أدنى شكل من اشكال المساعدة

بدت العنصرية جلية بحق العمال الفلسطينيين الذين اضطروا للعمل في الكيان الإسرائيلي واضحة، من قبل الاحتلال، عبر رمي بعضهم على قارعة الطريق إلى جانب حواجز الاحتلال العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية، بشبهة إصابتهم بفيروس كورونا، رغم أنه لم تثبت إصابتهم بالفيروس من خلال الفحوصات.

وقال أمين عام اتحادات النقابات العمالية الفلسطينية المستقلة، محمود زيادة، إن تراجع الحكومة الإسرائيلية عن التزاماتها بتوفير أماكن لمبيت العمال واستغلال العمال في مجال الإنشاءات يأتي انسجامًا مع ما قد تعلنه إسرائيل من حالة فرض الطوارئ وتقييد الحركة".

وأشار زيادة إلى أنه من منطلق أن إسرائيل قوة احتلال ووفق المعايير الدولية فإن العمال يستحقون تعويضات مجزية عن صرفهم بالإكراه ومن طرف واحد، بعد أن جرى تشغيلهم لوقت طويل. فيما أكد على أن الاتحادات النقابية تطالب منذ وقت طويل بضرورة إنشاء نظام حماية اجتماعي وطني قادر على استيعاب مثل هذه الأزمات.

وأكد زيادة على أن هناك مسؤولية دولية لمنظمة العمل الدولية والاتحاد الدولي للنقابات وعليهما أن يتحملا مسؤولياتهما تجاه الإجراءات بحق العمال التي أقدم عليها الاحتلال، "فالمطلوب من تلك المؤسسات أن ترفع صوتها عاليًا ضد الممارسات الإسرائيلية، التي تمت بحق العمال لمجرد الاشتباه بإصابتهم بفيروس كورونا، وتبين بعد الفحوصات أنهم غير مصابين، وهو أمر مخالف لمعايير العمل الدولية التي تلزم المشغلين بمعالجة من يتعرض للإصابة أو المرض أثناء العمل".

وشهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الممارسات العنصرية تجاه العمال وتسريحهم من أعمالهم بزعم الاشتباه بإصابتهم بفيروس كورونا الجديد.

حيث تسلم محافظ طولكرم شمال الضفة عصام أبو بكر الليلة الماضية، 3 عمال فلسطينيين من طولكرم وسلفيت تم تسريحهم من أرباب عملهم الإسرائيليين، وألقي بهم على حاجز جبارة العسكري الإسرائيلي المقام جنوب طولكرم، وهم بحالة إعياء ويعانون من ارتفاع في درجات الحرارة وصلت عند بعضهم إلى 40 درجة، وأخذت منهم الطواقم الصحية عينات، وتم وضعهم قيد الحجر في مركز صحي في طولكرم.
 


اضف تعليق