ويليام وردزورث.. الباحث عن شعر يتطابق مع الحياة


٠٧ أبريل ٢٠٢٠

رؤية

كان ويليام وردزورث حساسًا كشاعر، قريب الدمع وعصبيا كامرأة، يعاني من الصداع خاصة عندما ينخرط في تأليف الشعر. وغالباً ما كان مكتئبًا متقلب المزاج يميل إلى الوسواس المرضي، وذات مرة فكر في الانتحار. وكان يحب المال حبا جما، معتزا بنفسه واثقا من تفوق أحاسيسه وسموه العقلي، لكنه كان متواضعا أمام الطبيعة معتزا بنفسه خادمًا لها ومعبرًا عنها.

ولد الشاعر الإنجليزي ويليام وردزورث في السابع من أبريل سنة 1770، لأب يعمل محاميا، شجع أبناءه على إكمال دراستهم. أما والدته فقد رحلت في فترة شبابه، فأرسل إلى مدرسة بعيدة عن منزله لإكمال تعليمه.

التحق بجامعة كيمبردج، وعندما تخرج تحطمت كثير من آماله بذهابه إلى لندن، حيث عاش في خمول. بعدها عاد عندما أحس بحاجته إلى المال، وحينها نشر قصيدتين، لم تلقيا قبولا من الجمهور، ومع ذلك فقد ساعده أصدقاؤه للتفرغ للكتابة.

في ذلك الوقت التقى الشاعر صموئيل تايلور كوليردج وكونا صداقة، واشتركا في عمل مجلد يحوي الأشعار الرومانسية، حاولا فيه استخدام اللغة العادية في شكل شعري.


تنقلت بين شعوب غريبهْ

وطئت ترائب خلف البحار

فأيقنت إذ ذاك كم، يا حبيبهْ،

لأرضك أحملُ عشقاً ونار

لقد كان حلماً كئيباً فولّى

وعدت إليك مَشوقاً وبار


في نوفمبر 1792 ذهب بمفرده إلى فرنسا، وفي ذلك الوقت كانت الثورة الفرنسية قد صاغت دستورها الليبرالي، وإعلان حقوق الإنسان للعالم، وهو ما أثار اعجابه، فكتب عنهم "هؤلاء الفرنسيون الذين يعرضون أموراً علينا النظر إليها، إنهم يعرضون جمهورية حيث يكون، كل الناس فيها - إلى حد كبير- سواء، يقفون على أرضية مشتركة، لنصبح جميعا إخوة، متساوين في الكرامة والشرف لنكوّن مجتمعا واحدا كريما وشريفا، مجتمعا واحداً يضم السادة والدارسين، ولا تغدو هناك فوارق ويقل شأن الألقاب والثروة - أمام المواهب والجدارة والحرف (الصناعات) المزدهرة".

تعلم وردزورث اللغة الفرنسية، وانخرط في وقائع الثورة، حيث وجد نفسه في وسط أحداث صنعت التاريخ وهزته. فكان يقول: "أن تكون على قيد الحياة في فجر هذه الأحذاث، فتلك نعمة، أما أن تكون شابا فقد أدركت الفردوس بعينه"..!

وصله خطاب من أخيه يرفض تقديم مزيد من الدعم المالي ويصر على عودته السريعة، فعاد إلى لندن وحاول تحسين الأمور المالية للأسرة.

عكف على دراسة الشعر وقرضه، وواصل تأييده العلني للثورة. وامتدح الثورة الفرنسية لا باعتبارها تحريرا لأمة فحسب، وإنما باعتبارها تنطوي على تحرير الجنس البشري كله. واعترف في كتابات نشرت بعد وفاته أنه كان يكتم سعادته لانتصارات الثورة الفرنسية حتى عندما كان آلاف الإنجليز يلقون حتوفهم في ميدان المعركة دون أن يتركوا وراءهم مجداً.

 وفي أول فبراير 1794 أعلنت فرنسا الحرب على إنجلترا، واكتشف ويليام شيئا فشيئا مزايا الدستور البريطاني، وتضاءل إيمانه بالثورة الفرنسية عندما قطعت المقصلة رؤوس الجيرونديين في عهد الإرهاب سنة 1794، وكان وليم معجباً بهم.

تأثر بشدة بكتاب الفيلسوف الشهير جودون عن العدالة السياسية، الذي شجع اتجاهه الراديكالي لكنه أثر في تحذيره من الثورات التي يشعل الثوريون نيرانها.

علاقته بشقيقته


كانت شقيقته دوروثي هي صديقة طفولته، وكان ارتباطه بها يفوق ارتباطه بإخوته الآخرين، فكانت شديدة الحساسية، وأسرع منه في تمييز أشكال النباتات وألوانها، وأنواع الأشجار، وشديدة الإحساس بضوء القمر الفضي الذي يكسو البحيرات.

كتبت دوروثي ذات يوم "لقد اعتدنا أن نتمشى كل صباح نحو ساعتين، وكنا في كل يوم نذهب إلى الحديقة في الساعة الرابعة مساء، لنسير جيئة وذهابا حتى السادسة. آه، إنني لم أكن أشعر بالبرد عندما يكون معي".

لم يمتلك وردزورث أموالا لتمويل حلم أخته دوروثي بإقامة سكن يعيشان فيه عيشة مشتركة متواضعة قوامها الشعر والحب، لكن الصديق جون بني البريستولي، قدم لهما مقر إقامته المؤثث في دورست، ليقيما فيه مجانا، وهناك ظلا حتى يونيو سنة 1797 وتمتعا في هذا المكان بما لم يتوقعانه من سعادة وراحة بال.

كانت دوروثي تكثر من المشي تحت الشمس، فأكسبت وجهها سمرة. ولم تكن أنانية مستغرقة حول ذاتها أو مفرطة بالإعجاب بنفسها، فعكفت على خدمة أخيها، وجعلت بيتهما نظيفا دافئا، ورعته في مرضه وكانت تبحث عن مباهج الطبيعة وعجائبها وخوارقها بعينين متوهجتين، على حد تعبيره.




ظل يكتب دون انقطاع حتى الخامسة والأربعين من عمره. وقد أوضح نظريته الشعرية في المقدمة الشهيرة التي كتبها عام 1800 لديوان "أناشيد غنائية"، وفيها يقول: "لقد مللنا من الشعر التعليمي والوعظ السابق. نحن نريد شعراً جديداً يعبر عن مشاعرنا الحميمة الأكثر صدقاً وحدة وكثافة. نريد الشعر الصادق الذي يتطابق مع ما نحسّ به ونشعر، لا الشعر المفروض علينا من قبل التراث والأقدمين. نحن لا نريد بعد اليوم تقليد الماضي، نحن نريد التعبير عن تجربتنا الحية، تجربتنا العلمية الممارسة كل يوم. ولا نريد التعبير عن تجارب اصطناعية لا نحس بها. بمعنى آخر: نريد شعراً يتطابق مع الحياة، لا شعراً جافاً متخشباً منقطع الصلة بالحياة".

وكان وردزورث في سنة 8971 قد بدأ كتابة "الناسك"، وهو عمل بث فيه فكرة أن الانسان الذي يعرف الحياة حق المعرفة هو الذي عايشها ومن ثم انسحب منها.

وقد حثه صديقه كولردج على تطوير هذه الفكره، واقترح عليه أن يكتب قصيدة بالشعر الحر، موجهــة إلى هؤلاء الذين فقــدوا كل أمــل في تحســن أحــوال البشرية وانغمسوا في أنانيــة لا تبحث إلا عن اللــذة. لقد اتفقا على أن ذروة الأدب هو الزواج السعيد بين الفلسفــة والشــعر.

وفي 25 يوليو سنة 1834 رحل عن عالمنا في الثانية والستين من عمره، وكان يقول: "إنني أموت، لكن دون أن أتوقع راحة سريعة".


الكلمات الدلالية ويليام وردزورث

اضف تعليق